السبت 18 نوفمبر 2017
الجمعة 8 سبتمبر 2017 - 7:07 مساءً

قراءة عاشقة في ديوان وجع النخيل للشاعر إدريس زايدي.

بقلم الكاتب الروائي: مولاي الحسن بنسيدي علي

وأنا أتقلب ذات اليمين وذات الشمال والألم يعتصرني، أرتشف الدواء أقراصا وسوائلا ، ولم يسعفني ذلك في تهدئة الأوجاع وأشعر أن كليتي تكاد تخرج من بين ثناياي فتذكرت نصيحة أحد زواري : إن اشتد بك الحال فاستعن بالله وافرأ ، تحاملت على نفسي واقتبعت على أريكتي بمكتبي وكأني على ميعاد مع شاعر طالما أحببت أخلاقه وأدبه في لفظه المسموع ، ولكن لم تتح لي الفرصة أن قرأت له ديوانا ، إلى أن بعث لي مضمونه الشعري .
أمعنت النظر في عنوانه ، ووضعت يدي عليه وكأني أصافحه، وأشد على يديه بحرارة ، وابتسمت من ألمي ، إنه وجع النخيل، فقلت ـ لنفسي ـ أي وجع يصيب النخيل ؟ وبما أنني أنتسب إلى الصحراء من جهة الأب والأم انتماء حقيقيا، وأعرف النخل والجريد وأنواع التمر ومختلف ما قد تصاب به النخلة من داء، وأنواع الدواء المعالج لها، وكان لسؤالي حافزا ودافعا لقراءة الديوان بيتا بيتا وشطرا شطرا، وأقف على معناه ومبناه نسيت ألمي وما أنا عليه من حرج صحي وشعرت بدفء الكلمات ، منحتني قوة على الإستعاب أكثر وأكثر ، أذكر أنني نسيت أن أتناول غذائي وأغفلت أقراصي ودوائي، وشدتني روعة القصائد ، وقد جمعت بين ما هو مقفى على بحور الفراهدي وما يخضع للتفعيلة ولنظام الأسطر جلت معه في رحاب روضه العطر واستعدت أسماء شعراء كبار وأمكنة

تاريخية وأزمنة الشعر الراقية، فمن يكون هذا الذي خفف عني وجعي بدواء و النخيل ،؟ ليس من السهل أن تخترق مضامين القصيدة وتفككها إلا إذا غصت في ذات الشاعر واستنطقته من خلال حروفه ، كلماته كالزئبق إن لم تسايسه إنفلت من بين يديك، وأجدها كعقد ماس إذا انفرطت حباته منه فمن الصعب لمها ، فكنت حريصا عليها أهدهد الحروف والمعاني كما تهدهد الأم صغيرها حبا فيه ، اخترقت الصمت في داخله، وأرخيت السمع إلى بوحه في قصيدته التي انفرد بعنوانها عذق التمر وهو يهديها للشاعر المغربي محمد علي الرباوي :
واه ..واه
كم يمشي فينا عذق التمر
إذا أسارير توهج احمده
فأتانا منشؤح الأوتار
يردد في الأشعار
مواجدنا كي لا تنسى
إن عليا شق دليل الماء
وكنت على وجع الأنخاب
أعيد مشاربه فشربت
لأحيا منسدل في الجمر
أقاسمه بعض الحر
وطريقي يلزمني أن اخلع نعلي
أقرأ في الصلوات مشيبي
أغنية آو مرثية أخرى
في موعدها النبرٌ
تتلو “صاحبات الشعر فشيبي
هل شيب كل الشعراء ؟”
ألهذا قلت …؟
كم استوقفني شيب الشعراء
وكنت عليا
كنت …
تأملت القصيدة مليا استوقفني عنوانه عذق التمر وحده يحمل أكثر من دلالة ، فلا بد أن يهدي الشاعر إلى المهدى له أجمل التعبير وأروعه ،ـ و إن كانت قد أهملت في الصياغة الشعرية ـ وهي لفظة عربية قحة ، وقبل أن نشرح معناها عذق التمر، ندرج حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة أبي الدحداح المشهورة : (كم من عذق لأبي الدحداح في الجنة ) ورددها مرارا .

وقد جرت الكلمة استعمالا على لسان العرب في شعرهم وأمثالهم وحديثهم ومنها : قال كعب بن زهير يصف ناقته :
تنجو ويقطر ظفراها على عذق …. كالجذع شذب عنه عاذق سعفا
ووقفنا عليها في أكثر من شرح في لسان العرب وفي المعاجم العربية ونورد منه ما يخدم النص :
ففي معجم اللغة العربية المعاصر
عذق : لبق ماهر
عذق: طيب الرائحة
وفي المعجم الرائد :
العذق: اللبق الحذق بما عمل
العذق: ذكي الريح
وفي المعجم الوسيط :
العذق : النخلة بحملها
وفي الحديث الشريف : “لا والذي أخرج العذق من الجٌريمة “، أي النخلة من النواة ، والجمع عذاق وأعذق
وفي المعجم الوسيط :
العذق ، كل غصن له شعب، والعذق قنو النخلة، والعذق عنقود العنب او إذا أكل ما عليه، والجمع أعذاقا وعذوق، والعذق العز يقال : في بني فلان عذق كهل أي عز قد بلغ غايته
وارتباط العذق هنا التمر والمقصود به النخلة لمكانتها، وقد وردت في النخلة تعاريف كثيرة نقتصر على مقتطف منها :
شجرة النخيل من الأشجار المعمرة والتي تتميز بساق طويلة وعليظة وقد يصل طولها لثلاثين مترا ، ويكثر زراعتها في العديد من الدول كالعراق وشبه الجزيرة العربية والمغرب العربي وهي شجرة مباركة ذكرها الله في القران بصيغة الجمع والمفرد بقوله تعالى :
“نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية” سورة الأنعام الآية 99
“وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله” .سورة الأنعام الآية 141
“واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففنا بنخل وجعلنا بينهما زرعا “.سورة الكهف الآية 32
“فأجاءها المخاض إلى جدع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا “سورة مريم الآية 23
وهناك آيات كثيرة ذكر فيها النخل في آيات سور عديد،
الآية 25 من سورة مريم
في سورة طه الآية 71
في سورة الشعراء الاية 148
سورة ق الآية 10
في سورة القمر الآية 20
في سورة الرحمان الآية 11
في الآية 68 من نفس السورة
وفي سورة الحاقة الآية 7
وفي سورة عبس الآية 29
وقد جاء ذكر النخل بلفظ الجمع النخيل في سورة الرعد الآية 4
وفي سورة النحل الآية 11
وفي سورة النحل الآية 67
وفي سورة الإسراء الآية 91
وفي سورة المؤمنون الآية 19
وفي سورة يس الآية 34
وفي سورة البقرة الآية 266

وجاء ذكر النخل بلفظ “اللينة” في هذا الموضوع :
بقوله عز من قائل:”ّ.. قطعتم من لينة او تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ” سورة الحشر الآية 5
وّإن وقوفنا على التعريف بالعنوان لم يكن مجانيا أو من باب الإطناب أو مجانبا للصواب ، وإنما لنؤكد على أننا أمام شاعر يرسم معناه قبل أن يركبه ويصوغه في قالبه الشعري ، ولنبرز مقدرة الشاعر على توظيف المعجم اللغوي الذي يزخر به ديوانه، وسنظهر ذلك من خلال تعرضنا للصور الشعرية والخصائص الفنية به ، ووجدت بهذه القصيدة مفردات كادت تنعدم لقلة استعمالها فارتأيت أن أطرح بعضها لتأخذ مكانها من طرف المهتمين بالشعر يقول الشاعر إدريس زايدي في قصيدته عذق التمر :
أقرأ في صلواتي مشيبي
أغنية أو مرثية أخرى
في موعدها النبرٌ
فما معنى النبرُ ؟ وهل كان استعمالها صحيحا داخل النص ؟
جاء في الموسوعة الحرة ويكيبيديا :
النبرُ: في علم الصوتيات أو تجويد القرآن ظاهرة صوتية دقيقة تهدف إلى إبراز الصوت على مقطع من الكلمة . وهو أشيع في اللغات الغربية منه في العربية
لا يغير النبر المعنى لكنه قد يساعد السامع على الفهم
وتعريف النبر في معجم المعاني الجامع ـ نبر ينبر نبرا نابر والمفعول منبور
نبر الشيء رفعه
نبر الولد ترعرع
نبر : زجر
نبر الطعنه : اختلسها
نبر الحرف : لفظه فقوة أعظم…
اشتمل ديوان وجع النخيل على كثير من الألفاظ الجميلة والتي أراد الشاعر أن يرجع تداولها، وحبذا لو أن ـ شواعر وشعراء النسخ واللصق ومستعملي الكلمات المتقاطعة ـ أن ينهلوا من معين اللغة العربية.
فالشاعر إدريس زايدي واحد ممن طوع المصطلح الشعري اعتبارا لتمرسه واشتغاله على اللغة، وكيف لا وتخصصه أدبي تدريسا ودراسة
وقد نهل من معين الأدب العربي قديمه وحديثة وتأثر به وتشبع فكره من الموروث الثقافي والحضاري والتاريخي، ناهلا من كتاب الله، موظفا آياته ومعانيه، يقول في الصفحة الرابعة من ديوانه وجع النخيل :
ما كتبت الشعر لأشقى
بتناص الآية الأولى من سورة طه” ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ”
وفي نفس العبارة قوله:
ولكن عذاب الحرف شديد
يتناص مع الآية الكريمة في سورة الحج ” ولكن عذاب الله شديد” .
والشق الثالث من العبارة يقول:
فلولا ثلاث هن من شيمي لعدلت عن الكلام
فنجد لها تناصا مع قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد في أبيات له هي أشهر من نار على علم :
ولولا ثلاث هن من شيمة الفتى …وحقك لم أحفل متى قام عودي
منهن سيفي العاذلات بشربة … كميت متى تعلو بالماء تزدد
وكري إذا نادى المضاف محنبا … كسيد الغضا بالطخية المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب .. ببهكنة تحت الخباء المعمد
وفي الصفحة 44 في قصيدة مساءات عربي يقول الشاعر ادريس زايدي:
الأرض عدو
والماء عدو
طارق يعير أحزاني بالإحراق
ويمضي بلا سفن
يتناص مع التراث التاريخي للمغرب في قصة طارق بن زياد الذي فتح الأندلس، والتناص هنا يحمل عدة أشكال، حيث نجده مع القولة المأثورة لطارق بن زياد وهو يخاطب جنوده قائلا البحر وراءكم والعدو أمامكم
(حيث نلاحظ تحويرا للمعنى وإبقاء على صيغته الإيقاعية التي نسميها التوازي التركيبي وهو ما يعرف عند علماء البلاغة والبديع بأنه تشابه وتساوي الملفوظات في شكلها وصيغها )
ويوجد شكل آخر من التناص على مستوى كتب التاريخ يتجلى في حادثة إحراق طارق بن زياد للسفن حتى لا يطمع جنوده في العودة أو الإدبار ، وهذا ما نجده في الأبيات أعلاه
وفي الصفحة 52 قصيدة بعنوان هبي بصحنك مكناس حيث يقول في بدايتها:
أرقت
فهبي بصحنك مكناس
فالملاحظ أن الشاعر في هذا التناص يذكرنا بقول الشاعر الجاهلي المعروف صاحب المعلقة المشهورة عمرو بن كلثوم الذي يقول في بداية قصيدته :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها .. إذا ما الماء خالطها سخينا
إلى أن ينتقل بعد ذلك إلى غرض آخر مهددا الملك عمرو بن هند الذي أهان أم الشاعر في الحادثة المشهورة التي يريد من خلالها أهانة الشاعر نفسه، فيرد عليه هذا الأخير قائلا
أبا هند فلا تعجل علينا … وانظرنا نخبرك اليقينا
بانا نورد الرايات بيضا .. ونصدرهن حمرا قد روينا
وهناك نوع آخر من التناص مع الواقع العربي الموسوم بالهزيمة والتخلف ومن نماذجه قصيدة “وجه بابل” الصفحة 68 يقول:
يطاردني وجه بابل ..
فالتناص هنا يتم من خلال توظيف الرمز التاريخي إذ يكون عميق الدلالة
في الصفحة 77 يقول:
على صهوة بن زياد ورائي البحر
أماميَ جورٌ
فأين أقيم إذا عبرت ؟
في هذا يستحضر واقعة الأندلس والعبارة المشهورة لطارق بن زياد والتي سبقت الإشارة إليها
وفي الصفحة 106 في القصيدة المعنونة بدم كذب يظهر التناص مع الآية الكريمة في سورة يوسف إذ يقول تعالى : “وجاءوا على قميصه دم كذب”
وينهي الشاعر هذه القصيدة بما يلي في الصفحة 108
أقايض القميص عميلا
عليه دم كذب .
يقال إن الحلو لا يشبع منه و ما نزال نرتشف جرته عسلا سائغا شرابه، ومن أجل تقريب صور الشاعر إدريس زايدي ـ للقارئ ـ لابد أن نركب قاربه لنمخر عباب موج بحوره الشعرية
فالشاعر إدريس زايدي يكتب شعرا موزونا على نمط قصيدة التفعيلة ، وبهذا يمكننا أن نقول عنه إنه شاعر حقيقي ملم بقواعد الشعر العربي
ونظامه الإيقاعي الذي نجده في هذا النوع من الشعر ، المبني على نظام التفعيلة الواحدة، وهو مستوعب أيضا للتغييرات ومجمل التطورات التي مست هذه البنية الإيقاعية وشكلها العروضي الذي استقرت عليه وكيف استعمل هذا النظام الإيقاعي الجديد في الشعر العربي الحديث من طرف المشارقة والمغاربة على السواء.
يقول الأستاذ فضيلة الدكتور نور الدين أعراب الطريسي في مؤلفه متخيل المنفى في الشعر العربي الحديث في الصفحة 35 :
لم يظهر الشكل الفني الجديد في الشعر إلا بعد أن استنفذ الشكل القديم كل مخزونه من العطاء والنمو، فالإبداع لا يقتات على مخزون الماضي من التقنيات والآليات والوسائل :” جدير بنا أن نتذكر أن الشكل الجديد لم ينشأ إلا استجابة لمضامين جديدة حاشت في صدور الجيل العربي الصاعد من الشباب والشابات ، ودارت في عقولهم ، فدفعتهم دفعا إلى صنع هذا الشكل ، المزية الأولى والأخيرة للشكل الجديد هي ـ إذا ـ في مدى مطاوعته لتلم المضامين الجديدة ، وانسجامه معها ، وصلاحيته للتعبير عنها حين ضاق عنها الشكل القديم. ” انتهى”
إن الشاعر إدريس زايدي أبدع في قصيدة التفعيلة وأدخل عليها تجديدا جديدا سوف نبينه في ختام هذه القراءة، وخالف روادها فلم يلبس عباءة الماضي بل احتفظ بها ولم يفرط فيها ، يلبسها حين يشتاق إليها فقط ولم يساير شعراء جيله ممن استعصت عليهم القصيدة التقليدية فراحوا يخبطون في كل المناحي
إن الشاعر إدريس زايدي طور تركيبة الأوزان في قصيدة التفعيلة ـ حسب رأيي المتواضع ـ وقبل شرح ذلك ، أقتبس من فضيلة الدكتور عبد الله شريق فقرة من مؤلفه في شعرية قصيدة النثر في الصفحة 24 تحت عنوان الشكل الجديد / أو شكل الشعر الحر إذ يقول :
تبلور هذا الشكل انطلاقا من وعي فني جديد دعا إلى التحرر من ثوابت الشكل التقليدي وإحداث تغييرات جذرية فنية ، واقتراح بدائل جديدة على مستوى اشتغال اللغة والإيقاع والصورة الشعرية لبناء شكل شعري جديد يستجيب لمتطلبات التحولات الحضارية والثقافية والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ الأربعينيات من القرن العشرين .
وقد ظهر هذا الوعي التجديدي بالمغرب في البداية ـ أواخر الخمسينيات ـ بسيطا ومحدودا ثم نما واتسع وانتشر تدريجيا ليحدث تحولات هامة في طبيعة الشعر ووظيفته ، وليبلور رؤى وتجارب شعرية متنوعة ” انتهى”
والشاعر إدريس زايدي سار على هذا النهج وعمل عليه بل طوره على مستوى المواضيع والبناء الفني والجمالي، فنلاحظ على سبيل المثال النظام الإيقاعي في أول قصائد الديوان (حساء) حيث يقول :
شاق ذا القلب نخل ، فما أوجعه
فيه عاشق يشتكي أدمعه
فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن
فعلن فاعلن فاعلن فاعلن
فهي قصيدة على وزن المتدارك ، وهو من البحور التي أكثر الشعراء المحدثون من النظم عليها . والملاحظ أن الشاعر يستعمل هذه التفعيلة (فاعلن ) بنفس العدد في جميع الأسطر الشعرية إضافة إلى حفاظه على نفس القافية ونفس الروي . وهذا ما يجعلها قصيدة قريبة من الشكل العمودي، وإن كانت منظمة على التفعيلة الواحدة ولا يكتفي الشاعر بهذا التجديد العروضي فقط ، بل إننا نجده يستفيد من كل الإمكانات التي يتيحها له الشكل الجديد للبنية الإيقاعية ، موظفا نمطا آخر ، هذه المرة لطالما وظفه شعراء التفعيلة ألا وهو المزج بين الأوزان والبحور الصافية ، فنجده في القصيدة الثانية (صهيل نخلة ) يمزج بين تفعيلات وزن المتدارك وتفعيلات وزن المتقارب (فعولن فعوعلن ..). فنلاحظ مثلا بداية هذه القصيدة
المشارق ترتعش (فاعلن فعلن فعلن )
تعيد خريطة نخلتنا ىفي سكون
(فعول فعول فعول فعولن فعول)
حيث انتقل الشاعر مباشرة في السطر الثاني من المتدارك إلى المتقارب مستفيدا من هذا التداخل الموجود بين تفعيلتي الوزنين حيث فعولن ما هي إلا الوجه الآخر لفاعلن
وتد مجموع + سبب خفيف / سبب خفيف + وتد مجموع
أضف إلى ذلك كله تنويع الشاعر لعدد التفعيلات من سطر لآخر
والثورة على العدد الثابت منها على عكس ما هو معهود في الشعر العمودي ، ثم توظيف الزحافات المعهودة بالطريقة نفسها الموجودة في الشعر العربي الحديث حيث تصير فاعلن / فعلن ونسميه زحاف القبض ، كما يوظف الشاعر تفعيلات بحر الكامل
1 ـ سقطت يدي تدرو الجدار
2 ـ وباب حارسه المدار تعاتب الذكرى
1 ـ متفاعلن متفاعلن
2 ـ متفاعلن متفاعلن متفاعلن…
حيث نلاحظ ظاهرة التدوير هنا وهي من الظواهر العروضية المعروفة . أما بالنسبة للصور الشعرية فالملاحظ أن الشاعر يعتمد أساسا على الاستعارة التي هي أساس الصورة في قصيدة التفعيلة ومن النماذج ( رعشة الغيم / لآن فيه العناق / رجع الصدى / يطرده الشجر / كي يورق الحزن / المساء شريد الخطى ……)اضافة الى التشبيه من نماذجه كنت مثل كمان / جفا موقعه / مثل عاصف ريح / رمى مجمعه / القوافي تسامت كطير الربى / كالفراش إذا ما علا / كالقصيد يحن إلى صحبه …
لم أك سباقا للكتابة عن الشاعر إدريس زايدي وإنما تناول كتاباته عدد من الأكادميين والباحثين والمهتمين بجمال حرفه وأعماله ، نورد بعضا مما قيل في حقه يقول فضيلة الدكتور مصطفى الشاوي في مقال منشور بجريدة في رحاب الجامعة العدد 33 سنة 2016 تحت عنوان تجليات الرؤى بين الانشطار والانتظار في ديوان وجع النخيل للشاعر إدريس زايدي جاء فيه
إن وجع النخيل للشاعر إدريس زايدي قصائدها المتألقة ، عوالم الشوق وقصائد موجعة ، يصدر عن ذات متشظية وعن وعي شقي ، ذات ترنو نحو تأثيث رؤى فكرية عميقة وتسبر أغوار اللحظة الشعرية وتجليات عوالمها المتوهجة ، وأآاق تمثلاتها الواعدة ومباهج قصائدها المتوهجة ، عوالم الشوق والتوق والحنين وهي ولا ريب نصوص تكشف من خلال جعل مكوناتها الفنية ومستوياتها التعبيرية عن شاعر متمكن من أدوات الكتابة الشعرية ومتشبع بمقومات القصيدة العربية في أبهى تجليات نماذجها الراقية بشكلها العمودي والتفعيلي ، ومكتسب لذخيرة شعرية واسعة مكنته وتمكنه من إحكام لجام القصيدة ، وإذا ما فرت كمهرة جامحة يناديها فتطاوعه وتستجيب له وفي سبيل ذلك يشقى شقاء جميلا
ويقول الدكتور عبد الكريم الريحوي في مقال له بجريد العلم الثقافي بتاريخ 10مايو 2016:
إدريس زايدي صوتٌ شعري مغربي رائد، ذو بصمة جينية خاصة، تملَّأَتْ حياضُه حُروفاً ومعانيَ فتدفَّقَتْ سيولاً جارفةً، حَرَّى ملتهبةً يعتصرها وَجَعُ المخاضِ، مُخَلَّقَةً وغيرَ مُخَلَّقَةٍ، تسيرُ المخلَّقة في الناسِ مَسْرى الأمثال، وتَخضع الأخرى للهدم والبناء بصبرٍ وتأنٍّ، يعتصرُها الشاعرُ تارةً وتعتصرُهُ تاراتٍ قبلَ أن تستويَ في خَلْقٍ جديد. “انتهى ”
انه يقبل بوجع غيره فيقتسمه معه ولا يوزع ألمه على غيره يكابد في صمت وان حن إلى البوح يفرغ مداد قلمه على ورقه فيخط عليها قصيدة تصرخ من شدة الوجع
ويضيف الدكتور عبد الكريم الرحيوي في نفس المرجع أعلاه
حينما رسم القُدامى حدودَ الشعرَ كان الوزنُ أعظمَ أركانه وأولاها، وكان الشعراءُ مُلِمّين إلماما كبيرا بمقومات الإيقاع ودعائم التنغيم، وبالمستحب والمكروه مما يعترض الأوزان من الضرائر.
الشاعر إدريس زايدي واعٍ تمام الوعي بهذه القضايا التي تضيِّق الخناق على الشاعر وتعتصره اعتصارا، وكيف لا وهو المهووس بفروسية عنترة وبكائيات ابن زيدون
لولا ما انا عليه من ظروف صحية ومكابدتي للالم لما نزلت من سفينة الابحار الشعري ولرافقت وجع النخيل الذي كان مسكنا لالامي واوجاعي
من حسن الصدف ان يلتقي ميلادي بميلاده فتكون سنة 1959 قاسما مشتركا بيني وبينه فهو استاذ اللغة اللغة العربية حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الادب المغربي له مشاركات ثقافية وطنيا ودوليا وعدة دراسات نقدية وادبية منشورة
وخير ما أنهي به هذه القراءة العاشقة في ديوان وجع النخيل قصيدة للشاعر إدريس زايدي تحت عنوان :
وشم على هام الأطلس

وشم يسري
وكعادته لا يسأل
يبحث عن دمه المغدور
ففي كتب السير الأولى
يكتب ملحمة
في بسمتها الفجر
في صفحنها الكون
لكن دم الأحراش تحاصره
قال الوثن :
مر القمر
الشمس
الريح
النظر
والوشم على كتفي
مسجي اسكنه
يغريه النحت على حجر
منفيُّ الألوان الإلحان
لا يعرفه أحد
لايعرفه دمه
فإذا الأنواء
على شفتي التاريخ
يسعدني فيه الغور
لا يغسلني منه النهر
وأنا في محبرة
وشم يجري
تاريخ الأطلس يعقله
أن أنكره
فبأي مداد كانت تحكي عاشقة
سلكت في النجم سما
ورمت في الأطلس عشقا
كان الفجر يرتبه .
كان سفري مع الشاعر ادريس زايدي ممتعا طفنا اومنة وامكنة وجالسنا ادباء وشعراء وقادة ودخلنا قصورا واحراشا وآمل في السفر القادم ان يكون معنا القارئ الحصيف والمهتم بتتبع الرواد ونركب معا السفينة الادبية للربان والرائد ادريس زايدي
تم بحمد الله وعونه بالناظور بازغنغان بتاريخ السابع من شتنبر 2017
المراجع :
ــ ديوان وجع النخيل للشاعر ادريس زايدي
لسان العرب
معجم الوسط
الحديث الشريف
القرآن الكريم
ـ الدكتور نور الدين أعراب الطريسي في مؤلفه متخيل المنفى في الشعر العربي الحديث
ـ الدكتور عبد الله شريق مؤلفه في شعرية قصيدة النثر
ـ موسوعة ويكيبيديا
ــ الدكتور مصطفى الشاوي في مقال منشور بجريدة في رحاب الجامعة الكريم الريحوي في مقال له بجريد العلم الثقافي بتاريخ 10مايو 2016

zaiopress.com/زايوبريس.كوم

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات




Optionally add an image (JPEG only)