حاجة البشرية للرسالة النّبوية

جاء سيّدنا رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلى الدنيا وهي ممتلئة فساداً وضلالاً، وإنّ عظمة حبيبنا المصطفى، عليه الصّلاة والسّلام، تكمن في أنّه كان حامل رسالة سماوية توحيدية شمولية، تهدف أساساً إلى إصلاح حياة البشرية عامة.
كان النّاس في الفترة الّتي أُرسِل فيها الرَّحمةُ المُهدَاة، صلّى الله عليه وسلّم، منشطرين إلى ظالم عاتٍ متجبِّر يملك كلّ شيء ويملأ الأرض عُلُوّا وفساداً، ومظلوم مقهور محروم لا يستطيع حتّى أن يُطالب بحقِّه. بينما انقسم العالم إلى دولتين عظيمتين، فارس والروم، كانتَا تتقاسمان الاستعمار لكثير من أمم الأرض، وتحتكران النُّفوذ على الدنيا، وتمتصَّان ثـروات الشعوب المقهورة والأمم المستعبدة، وتصنعان من أبناء الأمم المستضعفة وقوداً لصراعهما الدامي، وينظران إلى الشّعوب الأخرى نظرةً عنصريةً استعلائيةً.
أُرْسِلَ النّبيّ الكريم، صلّى الله عليه وسلّم، إلى البشرية كافة، فبدأ مشروعاً إصلاحياً جديداً، أراد أن يُصلِح به النّاس، ويُصلِح لهم دينَهُم ودنياهم، آخرتهم وأولاهم، وكان عليه الصّلاة والسّلام دائماً يدعو ربَّه عزّ وجلّ فيقول: “اللّهمّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي“ أخرجه مسلم.
وقد نَقَل رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، البشرية من عبودية البشر والخضوع لهم إلى عبودية الله وحده لا شريك له، فأصبح الإنسان حُراً من عبودية غير الله، حيث عبَّر ربعي بن عامر مُخاطباً أحد عظماء الفرس: “الله ابتعثنا لنُخرِج مَن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جُور الأديان إلى عدل الإسلام“.
كما أرسَى، عليه الصّلاة والسّلام، دعائم التّسامح بين البشر، وأوحى الله إليه في القرآن أن لا إكراه في الدِّين، وبيَّن، صلّى الله عليه وسلّم، حقوق غير المسلمين الّذين لا يُحاربون المسلمين، وأنّ لهم الأمن على أنفسهم وأبنائهم وأعراضهم وأموالهم، وفي بلاد المسلمين إلى اليوم رعايا من اليهود والنّصارى يعيشون حياة كريمة، بينما قضَت محاكم التفتيش على وجود المسلمين في إسبانيا، في تطهير عرقي مخالف للمبادئ المعلنة في الحضارة الغربية.
ودافع نبيّنا الكريم، صلّى الله عليه وسلّم، عن حقوق الإنسان ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً، وبغض النظر عن مكانته الاجتماعية أو مستواه التعليمي، وقرّر جملة من المبادئ السّامية في هذا المجال، ومن ذلك خطبة حجّة الوداع الّتي توفي بعدها، عليه الصّلاة والسّلام، بأقل من ثلاثة أشهر على شِدَّة تحريم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وذلك قبل أن يعرِف العالم قانون الشرط الكبير عام 1215م، ووثيقة إعلان الحقوق عام 1628م، وقانون تحرير الجسد عام 1679م، وإعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776م، ووثيقة حقوق الإنسان والمواطن عام 1789م، وأخيراً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م.
فالبشرية، اليوم، في أمس الحاجة إلى رسالة النّبيّ محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، وإلى القيم الّتي جاء بها لإسعاد الدنيا وتصحيح مسار البشرية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)