قناة فرنسية تفضح سوق الإجهاض المزدهر في المغرب

نحو 30 امرأة تجهض كل ساعة في المغرب. إحصائيات مرتفعة ولكنها غير رسمية وتظل بعيدة عن الواقع المعاش الذي يشهد نموا كبيرا في سوق الإجهاض. سوق يمتهنها بسهولة وحرية مشعوذون، أطباء، قابلات وآخرون… ثلاثة أيام بالمغرب لعبت خلالها دور فتاة تريد التخلص من حملها بأي ثمن، لتجد جميع الأبواب مفتوحة أمامها في بلد لا يريد تشريع الإجهاض بحجة مكافحة „الرذيلة“.

سوق العرافات أو „الجميعة“ بدرب السلطان، أول عنوان نصحت به في المغرب حين بدأت أسأل عمن يساعدني على الإجهاض.

سوق مقام في مكان بعيد عن المارة بقلب الدار البيضاء، أكبر المدن المغربية وأكثرها عنفا، على بعد 5 دقائق فقط من أحد أجمل القصور الملكية ومن مركز الأمن الإقليمي كذلك… سوق كل الممنوعات. نحو 20 عطارا ذاع صيتهم داخل المغرب وخارجه، يتقاسمون يوميا مئات الزبائن معظمهم من النساء.

دخلت متجر بائع في الخمسين من العمر، الثعالب والثعابين المحنطة تضج بمدخله، قلت له، جئت من بعيد أبحث عن أعشاب لإسقاط حملي الذي دخل أسبوعه السابع، بعد دقائق قليلة حضر لي خليطا من الأعشاب لم يرض أن يكشف عن جميع مكوناتها مقابل 200 درهم (نحو 20 يورو) مع بعض التردد في تأكيد النتيجة بسبب حملي المتقدم نوعا ما.

تركت بائع الثعابين، وقصدت „فقيها“، سمعته انتشرت في سوق الإجهاض والشعوذة، ولأنه لمح على وجهي نوعا من التوتر وأنا أردد أمامه مأساتي مع هذا الحمل غير المرغوب فيه، أدخلني في حالة من الترهيب وتأنيب الضمير بدكانه الخلفي حيث التقيت بسيدة في العشرين من عمرها جاءت هي الأخرى لتقضي حاجتها بالبحث عن „شداق الجمل“ (القليل منه يصيب الإنسان بالجنون، وغرام واحد يقتله نهائيا).

حاولت التركيز على وجه البائع وتفادي النظر إلى السقف حيث علقت رؤوس حيوانات وزواحف تثير الاشمئزاز. خاطبي البائع قائلا „عليك الإسراع في إسقاط الجنين، فبعد أيام سيصبح الأمر مستحيلا بواسطة الأعشاب، لذلك عليك الاختيار بين وصفتي التي تكلف 2000 درهم (200 يورو) أو العملية عند الطبيب مقابل الضعف 4000 درهم“.

وصفته السحرية كما يقول تجهض المرأة في يومين حتى ولو كان حملها متقدما، خليط يحتوي على بعض الأعشاب الضارة تدخل في رحم المرأة لتقتل الجنين بسمها خلال 24 ساعة.

تركت عالم الأعشاب والشعوذة، لأجرب حظي الآن مع الصيدلي، فظاهرة الإجهاض عبر تناول الأدوية توسع انتشارها في الآونة الأخيرة، رغم أن السلطات منعت منذ سنوات بيع الحقن المجهضة.

تفاجأت بأن الكثير من الأدوية الأخرى ذات المفعول القوي المخصصة للالتهابات الحادة والأمراض المزمنة تباع في الصيدليات من دون وصفات طبية.

ويبقى الدواء الأكثر استعمالا هو „إيتوتيك“ المضاد للالتهابات، دواء في متناول الجميع في الصيدليات رغم علم السلطات الصحية بأنه يستعمل لغير أغراضه.

حل ثالث أمامي وهو إيجاد امرأة عجوز أو كما يطلق عليها هنا في المغرب „قابلة“ لتساعدني على الإجهاض في البيت، فوسائل الإعلام كتبت كثيرا عن دورهن في عمليات الإجهاض خاصة في القرى والمدن النائية.

بعد عناء كبير، اهتديت إلى سيدة طاعنة في السن تقطن في ضواحي الدار البيضاء، أجلت موعدنا عدة مرات وألغته في النهاية ربما توخيا للحذر فموضوع الإجهاض في هذه الفترة على كل لسان وعلى كل القنوات المغربية.

لكن ممرضة توليد لا تزال تزاول عملها في قسم الولادات بمستشفى المحمدية أكدت لي الدور الكبير الذي تقوم به هؤلاء القابلات بالمغرب، فإن للبعض منهن طرقا „حكيمة“ في الإجهاض اكتسبنها بفعل التجربة، أخريات كثيرات يلجأن إلى إدخال إبرة لغزل الصوف أو أغصان خشنة من البقدونس في الرحم لتقطيع الكيس المائي الذي يحمي الجنين، وإسقاطه بعد دقائق قليلة.

آخر حل بقي أمامي هو الأطباء، فعددهم ارتفع في السنوات الأخيرة وسوق الإجهاض صارت تدر على الكثير منهم المال الوفير شهريا، حتى أن بعضهم صار يخصص لها نصف ساعات عمله، وذهب البعض الآخر للتخصص في هذا المجال، رغم مواجهتهم لاحتمال السجن وعدم ممارسة مهنة الطب طوال الحياة.

وللوصول إلى هذا الطبيب الذي يرضى „المخاطرة“ بمستقبله لإجراء عملية إجهاض لي خاصة في الوقت الحالي حيث خبر الباخرة الهولندية على كل لسان، استعنت ببعض معارفي الذين دلوني على طبيب يقوم بالعملية مقابل 3000 درهم.

المشكل الوحيد هو أن مساعدته هي „سيدة المكان“ كما هو الأمر في جميع العيادات الخاصة في المغرب، فالظفر بموعد مع الطبيب يتطلب أولا المرور بمساعدته وكسب رضاها ببعض الأوراق النقدية، مكالمة من هاتف عام لمرافقتي أخبرتها بأنني أريد الإجهاض وأنها تعرف الطبيب، جعلتها تفتح لي الباب من دون أي مشكل، بعض الأسئلة عن حياتي الخاصة، من عذريتي إلى هوية الرجل الذي جعلني حاملا، وبعد دقائق قليلة من المجاملة، أعطتني موعدا مع الطبيب في الساعة نفسها لإجراء فحص أشعة على البطن ليعرف مدى تقدم حملي ويحدد لي بذلك كلفة العملية التي تتراوح بين 2000 درهم و 15 ألف في حال كان الحمل متقدما.

وأنا أدردش مع الممرضة، دخل الطبيب (رجل وسيم في الأربعين من عمره) ودخلت خلفه فتاة محجبة، جاءت بدورها لتجهض جنينها.

ومن دون فتح أي ملف طبي لي في العيادة، ولا حتى التعرف على أوضاعي وسوابقي الصحية للعودة إليها في حال تعقدت الأمور خلال العملية التي تتطلب تخديرا كاملا، أخذت موعدا لإجراء العملية في اليوم التالي بالعيادة نفسها.

تركت الدار البيضاء، وبعد ساعة بالقطار وصلت إلى الرباط حيث كان في انتظاري طبيب آخر ذاع صيته في عالم الإجهاض بالمغرب وهو البروفسور شفيق الشرايبي، ينشط منذ عشرين سنة لتشريع الإجهاض في المغرب في حالات خاصة، ولأجل ذلك أنشأ الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري، التي يترأسها.

وأنا في مكتبه بمصلحة الولادة بمستشفى الليمون، وفي أقل من نصف ساعة فقط ثلاث فتيات طلبن بحضوري مساعدته للإجهاض، الأولى كانت تستشيره لأخذ دواء „إيتوتاك“، الثانية قررت الإجهاض وتسأله هل هنالك خطورة على حياتها لأن حملها في شهره الثالث، والثالثة فتاة في الثامنة عشر من عمرها اغتصبت قبل يومين فقط، جاءت برفقة أمها تبحث عن شهادة طبيب يثبت اغتصابها لتقديمها للشرطة.

علامات البؤس والفقر بادية على وجهي الأم وابنتها لكنهما وجدتا الشجاعة لإظهار كيس يحملانه، قالت الأم للطبيب بأنه „دليل شرف ابنتها“ فيه ملابسها الداخلية وآثار الجريمة وجينات مرتكبها.

سألتها إن كانت ستحتفظ بالطفل إن كانت حاملا، والدموع تملأ عينيها أجابتني „كيف علي الاحتفاظ به وهو يذكرني كل يوم بالذي اغتصبني وأخذ مني أغلى شيء عندي وهو شرفي“.

لتضيف الأم „أين سأجد المال لإجهاضها، لا نملك حتى المال لتكليف محامي للدفاع عنا ليس لنا أحد سوى الله“

„هذه واحدة من المسائل التي تجعلني أطالب بضرورة تشريع الإجهاض في المغرب، يجب عدم إخفاء الحقيقة، فالإجهاض موجود وسيبقى موجودا بالمغرب، فعشرات حالات الاغتصاب تحدث شهريا، بالإضافة إلى أن المملكة تحولت إلى وجهة للسياحة الجنسية، فكثير من النساء يبعن أجسادهن لكسب قوتهن، لذلك فعلى السلطات تشريعه جزئيا لتستطيع التحكم فيه“.

وبنبرة امتزجت فيها العصبية بالاستغراب أضاف البروفسور“السلطات المغربية على علم بكل ما يحدث، ولكنها تترك الأمور على حالها وفي حال حصلت تعقيدات في العملية أو شكا والد الطفل الطبيب وشريكته، تتدخل هنا السلطات لتحقق وتسجن وتحاكم“، „الوضع الذي نحن فيه يخدم كل الأطراف، السلطات لا تريد أن يتحول المجتمع المغربي بكامله إلى أولاد زنا ومحارم لذلك تترك كل واحدة تتخلص من „ابن العار“ بالطريقة المتاحة أمامها، الأطباء حولوا العملية إلى تجارة مربحة تدر عليهم الملايين شهريا، فكثير منهم يقوم بالعملية رغم أنه طبيب عام غير متخصص في طب النساء، يقومون بتسع إلى عشر عمليات في اليوم، أحيانا في قبو العيادات والفيلات، وكأننا في حظيرة للماشية، ما الذي تنتظره السلطات لتتحرك“

لا نجهض اليوم فقط لأننا نخاف على سمعة العائلة…

وبعيدا عن قضايا الاغتصاب والهرب من مطاردة المجتمع توجد نساء يلجأن إلى الإجهاض عن قناعة أو لظروف اقتصادية، كنوال، شابة جامعية في الخامسة والعشرين من عمرها، تدرس في كلية الصحافة، سيجارة باليد، جينز ضيق وماكياج خفيف تتحدث عن الجنس والإجهاض من دون أي عقدة ولا إشكالية… هي واحدة من الصور الأخرى للجيل الجديد بالمغرب، تدافع عن حقوق المرأة والمساواة، تنشط في حزب سياسي، وبكل ثقة وإصرار تقول „كانت عندي مشاريع أهم في حياتي، من أن أربي طفلا من علاقة كنت استمتع خلالها فقط مع صديقي، الذي جعلني حاملا لأنه أراد أن يثبت لي رجولته لا غير، لم يكن الأمر متعلق بعائلتي وسمعتنا“.

„لا عقدة لي من الرجال اليوم، ولو حملت ثانية سأجهض مرة أخرى عند الطبيب، مستقبلي أراه صحافية في التلفزيون أو الراديو، لتقديم برامج اجتماعية وسياسية تفضح ما يحدث في المجتمع المغربي وتحايل السلطات“.

تركت المغرب وفي مخيلتي صور عشرات النساء اللواتي يجهضن يوميا، كثيرة هي الأسئلة التي راودتني: ما هذا القانون الذي يجرم الإجهاض وفي الوقت نفسه يسمي قانونيا الطفل الذي يولد من علاقة خارج إطار الزواج „ابن زنا“ ليظل طيلة حياته من دون أدنى الحقوق، ما هي هذه السلطات التي تترك أطباء ومشعوذين وعجائز يستغلون بؤس البعض بأعمال توصل الكثير منهم يوميا إلى القبر، وما الأكثر إجراما في الشرع الإسلامي، مولود من رحم امرأة مغتصبة أو إسقاط الجنين قبل ولادته؟
أسئلة يظل الجدال حولها حادا بالمغرب حتى يقرر الإسلاميون الذين في السلطة اليوم تشريع ظاهرة صارت جزءا من يوميات المغاربة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)