الجمعة 17 نوفمبر 2017 - 11:50 صباحًا

ذكرى استقلال المغرب وأثر إشكاليات الحاضر والمستقبل.

زايوبريس.كوم /ذ: محسن الأكرمين. 

حين تحل ذكرى الاستقلال سنويا يتم استحضار ذلك الماضي المجيد الذي ما انفك يمضي بتضامن المغاربة شعبا وملكا، يتم استدعاء تلك الصورة الوفية للوطن ومقدسات الأمة، يتم التذكر بكل أنفة حين يحضر حاضر العيد بأن اللحمة الوطنية قفزت إلى نيل سيادة الحرية بالإتحاد والدفاع عن وحدة الوطن، وبالجمع تم التأريخ لأمجاد أمة خالدة تضم ملحمة توافق جهاد العرش والشعب ضد المستعمر.

إنها الثوابت التي كانت متسعا فارعا عند إعلان الاستقلال وإعلاء راية أمة في أسمى ألوان التضحية والوفاء لقيم الوحدة. جيل الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال من رواد الحركة الوطنية انطفأت آخر شمعة من عنقوده بوفاة المقاوم الوطني محمد العيساوي المسطاسي يوم 09 نونبر 2017. لن نعدد مسارات نضالات ومكارم هذا الهرم المكناسي في سبيل نيل الاستقلال، لأنها كثيرة العد ومنحها المرحوم بكل أريحية وصمت للوطن بالتمام.

معركة التحرير بين الماضي والحاضر تتواصل بالتراتبية المتزايد، لكنها بفواصل ومقاطع متباينة بين الرؤية الأولية وفرحة النصر وبين التنزيل اللاحق و إكراهات الواقع. تتواصل من حيث نوعية تجديد الترسانة القانونية والممارسات الحقوقية . تتواصل من أجل توطين الحرية بمقاسات العدل الكوني، تتجه بالمباشر نحو البحث عن صيغ امتلاك آليات الكرامة والعدالة وتثبيتهما اجتماعيا.

كل الثناء الوفي بوقفة إجلال وترحم على رواد الحركة الوطنية الأوائل، كل الاعتراف و تكسير صمت المومياء عن كل مقاوم بقي مجهول الذكر ببيان اسمه الذي لم يتم تدوينه ضمن سجل المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، أو تم تناسيه سهوا. إكليل ورد من مغاربة اليوم على قبر كل من يحمل إسم مقاوم مجهول لا نعرف موقعه ولا مكانه بربوع الوطن وبحدود كل جوانبه القاصية.

تحقق الاستقلال وبسط بملحمة المسيرة الخضراء، وبقيت ثغور محتلة إلى الآن، و لكن ما ضاع حق من ورائه طالب. وبموازاة ذلك، سنفتح جبهة أخرى وفاء لروح الاستقلال بذكراه السنوية، جبهة تسائلنا جميعا عما تحقق لمغاربة ووطن ما بعد 1956. نعم، هناك أسئلة تفتح مساحة التفكير برحابة، هناك أسئلة تستفز القارئ والمتتبع لسلم التحولات بمغرب الاستقلال، هنالك أسئلة بالبعد تستشرف المستقبل وتستفز المجيب والناقد والكاتب على حد السواء. ما تحقق للمغاربة بعد رفع يد الحماية الجبرية عن الأرض؟، هل تم القفز على أفكار رواد الحركة الوطنية في نيل قيمة العدل والمساواة والعدالة الاجتماعية؟ هل حقق المغاربة الإشباع الحقوقي لنوازل الدولة المستجدة والضغط الخارجي بالتحدي؟ ، هل وضعية المغرب في سلم التنمية المجالية المندمجة بأحسن حال من الفترة الاستعمارية ؟،  كيف يمكن أن نستحضر يقظة رواد الحركة الوطنية في متابعة الإصلاحات الهيكلية الكبرى وبين واقع طوفان الانتهازية السياسية للحاضر؟،  هل تم التغرير بآمال الشعب المغربي على أساس تفويض صلاحيات كاملة لسياسي الدكاكين الانتخابية؟،  في الأخير وهو السؤال الماكر الذي يصعب الإجابة عنه بالإيجاب دون إضافة ” لكن” للاستدراك، ما تحقق لمغاربة مغرب ما بعد الاستقلال؟.

من الجهل و التبخيس ركوب عدمية سالبة ومحو كل المنجزات التي تحققت ولو بالقلة. من العبث غير السوي أن ندفن رؤوسنا عن مجموعة من الاختلالات التي تراكمت بحزم تفاقم أزمات كل القطاعات الاجتماعية. من صدق القول الاعتراف بأن التنمية المجالية والبناء الدستوري المتكامل قد تم تفويتهما على المغرب لما يناهز ثلاث أرباع سنوات الاستقلال والتي شهدت شد الحبل القصي بين القصر والأحزاب الديمقراطية سليلة الحركة الوطنية. هي ذي السلسلة الانتظامية في بناء الدولة التي تم تضييعها بمشاهد درامية.

وللتذكير حول حلول نوازل إشكالية حلة المصالحة، فمن الأخطاء التاريخية التي تستوجب التحليل والنقد الأولي والوقوف عندها قبل التوجه إلى مجالس المصالحة والإنصاف. أخطاء الرؤية التجزيئية التي فصلت بين من ولج السجن أو نكل به،  وبين عموم المواطنين من ” الشعب ” الذين عاشوا ” عيشت الذبابة في البطانة” أيام سجال الحاكم ومن يتحكم والمعارض الشرس.

هو الوطن والشعب برمته الذي يجب أن يلج بوابة جبر الضرر أولا، لأنه استفاق فيما بعد بأنه كان ضحية لعبة سياسية بئيسة سيق إليها بهاجس أمل الحياة الأفضل، تلك الحياة السياسية التي بقيت حبيسة حكومة التناوب وبمتم موضع انتقال الحكم بسلاسة. رؤية الدولة العميقة الشمولية لا زالت ثابتة ولها كل المتغيرات البديلة التي تغطي بها أية مساحة فراغ مهما صغرت. فرغم أفول بريق نجوم مشعل رواد السياسة المغربية بتمام الأدوار المتحولة، وبروز بيادق سياسية تحسن لعبة “الضامة”. فإننا نقر بوجود أزمة في تجديد إنتاجية الفكر السياسي المغربي ، نجد ارتدادات خطيرة مثبطة للعزائم، تخلق فصام الابتعاد عن السياسة.

فعند تفكيك آليات دقة هذه الملاحظة الأخيرة فقد نحدد بأن ” المخزن” حاضر بقوة في كل القرارات القابلة لتطوير الحياة السياسية بالمغرب ولو بمتم مساحة خسارة من امتدادات خيوط التحكم. فيما دقة الفحص الإشعاعي في تنقيط الضعف و الوهن الذي لحق بالأحزاب السياسية و انطفاء الوهج النقابي،  فإن عوارضه تتسع بين الذاتي والموضوعي، و في كفاف رؤية التجديد والتطوير في ممارسة الحكامة الجيدة وإدارة التغيير الداخلية والخارجية، وبين يد الدولة العميقة التي تراقب وترتب كل التوازنات المحافظة على نسقية ” الثابت والمتحول”.

وللتاريخ بينة حسابية تسجل بالوضوح التام وضعية النكوص الشعبي عن فعل ممارسة السياسة، وفي عموم نسب الانخراط في العمليات السياسية . كل هذا الهون هو نتيجة حتمية لمسار سياسات لاشعبية زكت قناعة ” اللاتغيير”. لكن المشكلة التي لا تعدو سهلة التجاوز هي ضياع روح الوفاء للديمقراطية بعد سن اليأس السياسي الذي وصل إليه المغاربة مبكرا منذ زمن الاستقلال الأول، إنها آفة عدوى السياسة التي تساوي الريع والاغتناء، إنها الأيادي غير البيضاء التي أفسدت عقول العباد والأرض وضيعت الثروة حتى في احتساباتها  اللامادية، إنها المتغيرات غير السليمة وغير الوفية لنهضة دولة شمولية .

الإشكالية التي تحتضن فهم المغاربة سوءا، هي أن نيل الإستقلال لم يحميهم من بعبع الفقر/ الكفري، أن الدولة سحبت أيديها التمويلية بالتمييز الإيجابي عن مجموعة من القطاعات الاجتماعية ” التعليم/ الصحة/ التشغيل…”، أن كل الميزانيات السنوية للحكومات المغربية كانت تحتكم للإملاءات الخارجية و التي تزيد الشرائح الشعبية رهبة من المستقبل وتحيل إلى قابلية صناعة حراك شعبي غير مؤطر ولا منتظم. الإشكالية التي لم تستطع الدولة القفز عنها منذ الاستقلال حجم النمو بالتدفق البطيء، والفيض في سخاء نفقات البذخ والترف ونحن لم نحقق حتى بنية مجالية أولية سليمة.

لنقل بالاستقلال السيادي، ولكننا لن نركب على قصبة أماني الحركة الوطنية بالوعود الفضفاضة والتي انسابت من بين أيدي الأحزاب والدولة نحو رمال الجفاف في العلاقة . هي ذي الحقيقة التي جعلتنا لا ننظر إلى وجوه المواطنين ولا إلى جغرافية الوطن الكاشفة لبؤر الفقر بحد هوامشه الجانبية والعميقة.  لكننا نمتلك أمل إحياء فرحة الاستقلال ضمن متسع السلم الاجتماعي الخاضع إلى ربط التوازن المالي بالتوازنات الاجتماعية، ضمن عودة بريق الأحزاب والفرقاء الاجتماعيين من بوابات الحكامة. عبر توزيع خيرات الدولة بالعدل وخلق أخلاق عناية التضامن بإصابة هوامش المغرب العميق، عبر خلطة تصل إلى حد إنعاش “صدمة الحكامة ” وإدارة سياسة التغيير.          

zaiopress.com

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات




Optionally add an image (JPEG only)