„ربورطاج. أحداث تازة الدامية“:من قبل طاقم من الحقوقيين والعشرينيين والصحفيين

كانت رحلة قصيرة، لاستطلاع حقيقة ما يجري على الأرض، برفقة طاقم من الحقوقيين والعشرينيين والصحفيين، الانطلاق في منتصف اليوم، أربع ساعات ونصف من الطريق، تلك الطريق التي كُلما اقتربنا من تازة، ازدادت برودة وتكثفت بنقاط التفتيش.

وصلنا، كان الاستقبال في مقر „الاتحاد المغربي للشغل“ بالمدينة، الذي لا يفصله سوى شارعين عن مقر الأمن ، والذي تجاوره ساحة مليئة بحافلات، آوى لها مئات عناصر الشرطة، بمختلف ألوانهم ورتبهم؛ „فرعهم البرد طيلة الليلة الماضية، التي باتوها في الشارع، والآن يحصون مرضاهم ليستبدلوهم استعدادا ليوم غيره“، يشرح مرافق من لجان التظاهر في الأحياء.

ويضيف: „الشعارات اجتماعية الآن، أهمها الشعب يريد تحقيق المطالب، والشعب يريد تحرير المعتقل، ومعها شعارات الانتماء لتازة والتزاويين؛ -تازي حور تازي حور، تازي ما يرجع اللور- هذا الشعار الذي ما أن يُقال حتى تشتعل العيون والهمم إلى الأمام.. أهم شيء الآن هو الكهرباء والماء، وتشغيل المعطلين وكسر العزلة عن المدينة، لكن إن تمادت السلطة في الإكراه والقمع سنُشعل الثورة من هنا“.

لما أسأله عن حقيقة ما يُقال عن أن النهج الديمقراطي والعدل والاحسان هما الذين يشعلان المظاهرات، يبتسم: „النهج في كل تازة لا يتجاوز العشرة معظمهم شيوخ، والعدل انسحبت بمجرد ان انسحب التنظيم وطنيا، وغير القليل من الدعم عبر الانترنت والفيس بوك لا يوجد أي شيء آخر“ ولما أسألهم عن انتمائه وخليته يجيب „احنا ولاد الشعب، خرجنا بمطالبنا يوم عشرين فبراير ومنذ ذلك لم يلتفت لنا أحد، أحبطتنا التنظيمات، وسنقوم بكل ما يلزم لنصل الى حقوقنا“. انتهى

كانت تلك شهادة الشاب ابن الكوشة المتوسط التكوين، لكن زميله في خلية الاحتجاج التحق بنا، وأعلمنا أنه لا يستطيع الوصول لمنزله، وهو يبيت في سيارة في الجبال، كان يلهط بالعبارات المجرورة ليسار السبعينيات „الكفاح المسلح“ و“ثورة البلوريطاريا“..، لما اسأله ما مطالبكم يجيب „سنجعل تازة مقبرة لذوات القمع، ليس لهم أمامنا إلا المدفعية الثقيلة، لن نسمح بأن يسرقنا القصر بعد اليوم، مبغاوهاش سلمية، دابا كاين غير السيوف والماناطوف“، لما يصل للحديث عن السلاح يتحرج زميله، وينصرف ليلتحق ببقية أصدقائه، مستأنفين الحديث عن الشهادات والفيديوهات التي جمعوها، وعن الشوارع المراقبة والناس الذين طُردوا من عملهم بالجملة.

أنصرف بدوري حتى أرتاح قليلا، أنزل في فندق بتجهيزات جيدة بدون نزلاء غيري وبثمن أقرب للرمزي، بعد أن أتعشى في مطعم جيد بدون إقبال، وألاحظ العمارات المجهزة في مدينة المفترض فيها أنها شبه مقطوعة، حتى اذا مرت سيارة رباعية الدفع داخلها شباب يدخنون الكيف أتذكر „تبييض الأموال“، وأن هناك مبررات لمتح الشاب من قاموس „الصراع الطبقي“ خصوصا بعد زيارتي في اليوم الموالي، لحي الصراع بشكله العنيف؛ „الكوشة“.

حي الكوشة الذي سبق أن طلع علينا كثيرا مؤخرا في الاعلام ليس حيا بالمعنى التقليدي، بل هو جبل، التصقت به منازل الفقراء، لا يوجد فيه أي مبنى غير المساكن البئيسة، وتربطه ببقية المدينة طريق مزدوجة، ما يجعله سهل المحاصرة من طرف السلطات.. تسمح لنا نقطة المراقبة بالمرور، لكن مرافقنا العجوز يُعلمنا „البوليس كيخليو دار بو أي مواطن تحدث للصحافة، لا تتوقعوا أن الناس سيتقافزون للتحدث، شيء آخر هو أن سكان الكوشة ملوا من تصويرهم من الخارجين وكأنهم حيوانات حديقة، التازي إحساسه بعزة نفسه قوي“، ذلك ما كان، تحفظ الناس عن الحديث على الرغم من أن ملامحهم تُمكن الفطن من قراءة القرف في عيونهم، هؤلاء المبعدون المنسيون.. وكما في الكثير من مدن الهامش؛ خربشات بسيطة بالفحم عن كرة القدم، والضو والماء، إلى جانب أخرى بصباغة أنيقة يشرع مجموعة من أبناء أحد الجمعيات بكتابتها“ هادو غير البلطجية ولولا أن البوليس يحميهم لطردهم أهل الكوشة بالحجارة والعصي، وأؤكد لك أنهم ليسوا من أبناء الكوشة، وحتى أشكك أنهم من تازة“ يشرح رفيقنا، إنهم يكتبون عبارات عن حبهم للملك، ما علاقة التظاهر بحب الملك؟ أسأل أحدهم، ليجيبني: أنا غير خدام أخويا !

ننصرف سريعا، ويُرهقني أنني لم أتمكن من الوقت كفاية لجمع الشهادات التي أحتاج، زوال اليوم هو يوم محاكمة 13 شاب من المدينة، واعتقالهم يمثل أحد أسباب تأجج الاحتجاج، نعود لمركز المدينة، الدوريات في كل مكان، والخوف والتوجس في كل العيون.. في الشارع الكبير بالمدينة، في الطريق تتسابق دوريات الشرطة، لنجد أمام المحكمة مئات الشباب ممن قطعوا الطريق المقابل للمحكمة، الشعارات كما شرح لنا صديقنا، انضافت لها شعارات عشريني البيضاء، الذين شدوا الرحال إلى هناك، فالتحق بهم آخرون من فاس ووجدة وتطوان ..

تتدخل عناصر الشرطة لتدفع المتظاهرين إلى ناصية الطريق، وينزل خبر أن الجلسة عُجلت إلى الصباح، وأنهم أجلوا الحكم إلى جلسة بعد يومين كالصاعقة على رؤوس المتظاهرين، يبدأ البوليس والمتظاهرون في التدافع، ينتج التدافع تقسيم المتظاهرين إلى خمس مجموعات صغيرة معزولة، تُستأنف شعارات المواجهة، يستمر الحال كذلك حوالي ساعة، إلى أن ينسحب عناصر الشرطة ويتركوا الشارع، فتتحول المجموعات المتفرقة إلى مسيرة تضم حوالي ألف متظاهر، تستقطب المزيد من الناس في كل لحظة، لكن ذلك لن يدوم أكثر من ثلث الساعة، لتهجم قوات الشرطة مسلحة بالهراوات.

الجري والصراخ والتدافع ينتج توترا حادا، ملامح عناصر الشرطة الغاضبة وشكل جريها يفترض أن الضرب سيكون بقوة، ويتفرق الناس في الزناقي..

بعض المتظاهرين يحملون الحجارة، يواجههم أحد أعضاء القافلة البيضاوية؛ „ياك سلمية؟“، أراقب من مكان معزول الشارع، عجوز يقفز من فوق جدار فيبدأ الصراخ لأنه كسر من رجله، شابة تُنهك نتيجة الجري المتواصل وهي لم تزل لوحدها فيغمى عليها، فيعلن احد أصدقاءها كاذبا أنها تعرضت للضرب، شاب أصلع يتحدى الشرطة ويسُبهم فتصيبه حجرة من السماء على جمجمته من معسكر أصدقائه، ويبدأ في الكذب على زملائه بدعوى أنه تعرض للضرب من الشرطة، بل وتصل صورته إلى جرائد في اليوم الموالي بأكذوبة أنه ضُرب من الشرطة.

خلاصة الأمر أنني لما ذهبت إلى هناك ذهبت بنفس أن أفهم؛ فما زادت الأشياء إلا تعقدا، السلطات حتى وهي تنفي العسكرة أرى بعيني دوريات الشرطة والعسكر في كل مكان، حتى وهي تقول أن الأمور مستقرة ألاحظ أن البوليس جاهز للسب والدفع وحتى الضرب، المتظاهرون كذلك يكذبون، يحتوون أناسا قريبين من عمى العنف المسلح، ما أن يتدافع اثنان ويغمى على أحدهما حتى يعلن الجميع أن „عناصر القمع قتلته“ وغيره من اللهط على نفس الشاكلة..

الاحباط من القمع الذي مارسته الشرطة في المرحلة الفائتة يجعلها بدون مصداقية للدفاع عن نفسها، والشارع الذي كان إلى وقت قريب بمصداقية أكبر من السلطات يستهلك رصيد مصداقيته بالكذب، والإحباط من عدم الإنصات للشارع منذ يوم عشرين فبراير يجعل كل الخيارات مفتوحة، بما سيُشكل ورطة لبنكيران وحكومته، ليس في تازة فقط، بل على طول الخريطة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)