رسالة : من زعيم البوليساريو… إلى الرئيس التونسي المنصف المرزوقي

 

فخامة الرئيس المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية التونسية القصر الرئاسي ـ تونس

فخامة الرئيس والأخ العزيز،
أغتنم هذه السانحة لأتقدم لكم، باسمي الشخصي وباسم شعب وحكومة الجمهورية الصحراوية، بأحر وأصدق التهاني بمناسبة الذكرى الأولى لانتصار الثورة التونسية ومعانقة شعبها الأبي لنسائم الحرية والكرامة كنتيجة حتمية لتضحياته الجسيمة وحسه الوطني المتأصل ونزوعه الفطري للتحرر والعدالة والديمقراطية.
لقد سطّر الشعب التونسي من خلال “ثورة الياسمين“ ملحمة إنسانية راقية، تناغمت فيها هتافات الشباب الأعزل إلا من حناجر تصدح بالانعتاق وزغاريد النسوة المتواجدات في الخط الأمامي للمواجهة منذ بداية الثورة، مع حكمة الرجال، من أمثال فخامتكم، ممن قطعوا على أنفسهم عهد البذل والتضحية خدمة لتونس ولكرامة وحرية شعبها.
إن مُثل الحرية والكرامة والديمقراطية التي شكّلت روح ثورة الشعب التونسي الشقيق هي المثل ذاتها التي ناضل الشعب الصحراوي من أجلها ضد الاستعمار الإسباني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ومازال، حتى اليوم، يخوض آخر معاركها ضد الاحتلال المغربي، بكل إصرار ويقين بحتمية النصر. وإذ نهنئكم، فإن الشعب الصحراوي يهنئ نفسه أيضا، فانتصار ثورتكم يشكل ذخرا مهما وزادا معنويا كبيرا له في كفاحه الوطني من أجل احترام حقه في الاختيار الحر وتقرير المصير من خلال استفتاء ديمقراطي، شفاف ونزيه تحت إشراف المجتمع الدولي، كما تنص على ذلك لوائح الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
فخامة الرئيس،
إن حالة الجمود التي تمر بها مساعي الأمم المتحدة لتسوية النزاع في الصحراء الغربية والتي كنا نراهن عليها لحقن دماء وإنهاء معاناة الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي، تعود أولا وأخيرا إلى التحول المفاجئ لموقف الطرف المغربي من الاعتراض على بعض النقاط الإجرائية من مخطط التسوية الأممي ـ الإفريقي، من مثل مقاييس المصوتين إلى رفض مبدأ التسوية السلمية الذي على أساسه توجد بعثة الأمم المتحدة في الإقليم منذ سنة 1991 وفي إطاره جنحنا للسلم جميعا، ألا وهو مبدأ استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي، الذي أقرته الأمم المتحدة منذ سنة 1966 وما فتئت تؤكد عليه سنويا. إن عدم وفاء المملكة المغربية بالعهد الذي قطعته على نفسها منذ إعلان جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني في قمة منظمة الوحدة الإفريقية بنيروبي سنة 1981 قراره بقبول استفتاء تقرير المصير فيصلا في النزاع، وما تلا ذلك من مساع حثيثة وصادقة لطي صفحة أليمة من تاريخ أمتنا العربية ومن تاريخ علاقات الشعبين الصحراوي والمغربي، شكّل ضربة قوية لمسار التسوية وتطوّرا بالغ الخطورة كاد أن يعيد النزاع إلى نقطة الصفر في مناسبات عديدة، ويجعله الآن مفتوحا على جميع الاحتمالات. احتمالات لا تبشر بالخير إطلاقا، إذا ما نحن أخذنا في الحسبان أجواء الاحتقان والتهييج والعسكرة والقمع الوحشي الممارس بشكل يومي من طرف السلطات المغربية بحق المدنيين الصحراويين في المدن المحتلة من الصحراء الغربية التي تعيش انتفاضة شعبية سلمية منذ ماي 2005 مطالبة بيوم واحد من الديمقراطية، يتمكن من خلاله الشعب الصحراوي من تقرير مصيره بكل حرية.
فخامة الرئيس،
لقد اندلع النزاع المسلح في الصحراء الغربية نهاية سنة 1975 في الوقت الذي كان الشعب الصحراوي يستعد لقطف ثمار سنوات طويلة من النضال السياسي والمسلح ضد الاستعمار الإسباني، كانت قد بدأت منذ مطلع القرن العشرين ضد إسبانيا وفرنسا، في شكل كفاح شعبي عفوي ضد كل أشكال الاحتلال الأجنبي في الصحراء الغربية وفي دول الجوار. ومع بداية الستينيات وبدايات تشكل نخب المثقفين الصحراويين، بدأ وعي الشعب الصحراوي الرافض للاستعمار الإسباني يأخذ أبعادا أكثر تنظيما خاصة مع ميلاد تنظيم “حركة تحرير الصحراء“ التي تم اختطاف قائدها الفقيد محمد سيد إبراهيم بصيري مباشرة بعد مذبحة حي الزملة في مدينة العيون بتاريخ 17 يونيو .1970 من رحم تلك الحركة، وضمن سياق حروب التحرير الوطنية في إفريقيا، ومن خلال تمسك الصحراويين بحقهم في الحرية والاستقلال، وُلدت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو“ 10 أيار سنة 1973، لتشرع مباشرة، بالتوازي مع تأطير وتنظيم الشعب الصحراوي، في خوض غمار الكفاح المسلح ضد حاميات الجيش الإسباني في نقاط مختلفة من الصحراء الغربية حتى إجبار مدريد، من خلال الرسالة التي وجهها وزير خارجية إسبانيا إلى الأمم المتحدة (1974)، على الرضوخ لإرادة المجتمع الدولي وقبول تنظيم استفتاء تقرير المصير في النصف الأول من سنة .1975 إعلان إسبانيا جعل المغرب يسارع في إعلان نواياه الحقيقية معربا، بالاشتراك مع موريتانيا آنذاك، عن حقوق تاريخية لهما في الإقليم، وهو ما حدا بالجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ29، ديسمبر 1974 إلى إصدار قرارها رقم (29)ـ.3292 القرار تضمن طلب رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية، وكذا إرسال بعثة أممية لتقصي الحقائق إلى الإقليم وإلى دول الجوار.
بتاريخ 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري الشهير حول القضية والذي يشكل الإطار القانوني المحدد لطبيعة النزاع في الصحراء الغربية، من حيث كونه نزاع تصفية استعمار ولمسار تسويته العادلة وفق القانون الدولي من خلال استفتاء الشعب الصحراوي طبقا لمقتضى لائحة 1514 للجمعية العامة للأمم المتحدة المصادق عليها سنة .1960 الرأي، بمعزل عن رغبة المغرب المبيتة في اجتياح الإقليم لا يحتمل أي تأويل آخر، إذ يؤكد في فقرة الحكم النهائية رقم 162: “إن العناصر والمعلومات المتوفرة لدى المحكمة، لا تثبت وجود أي علاقة سيادة بين إقليم الصحراء الغربية من جهة، والمملكة المغربية والمجموع الموريتاني من جهة أخرى. وعليه فإن المحكمة لم تر أي روابط قانونية من شأنها التأثير على تطبيق القرار 1514 للجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، خاصة تطبيق مبدأ تقرير المصير عن طريق التعبير الحر والأصلي لسكان الإقليم عن إرادتهم“.
أما تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية الصادر يوم 12 أكتوبر 1975، أربعة أيام فقط قبل رأي محكمة العدل الدولية، فهو يشكل وثيقة باقية تؤرخ لإجماع الشعب الصحراوي على خيار التحرر والاستقلال الوطني ورفض المطالب التوسعية المعبر عنها من طرف المغرب وموريتانيا آنذاك، إذ يؤكد: “إن الغالبية العظمى من السكان الصحراويين، أو على الأقل ممن التقتهم البعثة، قد عبروا عن رفضهم التام للمطالب المغربية والموريتانية، وأعربوا عن دعمهم لأهداف جبهة البوليساريو في الاستقلال“.
بالرغم من كل ذلك، خاض المغرب مغامرته التوسعية في اتجاه معاكس للشرعية الدولية وللتطلعات الحقيقية لسكان الصحراء الغربية ولتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وما يقتضيه انتماؤنا ومستقبلنا المغاربي والعربي، والتي قادت إلى فتح جرح مازال نازفا إلى حد الساعة ودفعت بالمنطقة والشعبين الصحراوي والمغربي إلى الاقتتال فيما بينهما وتضييع مواعيد مع التاريخ أملت، وتُملي الآن أكثر من أي وقت مضى، ضرورة التعاضد والتكامل على أساس الاحترام والاعتراف المتبادلين، وليس على أساس الإقصاء والإخضاع بالترهيب والتنكيل والتشريد.
ومثلما أخطأت كل الأنظمة الاستعمارية والقمعية في التقدير، بما فيها النظام التونسي الذي أسقطته الجماهير التونسية بعد أكثر من عقدين من الاستبداد، كان المغرب قد تصور، خريف سنة 1975، أن جولة عسكرية لمدة أسبوع في الصحراء الغربية كافية للقضاء على الصحراويين وفقء بؤبؤ الحرية في عيونهم إلى الأبد. وكما ظل جمر التونسيين يتقد يوما بعد الآخر تحت رماد القهر حتى أطل متوهجا مطلع العام الماضي، أثبت الصحراويون، طيلة سنوات الحرب، استبسالا منقطع النظير، أحال جولة الأسبوع القصيرة إلى عقود من المقاومة والصمود والتمسك بحقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.
فخامة الرئيس،
إن خطأ المغرب في التقدير هو الذي فرض الحرب على الشعب الصحراوي ولم تكن خيارا إراديا لديه على الإطلاق، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالشعب المغربي الشقيق والمسلم الذي تربطنا وإياه وشائج العروبة والدين وأخلاق حسن الجوار، وهي قيمة كبرى في ثقافتنا الصحراوية البدوية. لقد خضنا، بالرغم من القلة العددية وشح الإمكانات، حربا وطنية ضروسا، أدت مبكرا، سنة 1979، إلى إخراج موريتانيا من النزاع وأفضت إلى حمل الدليل الكافي للمغرب على فشل مقاربة “جولة الأسبوع العسكرية“ وأن ليس ثمة من قوة في العالم تستطيع إسكات إرادة الشعب الصحراوي في التحرر وممارسة حقه الطبيعي غير القابل للتصرف في تقرير المصير من خلال استفتاء حر، ديمقراطي ونزيه كما ينص على ذلك ميثاق ولوائح لوائح الأمم المتحدة.
وما دام “الاعتراف بالخطأ وتصحيحه من شيم الحكماء“، فقد بادر الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، إلى الإعلان، خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية المنعقدة في نيروبي سنة 1981، عن تحول جوهري في الموقف المغربي، من خلال القبول بقرارات الأمم المتحدة الداعية إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير. لقد كان ذلك الإعلان، تعبيرا عن وعي عميق بكارثية المواجهة وتجسيدا لإحساس مشترك لدى المغاربة والصحراويين، على حد سواء، بآلام حرب الأشقاء القاتلة وتطلع واثق لمستقبل مشترك أكثر إشراقا.
في الإطار نفسه، يأتي الخطاب التاريخي للمرحوم الحسن الثاني أمام الدورة الـ37 للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 1983) والذي أكد من خلاله “أن المغرب يشهدكم أنه يريد الاستفتاء، ومستعد لتنظيمه غدا إذا شئتم، وجاهز لوضع كل التسهيلات أمام انتشار المراقبين الدوليين ووقف إطلاق النار من أجل حصول استشارة شعبية عادلة ونزيهة… المغرب يتعهد أمامكم باحترام أي نتيجة يفضي إليها الاستفتاء“، والذي يشكل عهدا قطعه المغرب على نفسه ودينا أمام الله وأمام الشعب الصحراوي والعالم ، مازال العالم ينتظر تسديده إلى يومنا هذا، بالرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمن على إعلان وقف إطلاق النار بين الطرفين وانتشار بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) في الإقليم، وانقضاء عدد غير محدود من جولات المفاوضات المباشرة بين الطرفين.
ثمة تساؤل مشروع، بل بديهي، يطرح نفسه دائما؛ لماذا يرفض المغرب الاستفتاء؟ لماذا يتحول من التعهد القاطع بالالتزام بتنظيمه وبنتائجه إلى رفضه من الأصل بعد أن نجحت بعثة الأمم المتحدة في إنجاز ثلاثة أرباع من العمل المطلوب لتنظيمه؟ الجواب، بقدر بداهة السؤال، وتختصره مقولة مناضل تعرفونه جيدا ألا وهو رئيس تيمور الشرقية راموس أورتا، حين قال إن “من يخاف الاستفتاء، إنما يخاف الحقيقة“.
فخامة الرئيس،
بالموازاة مع رفض مبدأ استفتاء تقرير المصير، يعمد المغرب إلى ارتكاب فظائع وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الصحراويين العزل في الجزء المحتل من الصحراء الغربية. تلك الانتهاكات رافقت الاحتلال المغربي منذ منتصف السبعينيات، من خلال حملات الاختطاف الجماعي والاختفاء القسري والتعذيب المبرح، ووصلت إلى حد رمي الصحراويين من الطائرات العسكرية ودفنهم أحياء في مقابر جماعية بشهادة تقارير حقوقية دولية عديدة وبشهادات الناجين الصحراويين من مخابئ الاعتقال السري.
الآن، في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وعلى خلفية الانتفاضة السلمية السالفة الذكر، وبشهادة منظمات وازنة من مثل “منظمة العفو الدولية“، “هيومان رايتس ووتش“، “الخط الأمامي“، “المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب“، “مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان“ وغيرها، يرتكب المغرب انتهاكات لا تقل فظاعة، بنفس مفردات السبعينيات أي؛ الاغتيال السياسي، التعذيب، الاغتصاب، السجن دون محاكمة، إغلاق الإقليم أمام الصحفيين والبعثات الدولية وطرد الوفود الأجنبية من على عتبات مطار مدينة العيون المحتلة. للأسف، يحدث كل ذلك، في ظل تواجد بعثة للأمم المتحدة في الإقليم، وهو ما حدا بنا، وبالعديد من الدول والمنظمات الحقوقية، للمطالبة بتوسيع صلاحياتها لتشمل إمكانية مراقبة وحماية حقوق الإنسان في الإقليم. وهو الطلب الذي يستشيط له المغرب غيظا، ويواجه “فيتو“ فرنسيا داخل مجلس الأمن الدولي.
مرة أخرى، يتبادر إلى الذهن تساؤل مشروع؛ لماذا يرفض المغرب تكليف البعثة الأممية بمهمة مراقبة حقوق الإنسان في الإقليم؟ والجواب بديهي، وهو أن ليس من مصلحة المغرب وجود شاهد دائم، بتكليف دولي، يميط اللثام عن “ما خفي“، وهو أعظم بالتأكيد.
إن الأحداث الدموية التي دارت رحاها في مدينة العيون المحتلة نوفمبر 2010، أكثر من شهر بقليل على اندلاع ثورة 17 ديسمبر في تونس، وبالتحديد في مخيم “أكديم ايزيك“، الذي يعتبر بمثابة “سيدي بوزيد“ الصحراء الغربية، وما تلاها من مواجهات في مدن أخرى خاضعة للاحتلال المغربي والمستمرة إلى اليوم وتتخذ أبعادا أكثر شمولية، لتدعو المغرب وتدعوكم، فخامة الرئيس، وأنتم المناضل الذي خبر الثورة وخبر تعلق الشعوب بالحرية، إلى منع المغرب من ارتكاب خطأ ثان في تقدير الأمور واستصغار قدرة الشعب الصحراوي على النفخ تحت جمر المقاومة الشعبية للانبعاث من تحت رماد الاحتلال والتعتيم والمغالطات التي لم تعد تنطلي على أحد.
إن رصيدكم التاريخي وشرف أن تكونوا أول رئيس ديمقراطي لتونس الحرة بعد انتصار الثورة، يجعلكم في موقع مميز سياسيا ومعنويا لإقناع المغرب بالالتزام بالخيار الديمقراطي والقانوني لتسوية النزاع والسماح للشعب الصحراوي باختيار مستقبله بكل حرية من خلال استفتاء تقرير المصير. فيما عدا ذلك، إنما نؤجل النتيجة التاريخية الحتمية والتي تقضي دائما بانتصار إرادة الشعوب، ولنا في تونس آخر وأنصع الأمثلة. كما سنكون قد ضيعنا، من جديد، كمغاربيين، موعدا آخر مع التاريخ، حيث تقتضي المصلحة العليا لشعوب المنطقة الإسراع في تسوية نزاع الصحراء الغربية على أساس القانون والشرعية الدولية للانطلاق في تجسيد حلم المغرب العربي واقعا على الأرض، كخيار استراتيجي وضمانة حقيقية لأمن ورخاء وازدهار المنطقة، في ظل عالم تسيطر عليه التكتلات الجهوية والقارية.
فخامة الرئيس،
لقد رافق حروب التحرير الوطنية وتلاقح أفكار المثقفين ونخب المنطقة، منذ لقاء طنجة (أبريل 1958) وقبل ذلك، وعي عميق بأهمية تكتل مغاربي ومساع حثيثة على المستويات الوطنية والجهوية لتجسيد حلم الوحدة المغاربية.
من الطبيعي أنه لا يمكن للشعوب المغاربية أن تشعر بالأمان أمام نظام لا ينفك يمد أرجلاً أخطبوطية على حدود زئبقية تموج في كل الاتجاهات، بشهية مفتوحة لالتهام بلدان وشعوب بأكملها. فبعد أن تبنت المملكة المغربية أطروحة “المغرب الكبير“ التوسعية، والتي لا تزال قائمة إلى اليوم، عمدت إلى اجتياح الجزء الغربي من الجزائر المستقلة سنة 1963، وجراح حربها الوطنية لما تندمل، ورفضت الاعتراف باستقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية حتى سنة 1970، ثم قامت بالغزو العسكري اللاشرعي للصحراء الغربية سنة .1975 لقد شكّل ذلك ضربة في الصميم للمشروع وانقلابا على الحد الأدنى من شروط التعايش والتعاضد، ألا وهو الاعتراف المتبادل بين جميع شعوب المنطقة وحقها في الوجود.
إن السياسة التوسعية المغربية مسؤولة عن اغتيال الحلم الحضاري المغاربي في مهده، واستمرارها في الصحراء الغربية هو السبب الحقيقي لتعثر كل المساعي الهادفة إلى إحيائه لاحقا. ومثلما أن المثل البدوي الصحراوي لا ينصح “بطلاء الإبل على الوبر“ فقد أثبتت مساعي دول المنطقة، وأبرزها إعلان زرالدة (1988) ومعاهدة التأسيس (1989)، استحالة تحقيق الحلم في ظل مواصلة إحدى دول المنطقة سياستها التوسعية في احتلال شعب وبلد جار وشقيق ينتمي إلى نفس المنطقة، جغرافيا، ثقافيا، اجتماعيا وإنسانيا ومعني بحاضرها ومستقبلها على نفس الدرجة مع باقي الشعوب.
فبناء المغرب العربي على أسس متينة، تضمن له شروط البقاء وتجعله مبررا للمباهاة بالنسبة لشعوبه بين الأمم، لا يمكن أن يحدث إلا على أساس احترام الشرعية والقانون الدولي والانتصار لقيم الديمقراطية والحرية والعدالة من خلال إعطاء الشعب الصحراوي، وهو أقل ما يستحق، حقه في تقرير مصيره بكل حرية. ومثلما أثبت تاريخ المنطقة أن أي مسعى لبناء الاتحاد على جثمان الشعب الصحراوي سيكون مآله الفشل الحتمي، فإن التجارب المشابهة في المحيط المجاور وأقربها الاتحاد الأوروبي، أثبتت أن التكتلات الكبرى تصمد بقدر ما تنجح في احتواء الشعوب والدول الكبرى والصغرى على قدم المساواة على أساس الاعتراف المتبادل بالسيادة والوجود. ففي بروكسيل تجلس اللوكسمبورغ إلى جانب فرنسا، ومالطا إلى جانب إيطاليا وقريبا قد تجلس ليشتنشتاين إلى جانب ألمانيا. لقد نجحت الدول الأوروبية الكبرى لأنها تخلصت من عقد التاريخ والجغرافيا في سبيل هدف أنبل يقطف الأوروبيون ثماره اليوم.
والمغرب، فخامة الرئيس، مطالب بالتحرر من عقدة “التوسع“ المتمثلة في استمرار احتلال الصحراء الغربية، خاصة أن المجتمع الدولي يعطيه الفرصة المثلى لذلك وهي الاحتكام لصناديق الاقتراع، وتحكيم إرادة الشعب الصحراوي. تلك، هي الخطوة الأولى والضرورية، ومهمتكم تعوّل عليها جميع شعوب المنطقة لإقناع المغرب بذلك. أما استغلال “نبل المقصد“ المتمثل في اتحاد المغرب العربي، لتشريع ذبح الشعب الصحراوي والالتفاف على حقه في الوجود، كما يريد المغرب اليوم، فهي بالإضافة إلى كونها مقاربة لا أخلاقية، فإن مصيرها الفشل كسابقاتها. أو لم يقل شاعر المغرب العربي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

وتقبلوا، فخامة الرئيس والأخ العزيز، أسمى آيات التقدير والاحترام.
الأمين العام لجبهة البوليساريو،
رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)