الصِّدق في حياة الرّسول الكريم

 

لا يستشعر مَن يلقى سيّدنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، نوعاً من الارتياب أو المكر، أو الخديعة أو الكذب، إنّما يعطي وجهُه انطباعَ الصِّدق التام، والتلقائية الكاملة، والوضوح والصّرامة.

الصِّدق مِن أعظم الأخلاق الّتي يتَّصف بها أيّ إنسان. لذا، كان محلَّ عناية القرآن الكريم، فقال الله سبحانه وتعالى موجِّهاً نداءه لكلّ مَنْ آمن به ربًّا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة .119 للدلالة على أن المجتمع المسلم يجب أن يتَّصف بهذه الصِّفة الرّائعة، صفة الصِّدق، لأنّها مفتاح كلّ خير. لقد كان سيّدنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مثالاً وقدوة في صفة الصِّدق. فقَبْل بعثته، لُقِّب مِن قِبَل قريش بالصّادق الأمين. فقد كانوا يستودعون رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حوائجهم، ويأتمنونه على أشيائهم وأسرارهم. وحينما بُعِث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وأظهر له بنو جلدته وعشيرته العداوة والبغض والكره والحرب، ظلَّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على حُسْنِ خُلُقه، وظهر ذلك في ردِّ الأمانات إلى قوم جعلوا أنفسهم أعدى أعدائه.

وعندما أمره الله، سبحانه وتعالى، بإنذار عشيرته الأقربين، صَعَد على جبل الصفا وقال: “أَرَأَيْتكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا…“ أخرجه البخاري ومسلم. ولا ننسى الوصفَ الّذي وصفه به أحد أعدائه، قبل أن يُسلِم، وهو أبو سفيان بن حرب، عندما دعاه هرقل، إمبراطور الروم، هو وجماعة من العرب ليسألهم عن محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، فقال لهم هرقل: “فهل كُنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. فقال هرقل، تعليقاً على ذلك:لم يكن لِيَذَرَ الكَذِبَ على النّاس ويكذِبَ على الله“ أخرجه البخاري ومسلم. كما شهد بصدقه أكثـر النّاس عداء له، وهو النضر بن الحارث الّذي قام خطيباً في سادة قريش قائلاً لهم: “يا معشر قريشٍ، إنّه والله قد نَزَلَ بكم أمرٌ ما أَتَيْتُم له بحيلة بَعْدُ، قد كان محمّدٌ فيكم غلامًا حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانةً، حتّى إذا رأيتم في صُدْغَيْهِ الشّيْب وجاءكم بما جاءكم به، قُلتم: ساحر. لا والله ما هو بساحر. لقد رأينا السَّحَرَة ونَفْثَهُم وعقدهم، وقُلتم: كاهن. لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتَخَالجُهم، وسمعنا سجعهم، وقُلتم: شاعر. لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشِّعر، وسمعنا أصنافه كلّها، هزجه ورجزه، وقُلتم: مجنون. لا والله ما هو بمجنون.. فانظروا في شأنِكم، فإنّه والله لقد نَزَل بكم أمرٌ عظيمٌ“. كذلك، فإنّ شهادة أخرى قد تكفي لبيان تلك الصِّفة فيه، وهي شهادة واحد من أحبار اليهود وعلمائهم، وهو عبد الله بن سَلام، يقول: “لمّا قدِم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، إلى المدينة انجفل النّاس إليه (تجمّعوا إليه)، فجِئتُ في النّاس لأنظُر إليها. فلمّا اسْتَتَبْتُ وجهَ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذَّاب، وكان أوّل ما تكلَّم به أن قال: أفْشُوا السّلام، وأطعِموا الطّعام، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا باللّيل والنّاس نيامٌ، تدخلوا الجنّة بسلام“ أخرجه الترمذي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)