بيع و شراء المنازل „المسكونة“

 

شوارع وأزقة الدار البيضاء في فوران زخمها، حبلى بالأخبار والقصص عن بيوت ومنازل „سكنها“ الجن وشرد سكانها فتحولت إلى وقف لا يقبل بيعا أو شراء.
في حي السلامة الشعبي وسط الدار البيضاء، لا زالت الأخبار والقصص تتناسل بين سكانه حول أحد البيوت «‬المسكونة» التي تحترق من وقت إلى آخر وتلفح بنيرانها شكوك من لا يعتقد بحقيقة وجودها.‬
تسويق خاص‮ !!!‬
لون جدرانه الأحمر الداكن يسترعي انتباه كل من يدخل زقاق الحي. بناء شاهق مهترئ من ثلاثة طوابق، يوحي بغياب الحياة فيه، فقد هجره ساكنوه منذ أمد ليس بالقريب.‬
حكاية البيت الذي يحترق من تلقاء نفسه تقودنا إلى صاحب أقرب وكالة للأملاك العقارية تقع خلف البيت مباشرة ويحمل صاحبها محمد، السمسار تفاصيلها. يقول السمسار الذي تخصص في بيع وشراء البيوت «‬المسكونة» منذ خمسة عشر عاما «‬هذا البيت كلفني ملاكه ببيعه وإيجاد مشتري له مند سنتين بعد أن سكنه الجن وطردهم منه».‬
يروي محمد، السمسار ذائع الصيت في تجارة الخوف، كيف يتم التسويق لمثل هذه البيوت التي تنتشر الشائعات حولها بسرعة كبيرة تسبب الفزع والنفور منها وتبخس قيمتها المادية إلى الحدود القصوى.‬
تبدأ عملية التسويق لبيع البيت «‬المسكون» عبر حملة واسعة من الشائعات المضادة التي يطلقها السمسار في محيط البيت، تهدف في أغلبها تكذيب الأخبار والقصص التي تثير الخوف من المنزل أو على الأقل التخفيف من حدتها.‬
تلي هذه الحملة مبادرة فعلية من السمسار إلى تخليص البيت من سيطرة الجن عليه، حيث يستعين على ذلك بمجهودات الفقهاء المتخصصين في طرد الجن. يقول الحاج عبد الحق، مالك سابق لأحد البيوت «‬المسكونة» بنبرة من اليأس «‬لقد جربت خلال محاولتي بيع منزلي الاستعانة بأحد الفقهاء من أجل طرد الجن لكن دون جدوى فلم يبقى أمامي خيار سوى تسليمه إلى السمسار».‬
فاعلية السماسرة في تسويق البيوت «‬المسكونة» وتدبر زبائن لها، جعل منها تخصصا شبه دائم لدى البعض، حافزهم في ذلك العمولة المرتفعة التي يتقاضونها عن كل عملية بيع.‬
تجار الخوف
غير بعيد عن حي السلامة، منزل «‬البلجيكي» الواقع في أطراف حي جوادي، اكتسب سمعة تثير الخوف في نفس كل من يفكر في اكترائه أو شرائه.‬
ملكية هذا المنزل تعود إلى أحد المهاجرين المغاربة في الديار البلجيكية، قضى فيه سنوات تقاعده بعد عودته إلى المغرب إلى أن توفي قبل سنتين. حاول الورثة كراء المنزل أو بيعه لكن دون جدوى.‬
سكن الجن البيت بعد أن مات مالكه وعكف على طرد كل من يقربه. يقول إبراهيم، أحد الورثة بانفعال «‬كل من يدخل المنزل مكتريا يتعرض لمضايقات الجن ولا يستطيع أن يقيم فيه ولو ليوم واحد».‬
هذا الوضع دفع بالورثة إلى البحث عن سماسرة متخصصين في تجارة الخوف على قلتهم. يعلق محمد، السمسار على الأمر «‬السماسرة المعروفون بتخصصهم في هذا النوع من البيوت قلائل وعمولتهم مرتفعة جدا».‬
تجارة الخوف تعتمد بشكل أساسي على السيطرة على الخوف والإشاعة التي تلف البيت أو المنزل من أجل الحفاظ على ثمن مقبول للبيت لا يوقع البائع في الخسارة ويرفع في الوقت نفسه من عمولة السمسار.‬
عمولة السمسار التي قد تتجاوز 100 ألف درهم حسب قيمة العقار ونوعية المشكل المرتبط به، جعلت الإقبال على تجارة الخوف كبيرا بسبب العائد المادي المغري الذي توفره.‬
يحكي محمد، السمسار من فيض تجربته الطويلة «‬أن الإغراء المالي دفع بأحد السماسرة إلى العمل على توطين الجن داخل أحد البيوت من أجل إجبار ملاكه على بيعه».‬
يضيف محمد «‬أن السمسار استعان من أجل تحقيق غايته بأحد المشعوذين الذين استخدموا التراجيم من أجل دفع السكان إلى ترك بيتهم».‬
و»‬التراجيم» يكون برجم المنزل بالحجارة من قبل الجن بشكل متواصل وفي أوقات ومواعيد متقاربة، ما يثير الفزع في نفوس السكان ويضطرون إلى مغادرة البيت وإفساح المجال أمام الجن للاستيطان فيه.‬
«بيوت مسكونة»‬
تعددت وتنوعت قصص البيوت «‬المسكونة» وصارت مادة شيقة للتداول بين الناس بسبب عناصر الغرابة والغموض والتشويق التي تنضح بها.‬
وإلى جانب البيوت هناك قصور وفيلات «‬مسكونة»‬، يتعلق الأمر بطبقة معينة من الناس وربما الجن ممن استهوتهم فكرة الإقامة في فيلا بحي 2 مارس الراقي في الدار البيضاء.‬
تحولت فيلا عائلة الحاج إدريس، إلى منطقة مهجورة محرمة على البشر بقانون وإجراءات ردعية اتخذها الجن، فالمنزل الكبير أو الفيلا الكولونيالية ذات ال 16 غرفة والحديقة الرائعة أصبحت جزءا من الماضي بالنسبة لأصحابها، فلا يتمتعون بها أو بعائدات كرائها. يقول الحاج إدريس بمرارة «‬لم يعد البيت بيتنا أصبحنا نعيش كل يوم تحت رحمة الجن».‬
تفاصيل القصة الكاملة لمعاناة العائلة مع الجن، تعود وقائعها إلى تاريخ شهر شتنبر من سنة 2007 عندما كانت العائلة الكبيرة تقيم حفل شواء بحديقة المنزل بمناسبة عقيقة ابنة هشام، لابن الأكبر المغترب للحاج إدريس. سارت الأمور على ما يرام، حيث قام رب المنزل شخصيا بذبح الخروف في الليلة التي سبقت الاحتفال بالعقيقة.‬
ومع ساعات الصباح الباكر بدأت التحضيرات لاستقبال المدعوين من الأهل والأقارب. تولى «‬الحاج إدريس» عملية الشواء وبدأ الحاج يضرم النار في آلة الشواء بينما الجميع منهمك في الدردشة، وإذا بهم يسمعون الحاج يستغيث فسارعوا إليه ليجدوه ملقى على الأرض فاقدا القدرة على الحركة، نقلوه على جناح السرعة إلى قسم المستعجلات بمستشفى ابن رشد القريب حيث أظهرت صور الأشعة تشققا على مستوى الفقرات السفلى للعمود الفقري، أوصى على إثرها الطبيب بالراحة التامة وعدم مغادرة السرير.
تحولت فرحة العائلة إلى حزن على حال رب الأسرة، وما زاد من تخوفهم ما سمعوه على لسانه، فبينما كان يقوم بالشواء أحس بشخص يحمله من الخلف ويلقي به إلى الزاوية الأخرى من الحديقة، دون أن يرى أو يسمع أي صوت.
بقي الجميع في حيرة من أمرهم غير مصدقين لما حدث مع الحاج إدريس الذي أصر على أنه لقي ما لقيه من طرف الجن.
وفي مساء الحادثة وقعت حادثة أخرى أمام مرأى الجميع، حيث أضرمت النار فجأة في إحدى زوايا الغرفة والجميع جالسون ولم تخمد مهما حاولوا، حسب رواية هشام الابن الأكبر، ففر الجميع إلى حديقة المنزل حيث تفاجأ الجميع بالفوضى والعبث الذي لحق الطاولات المعدة للاحتفال.‬
تملك اليأس عائلة الحاج إدريس كما تملك غيرها في مواجهة استيطان عدو مجهول، ليبقى الحل في أيدي سماسرة خبروا التعامل مع هذا العدو وأتقنوا أصول الاتجار في الخوف.‬
بدر الدين عتيقي – بيان اليوم

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)