لوحة سوداء فوق ظهر المملكة

Bouachrine-édito1

وفيق بوعشرين

المغرب بلاد برأس أقرع، أينما ضربته يسيل دمه في الحين… المشاكل والمصائب والاختلالات والفساد في كل مكان. لا يوجد قطاع واحد يمشي على رجلين سالما معافى
الإدارة بها من المشاكل أكثر من الأرز في حقول الصين، وقد أصبح فسادها وتخلفها وروتينها وبدائيتها حاجزا حقيقيا أمام التنمية والاستثمار، دعك من رضا المواطن عن خدماتها. الإطار التشريعي للمملكة كله ثقوب ويحتاج إلى تعديلات وترميمات واستدراكات لن يقوى عليها أي برلمان ولو اشتغل 24 ساعة على 24 ساعة لسنوات عدة. هناك قوانين ترجع إلى الفترة الاستعمارية، وهناك قوانين مر عليها نصف قرن، وهناك قوانين وضعها لوبي أو جماعة ضغط أو مستبد لتخدم مصالحه وامتيازاته، أما المصلحة العامة فلا تكاد تُرى بالعين المجردة في هذه القوانين
العدالة في بلادنا صارت العنوان الأبرز للظلم والفساد والبطء، حتى صارت نارا على علم فوق حقل أعطابنا المزمنة
السياسة في بلادنا تمشي يوما وتتوقف سنة. الأحزاب ضعيفة، وجذورها لا تتجاوز قشرة الأرض الظاهرة، ونخبها صار جلها يتاجر بالسياسة في بورصة المصالح، حيث أصبح الأعيان وأصحاب المصالح هم الحكام الجدد لهذه الأحزاب. أما النقابات فحدث ولا حرج، حيث أصيبت كلها بالتعفن، وصارت كائنات تنقل العدوى إلى القطاعات الإنتاجية القليلة في البلاد. البرلمان ساعة زمنه متوقفة، وهو عبارة عن مؤسسة ممتلئة بالصراخ والسب واللعن والغياب، أكثر من كونها فضاء لمراقبة الحكومة وتجويد نصوص التشريع، ومناقشة السياسات العمومية. الإعلام في بلادنا مريض، العمومي منه في غرفة الإنعاش يستنشق هواء اصطناعيا من صنع «السلطة»، ويصدر دعاية متخلفة لا يستهلكها إلا القليل، والإعلام الخصوصي ضعيف في بلاد قراؤها عبارة عن مدينة متوسطة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون إنسان، وسوق إشهارها أضيق من علبة كبريت، أما توزيع كعكة الإشهار فتلك قصة أخرى لا يعلمها إلا الراسخون في علم العصا والجزرة، ومن معنا ومن ضدنا
الاقتصاد ثلاثة أرباعه استهلاكي، والربع الإنتاجي جله مبني على المواد الأولية: الفوسفاط والسمك وبعض المنتجات الفلاحية. نحن أمة لا تأكل مما تزرع، ولا تلبس مما تصنع، ولا تنتج ما تستهلك. أصبحنا «عالة» على مصانع «الصين» بالنسبة إلى الفقراء، وعلى مصانع أوربا وأمريكا بالنسبة إلى الأغنياء… التجارة والصناعة والخدمات أسواق عندنا بلا قوانين، والمنافسة تجلس دامعة في مكان بئيس في هذا السوق، ترى قوانينها تداس بالأحذية اللامعة
الحكومة غارقة في النوايا الحسنة، ورئيسها إلى الآن يده نظيفة، لكن «حيلته» قليلة، من جهة يشعر بأنه يمشي على البيض في نظام لا يقبله 100 في المائة، وعندما تضيق به السبل يشرع في إطلاق النار على التماسيح والعفاريت وجن سيدنا سليمان، ومن جهة أخرى، تبدو حكومته فاقدة للانسجام. كل حزب داخلها يعزف لحنا خاصا به، وهذا لا يصنع سيمفونية، بل ضجيجا يؤذي الآذان… الحكومة غارقة في ترتيب الأولويات، وجل وزرائها مازالوا يتعلمون أصول الحكم، ولم يعثروا بعد على أطر وعلى كوادر تساعدهم في تحمل المسؤولية الثقيلة
صناديق التقاعد في خطر، وقد نستيقظ يوما فنجدها فارغة. صندوق المقاصة يأكل المليارات التي تذهب إلى البطون الممتلئة. الأمن أصبح أكثر ندرة من فاكهة الصيف في عز الشتاء. حوادث السير تقتل 4000 مغربي كل سنة، وتخلف خسائر بالمليارات. المدن غارقة في الفوضى والشلل، والقرى معزولة خلف التهميش والفقر. التعليم مات منذ سنوات، وجاء الوزير الوفا لدفنه وقراءة الفاتحة على روحه. الصحة مريضة، والسياحة مزكومة، والسكن عار بلا سقف
هذه ليست لوحة سوداء هدفها إفساد فرحة السنة الجديدة على الناس. هذه الحقيقة عارية كما خلقتها أزمة الحكم والحكامة والإدارة والتسيير في مغرب 2012، وسنجرها إلى 2013 وما بعدها. هذه اللوحة السوداء تحتاج إلى سنوات من الاشتغال بإرادة فولاذية، وإلى مشروع لإصلاح الدولة، وليس فقط ترقيع سياساتها

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)