الإدريسي: هل الأمازيغية في شمال إفريقيا مجرد مزايدات دستورية؟

زايوبريس.كوم

الهوية اللغوية، أو الثقافية بصفة أشمل، أضحت من بين أهم الانشغالات في دراسات علم الاجتماع الثقافي والسياسي المعاصرين أو الراهنين، وفي الفلسفة الاجتماعية كذلك، وفي مختلف أدبيات التعبير عن الانتماء الوطني والإثني، سواء كان ذلك منصوصا عليه في القوانين الأساسية للدول، أو بدونه. وسنحاول معرفة وضعية الهوية الأمازيغية عند الشعوب المغاربية الثلاث: المغربية والجزائرية والتونسية، ومكانتها في دساتير دولها.

أولا، الدولة المغربية الراهنة والهوية الأمازيغية

قبل تأسيس الدولة الوطنية في خمسينيات القرن الماضي كان الانتماء السائد هو الانتماء إلى الهوية الإسلامية. فقد حكى لي بعض قدماء ثانوية مولاي يوسف بالرباط أنهم كانوا يجيبون أستاذ الفلسفة، حين يسألهم عن انتمائهم وهويتهم، بأن ينتمون إلى هوية الأمة الإسلامية، وكان تعليق الأستاذ بأن وعيهم لا يزال متخلفا عن زمانه. فكيف نظر المغاربة إلى هويتهم غداة الاستقلال؟

الدستور المغربي ومسألة الهوية

قبل كل شيء كيف نظر الدستور المغربي إلى موضوع الانتماء والهوية؟ كان دستور سنة 1962 أول دستور مغربي بالمفهوم المعاصر، قد نصّ في تصديره على أن  » المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب الكبير ».

نلاحظ هنا عدم إشارة الدستور إلى عروبة المغرب ولا إلى أمازغيته، إلا فيما يتعلق برسمية اللغة العربية للدولة، وكانت العربية لغة رسمية للمغرب منذ إمارة النكور بالريف، المؤسسة سنة 710 م. ومن المعروف أن النص على أن اللغة العربية لغة رسمية في الدستور، لم يكن يعكس الواقع، إلا في خطب صلوات الجمع، وخطب الملك المناسباتية الدينية والوطنية، قبل تعريب جلسات المحاكم أمام المتقاضين. أما اللغة الفعلية لمعظم المغاربة فهي الأمازيغية والدارجة المغربية. واحتكرت اللغة الفرنسية المجالات العلمية والإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، دون أن تنص عليها أي نسخة من دساتير المغرب إلى يوم الناس هذا. (أوائل 2018).

ولم تختلف ديباجة الدستور المعدل لسنة 1972، عما ورد في ديباجة دستور 1962. والشيء الوحيد الذي تغير في نسخة 1996 هو تحوير عبارة « المغرب الكبير » إلى عبارة « المغرب العربي ». ولا ندري إن كان ذلك التحوير إرضاء لبعض الأحزاب التي كانت مقبلة على الانضمام إلى السلطة، والمشاركة في الحكومة سنة 1998 في حكومة أطلق عليها حكومة التوافق الوطني؛ ولأن التعاطف العروبي لتلك الأحزاب لم يكن خفيا، فقد كانت متبنية لشعارات الأيديولوجية العربية المعاصرة.

أما دستور 2011 فقد اختلف اختلافا كبيرا عن النسخ السابقة في موضوع الهوية المغربية. بحيث نص على أن » المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتھا الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات ھويتھا الوطنية، الموحدة بانصھار كل مكوناتھا، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدھا الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.

« كما أن الھوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيھا، وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاھم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء ».

ونصت المادة 5 منه على أن « تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها »، قبل أن تضيف « تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء ».

الهوية المغربية نتاج تفاعل وقائع على الأرض

ونعتقد اعتقادا كاملا بأن ما نص عليه دستور 2011، كان تتويجا لحركة ثقافية هوياتية واسعة، شملت منطقة سوس في الجنوب، ومنطقة الأطلس المتوسط في الوسط، ومنطقة الريف في الشمال. فقد طالب الجميع من خلال أنشطة تلك الحركة بإعادة الاعتبار للهوية الثقافية الأمازيغية للمغاربة. كما صاحب ذلك سيل من المؤلفات الإحيائية للثقافة والتراث الأمازيغيين. كما كان خطوة متقدمة كذلك لما ورد في خطاب الملك الراحل بتاريخ 20 غشت 1994، الذي أعلن فيه أنه أشرف له أن يسمع من يخلط بين الدارجة المغربية وتريفيت، أو تسوسيت، أو تشلحيت، بدل الخلط بين الدارجة والفرنسية أو الإسبانية. وتجاوبا أيضا مع مضمون خطاب الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001 بأجدير بالأطلس المتوسط، الذي تم الإعلان فيه عن إنشاء « المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ». ومما جاء في ذلك الخطاب « نريد التأكيد على أن الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء، وعلى أنه لا يمكن اتخاذ الأمازيغية مطية لخدمة أغراض سياسية، كيفما كانت طبيعتها. »

ومن المعلوم أن بعض نشطاء الحركة الأمازيغية في المغرب حاولوا تأسيس « الحزب الديمقراطي الأمازيغي » في صيف 2005، للدفاع عن حقوق الأمازيغ السياسية، إلا أن وزارة الداخلية لم ترخص له، بحجة أنه يخالف نص الدستور الذي لا يجيز تأسيس أحزاب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، كما أنه يخالف منصوص خطاب أجدير سالف الذكر.

 

أمازيغ المغرب ولغة التعبير عن الهوية

وبالنسبة للغة التي تم توظيفها من قبل الكتاب والمفكرين المدافعين عن الهوية الأمازيغية في المغرب، والمطالبة بتجسيدهما على الساحة الوطنية قولا وفعلا، غالبا ما يتم التعبير عن أفكارهم وآرائهم باللغة العربية؛ فقيدوم المؤلفين عن تاريخ الأمازيغ في القرن العشرين محمد شفيق، ألف كتابه « ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغ » و »المعجم الأمازيغي العربي » باللغة العربية، وكذلك فعل الحسين الجهادي في « ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية » وينطبق الأمر على مئات الأبحاث والدراسات والمؤلفات المتعلقة بالتراث الأمازيغي، وبمختلف أبعاد وأغراض الهوية الأمازيغية المغربية . وإلى جانب اللغة العربية هناك من يعبر بلغة تفيناغ، كما يوجد من يعبر باللغة الفرنسية كذلك.

وحين قررت الدولة الاعتراف باللغة الأمازيغية، لكي تدرس في التعليم، حدث جدل واسع عن الحرف الذي سيعتمد في كتابتها. فتم اللجوء إلى التحكيم الملكي، فأفتي بحرف تفيناغ. ومهما تتعد الآراء وتختلف زوايا الرؤية بين هذا وذاك، من جهة، وبين النصوص الرسمية واجتهادات الباحثين ونشطاء المجتمع المدني، من جهة ثانية، فإن الأرض وبنية اللغة، والتقاليد الثقافية المتمثلة في المطبخ، واللباس والفرش، وفنون الشعر والزجل والغناء، تبقى شكلا من أشكال استمرار المقومات الثابتة للحفاظ على الهوية الثقافية الأمازيغية في بلاد المغرب.

المنتظرات الآنية للأمازيغ المغاربة

ينتظر المغاربة، والأمازيغ منهم بخاصة، أن تعترف الدولة المغربية رسميا بأن الأمازيغية « تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء »، تنفيذا لما أكده الملك محمد السادس في خطاب أجدير 2001؛ هذا التاريخ الذي تشير إليه الكتابات المنزهة عن العبث بأنها تمتد إلى 33 قرنا، وليس ما قيل من قبل جهات معينة بأن عمر الدولة المغربية 12 قرنا فقط، أي منذ تأسيس مدينة فاس، كما روج لذلك في احتفالات 2008، وهو أمر، بلا شك، مجانب للحقيقة التي ذكرها الملك محمد السادس في خطاب أجدير المشار إليه أعلاه، ومستفز لعقل المغاربة التاريخي.

أما المطلب الثاني لأمازيغ المغرب فيتمثل في الاعتراف الرسمي برأس السنة الأمازيغية، مثلها كمثل رأسي السنة الميلادية والسنة الهجرية.

د.علي الإدريسي

zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)