هكذا ترك المصريون مشاكلهم وضحكوا على تاوريرت.

عز الدين الصادقي

مع المعلومات التي نشرت وتنشر في وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، حول “مجمع الفساد” في تاوريرت، ونتائج دوامه لعقود، ودور المال في ترسيخ وتوطيد وتقوية تحالف السلطة والمنتخبين ونواب الأراضي السلالية والاعيان الباحثين عن موارد إضافية… كان المنطق أن يتناسب خطاب الملك حول الزلزال، وشطحات الحكومة في مواكبة توجيهات الملك مع واقع تاوريرت؛ وذلك بعزل بعض أطر الداخلية، لدر الرماد في العيون، و”تسويق” قرارات إعلاميا واجتماعيا، لإعطاء الانطباع بأن هناك فعلا زلزال قادم، وبأن القانون سيسود. طبعا لا شيئ من  هذا ينطبق على تاوريرت.
في عز الانطباعات والانتظارات حول الإقالات التي حدثت ولا تزال في أعلى هرم السلطة، وتأكيد الملك عزمه على أن لا تهاون مع الفساد والمفسدين، وربط المسؤولية بالمحاسبة والمعاقبة، انتشرت عبر العالم صور وفيديوهات ومقالات ساخرة من هذا الإقليم. حتى صحف مصر الغارقة في المشاكل، تغاضت عن همومها وأضحكها واقعنا المبكي، فنشرت مقالات منها ما حمل عنوان: “محافظ مدينة في شرق المغرب يقود جيشا من المسؤولين، لتدشين صنبور ماء في قرية نائية”. لقد كانت “واقعة الصنبور” بحق واقعة معبرة عن الاحتقار والاذلال والاهانة التي تعيشها ساكنة تاوريرت من طرف عامل الإقليم الذي تجاوز موقع المنتج للاختلالات والخروقات الجسيمة إلى الانصهار والتوحد فيها، بعدما أحاط نفسه برمزين من رموز الفساد عبر تاريخه تاوريرت:
–  الأول، كان يجول المدينة بعربته صائحا بين دروبها: “النخالة لفراعي” فدخل السياسة من باب النخالة وفاز في 1983 بعضوية المجلس البلدي، وفي 1992 صار خليفة للرئيس، ومنذ 1997 وهو رئيس لولايتين متواليتين بعدها مرر الرئاسة لإبن خالته حتى سنة 2015 بألوان خمسة أحزاب مختلفة.
لقد مثل إحداث العمالة بتاوريرت منعطفا حاسما وعوض أن تكون هذه البادرة نعمة جعلها الفساد نقمة، لقد أنشأ رئيس المجلس أحياء هامشية للفقر والتهميش وباركت السلطة إحداث أحياء فوضوية كثيرة، أكثر من 12000 وحدة سكنية خارج الإطار والسياق والقانون، دفع كل من استفاد منها رشوة نقدا، ولبنائها كان الممول الرئيسي هو الرئيس نفسه، الذي كسب الكثير من دفع الناس للفوضى، فصار  من أغنى المغاربة. يقطن كاليفونيا بالبيضاء ويستمر في نهب خيرات تاوريرت.
وفي عهده ثم إحراق السوق التاريخي للمدينة وكان أول المستفيدين هو؛ ببيعه محلات تجارية في مراكز تجارية كان قد شيدها. فتح تحقيق قضائي ولم نسمع عن نتائجه أية حقيقة.

مؤخرا تم إشعال نار في المطرح البلدي وانعكست نتائج هذه الحرائق على سماء تاوريرت وقرر العامل نقل المطرح البلدي إلى مكان آخر، مقابل للإقامة الملكية من الجهة الأخرى لواد زا واتضح أن أكبر مستفيد من كل ما حدث هو الشخص نفسه، سيد تاوريرت الأزلي، لكونه يمتلك مشروعا سكنيا ضخما قرب المطرح البلدي وذلك لم يساعده على تسويقه. للإشارة فهذا المشروع يشيد على مساحات شاسعة كان قد اقتناها رئيس المجلس البلدي ،ابن خالة الرئيس السابق، من الأملاك المخزنية تحت دريعة إقامة منشآت ذات منفعة عامة ومررها لإبن خالته كما مرر له سابقا هو البلدية.
– الثاني، انبثق من لاشيء وصار مُصنعا في مجال تعليب الزيتون، لم يحترم قوانين الشغل حتى ماتت أرواح في مصانع أخرى.
يعتبر المدمر الأول للبيئة، سموم المصانع تجرى وسط الدروب قتلت حتى الأسماك في واد زا، وتلوثت مياه الوادي لدرجة ماتت معها الحياة في الحقول الفلاحية المجاورة، وعوض أن يتصرف عامل تاوريرت كما فعل عامل تاونات بتوقيفه عشرة مصانع لا تحترم القانون، بحث عن إمكانية دعم إنشاء وحدة صناعية للحد من آثار هذه السوائل السامة والصور الصادمة.
إن أول من اجتمع بهم العامل حين وصل إلى تاوريرت هما هذان الرمزان ومن يومها ولم يعد يقبل أن يرى أحدا إلا هما.
ما يحدث بتاوريرت مخجل وأستغرب شخصيا أن الدولة تغيب عن كل تفصيل ما تعاني منه الساكنة.
الدولة تتصرف وكأن تاوريرت تنتمي لكوكب آخر وكأن أهلها ليسوا مغاربة كاملي الجنسية لهم حقوق وعلى المسؤولين عن تدبير شؤونهم واجبات، الدولة تعرف الكثير عن الوضع، وعدم تصحيح الاختلالات وفرض القانون وإعطاء تاوريرت نصيبها من الزلزال الإداري بعد عدم أخد نصيبها من البناء الاجتماعي الكريم والعادل، يقودنا إلى الاعتقاد بأن للمال الحرام المحصل من الفساد عبر عقود من الزمن، سلطة حتى في الرباط، في مركز القرار، لأن ما حدث في تاوريرت من جرائم والسكوت عنه مصيبة، والسماح له بالإستمرار سيكون مدمرا. وأمر التواطؤات -كما يقول جون كوكتو- هو تواطؤ الصمت.

زايوبريس.كوم/zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)