سنة الألم .. سنة الأمل

mohamedboudouik_918516083

محمد بودويك

اتّسمت السنة الفارطة.. السنة التي ودعناها، بميسم الرماد، واصطبغت بالسحم والسخم والوحم، والانقشاع تارة، والغلس تارة أخرى.

فقد انفرطت أيامها الخمس والستون والثلاثمائة، كحبات المسبحة في مناخ متوتر، زاخر بالعجيج والضجيج، مناخ عام ساده الإرتباك والقلق، والاضطراب، وَسَطا عليه الغبار والدخان، بحيث غطيا المشهد، وحجبا تلال الأمل، وخدشا ـ جل الوقت ـ مَرْمَرَ الأفق، وحرير الأحلام.

ميسم أزمات شتى، وتعقيدات عديدة، طالت شؤون الإنسان / المواطن، وشجونه، لعل من عناوينها الاختناقات الاقتصادية، والاحتقانات الاجتماعية شرقا وغربا، بفعل الجمود والركود، والتضخم الاقتصادي، وهبوط قيمة العملات، وتراجع المراكز المالية، والمؤسسات المصرفية، وتَرَنُّح البورصات.

عربيا، لم تفلت الأوطان والأمصار من الغلس والقلاقل، والشد والجذب، لأن الحرية بمعانيها الموطوءة، وتشكلاتها المعروفة والبادية، ودلالاتها المتداولة، والمشخصة في المساواة، والعدالة الاجتماعية، وتحرر الرأي والفكر والمعتقد، من القيود البالية الصدئة، والتي كانت رأس الشعارات „الثورية“، وَأُسَّ المطالب الجماهيرية قبل سنتين، أي مع الربيع المندلع غب النهوض والهبات الشعبية، أصيبت في مقتل، بعد سلخ جلدها ولبابها، والإبقاء على قشرتها الخارجية البراقة التي صارت سلعة زايد بها وعليها „الجهاديون“ والسلفيون، و“الإخوان المسلمون“ هنا وهناك، من حيث المصادرة على معناها الكوني، و“محاولات“ تحجيمها، وردها إلى الشريعة بما هي إلجام لـ „النزوات“ الإنسانية“ و“تعقيل“ للإندفاع الغرائزي العلماني الذي يفاضل بين إرادة الإنسان بما هي قصور وهوى وجموح، وبين إرادة الله سبحانه،التي هي إرادة كلية شاملة أبدية محيطة بماضي، وحال، ومآل الإنسان !!.

ومن ثم، علينا أن نتريث في الحكم على ما حدث عربيا، ويحدث، بكونه ثورة ردت الأهمية للإنسان العربي، وأعادت له الاعتبار. وبأن ما وقع في تونس ، وأرض الكنانة، وليبيا، واليمن „السعيد“، وسوريا : „قلب العروبة النابض“، وفي المغرب، هو ربيع مورق، كسا سماوت وأراضي هاته البلدان بالخضرة الزاهية، والأنداء البهية، والنسائم المنعشة البليلة، بعد جفاف وإمحال، وعقود عجاف.

ما حدث –الحق أقول- كان ربيعا نعم، لكنه ربيع خديج كما أسميته في مقالة لي سابقة.

فما يجري، ويتواتر، ويترى، قد يكون فوضى خلاقة بمعنى من المعاني. ومخاضا عسيرا لميلاد حقيقي قادم، وإرهاصا بقدوم رياح لواقح تتلامح في الأفق، ومهادا لربيع „ربيعي“، سينبثق هذه المرة، ملموسا، ومُعَاينًا، بعد أن تَرَنَّحَتْ بداياته، وتبلبلت أجواؤه، حيث سرقت براعمه، وقطفت قبل أوان الإيناع، وديست أعشابه ونباته، وكانت مُتْلِعَاتٍ، مُشْرِقَاتٍ بالوميض والبريق، وسلال الأمل.

سأذهب رأسا إلى تبيان علائم وسمات ألم السنة التي أصبحت ماضيا، لأقول بأن المخاوف التي عبر عنها كثير من المتتبعين، وعبرنا عنها في حينها، صارت حقيقة لامراء فيها، إذ أن البلدان التي شهدت هَبَّاتٍ جماهيرية خلال السنتين الفارطتين، خيبت أفق انتظارنا، فَأُسْقِطَ في أيدينا. ولئن كانت السنة الأولى أي سنة 2011، عامرة بالآمال العراض، مفعمة بالحماس، وإرادة القطع مع عقود سنوات الفساد والإستبداد التي طالت واستطالت، فإن السنة الموالية 2012، ارتسمت سوداء بما لا يطاق، وسجلت تراجعات على مستويات عدة، وَصُعُدٍ مختلفة. يكفي أن نثير، ونُذَكِّرَ بساحاتاتها وحاراتاتها وشوارعها التي غطست في الدم، وشرقت بالسحل الفظيع، والدمع المريع. ولا تزال سماوات هاتيك البلدان مُشْرَبَّةً بالحمرة كناية عن الدم المسترخص، والقتل الأعمى، وَمُبَقَّعَةً بصراخات المعذبين والمستضعفين، وَمُرْبَدَّةً بالنار، والموت الزؤام والغبار.

التف „الإخوان“ في مصر على الثورة الجماهيرية العظيمة التي دكت حصون الطاغوت، وَسَوَّتْ بالأرض عقودا من الظلم والقهر والتجويع والجبروت.

ومن المفارقات والأعاجيب التي تحسب لأحفاد سيد قطب والبنا، والمودودي، صفاقتهم ونفاقهم، وأكاذيبهم، وغرامهم بالحكم والسلطة والجاه. فمن أجل هذا، كَفَّرَ مشايخهم، شباب الثورة، وكل التقدميين، والليبراليين، والعلمانيين الذين يؤمنون بالديمقراطية، والتوافق من أجل انطلاقة بانية لمصر الجديدة. ومن أجل الكرسي والصولجان، دَلَّسُوا، وَلَبَّسُوا وغَطُرسُوا ليفوزوا بكل المواقع، وليحظوا بكل الامتيازات، ظنا منهم أن الاقتراع الشعبي الذي أوصلهم إلى سدة الرئاسة والزعامة، يبيح لهم قهر وإخراس الأقلية، كاشفين –بهذا الصنيع- عن قلة حيلة، وقلة خبرة بدواليب الحكم، وجهل تام بمباديء الديمقراطية، وحرية الرأي، وتداول الآراء، وَوَجْهات النظر، وتقريبها للوصول إلى تفاهم تقريبي، وتوافق تجريبي.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه، ولم تَرْتَدِعْ أهواء، بحيث يعلو صوت الحق، ولسان الضمير، وروح العصر والتقدم، فإن مصر ستنحسر وتنكمش موقفا وحضورا إقليميا ودوليا، وتتدحرج إلى السفح. و ما قيل عن أرض الكنانة، يَنْسَحِبُ – في خطوطه العريضة- على تونس الخضراء / تونس الياسمين. فحزب النهضة الحاكم يلعب على الحبلين، فهو تارة يضع قناع الديمقراطية، ويلوك مصطلحات الحداثة و التحديث، وتارة يلبس جلد الذئب الشرس ، والداعية الموتور، فيبدو سلفيا ماضويا، مقيما في الخرائب، والمنعطفات إذ يستسعف بأفكار دينية نَخِرَةٍ، يَمُجُّها العصر، ويَسْتَبْشِعُها التقدم. وما قراءته لبعض بنود الدستور الذي هو في طور التحبير والتحرير، ومدونة الأحوال الشخصية المتصلة بالمرأة، إلا دليل على نفاقه وأقنعته.

وفي ليبيا، يتسيد الغموض الساحة، ويسود فيها –على رغم الطمس والتعمية- فكر إسلامي متطرف، يدعو –على غرار- „الإخوان“ و“النهضة“، إلى تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود، مستعينا، على ذلك، بالميليشيات الفاشية المباغتة التي تنشر التخويف والترويع والفتنة بين الناس. وفي اليمن تسرح „القاعدة“ وتمرح، ويُسْتَعْلَنُ الاحتراب المذهبي الطائفي بين الشيعة والسنة-. وهكذا، بالإمكان جرد أمثلة أخرى موسعة، تنتصب حجة على ألم السنة الماضية، وإجهاض حلم لم يكتب له أن يترعرع ويتبلور، ليعطي للهبة الجماهيرية معناها ودلالتها، وتموضعها لجهة البناء الديمقراطي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المنشودة والكرامة المبتغاة التي من أجلها وقع ما وقع.

لم يكن المغرب استثناء، ومحصنا كفاية، بعيدا عن الشرارات التي اندلعت، والهدير الذي انداح في أكثر البلاد العربية. فقد حملت المسيرات الجماهيرية، والحراك الشبابي 20 فبراير، إلى مقدمة المشهد السياسي، حزبا إسلاميا مسيسا هو حزب العدالة والتنمية الذي كان استنكر الحراك الفبرايري، واعتبره لعب „عيال“، والذي أجهز على بعض المفاصل ذات الحمولة الحداثية والديمقراطية في مشروع الدستور المستفتى عليه سنة 2011. وللمفارقة –دائما- هيأت له „الصدفة“ الصدارة، والخلفية الدينية، الاستيلاء „السلمي“ على مقاليد رئاسة الحكومة، وبعض القطاعات الوزارية. واستتب له الأمر وإن بمقدار، وضمن مساحة مسطرة ومحسوبة، وهذا هو –في نظري- الاستثناء الوحيد عن قاعدة حصائل البلدان العربية التي أتينا على ذكرها.

ما يعني –بداهة- أن تَغَوُّلَهُ السياسي إسلاميا، أو الإسلامي سياسيا كمثل ما فعل „الإخوان“ و“النهضة“ والليبيون، واليمانيون، وما يمكن أن يفعله السوريون القادمون غدا إلى سدة الحكم بعد اندحار الطاغية المحتوم؛ لا يمكن أن يتخطى خطوطا مرسومة، وحدودا معلومة، بالنظر لأسباب تاريخية، وتعاقد أجيالي متجذر ومديد، يجد تفسيره في الملك والإمارة. فالملك –وفقا لهذا- سلطان مبايع وأمير للمؤمنين، وضامن للوحدة، ورمز للوطن.

هي الإمارة بمفهومها الإسلامي العميق، وشوكتها الدينية القوية، ما „فَرْمَلَ“ ويُفَرْمِلُ“ أي اندفاع غير محسوب العواقب باسم الإسلام، من لدن هذه الطائفة أو تلك الهيئة. وبالتالي، فإمارة المؤمنين بمثابة صمام أمان ضد كل ادعاء أو تماكر إسلاموي، أو „إمامة مغرضة“، وحصن حصين يرسم المسافة بدقة إزاء كل تعالم، وكل تنطع وزعم بتطبيق الشريعة الإسلامية على الأرض، كما تم إنتاجها في تاريخية بعيدة، وسياقات اجتماعية، واقتصادية، وثقافية عربية – إسلامية لها خصوصياتها، وآلياتها الزمكانية المحددة، ما يجعلها تنأى عن عصرنا، وتنكفيء ضمن زمنيتها، وذهنيتها الثقافية التي أنتجتها. فإيرداها إنما يكون فقط للإفادة والاستفادة والعبرة والاعتبار، وإسناد مفهوم، أو تقويم وتصحيح ابتداع !!.

وعلى رغم ما هَيَّأَهُ الدستور الجديد من صلاحيات، وأرضيات ديمقراطية للحكومة الجديدة نصف الملتحية، فإن دار لقمان لا تزال على حالها، والوضعية الاجتماعية العامة بالبلاد، تراوح مكانها، إن لم أقل –من دون تحامل- تتأزم، وتتلوى متألمة من جراء ركود وجمود وتدهور طال التعليم والخدمات الصحية، والتشغيل ، وحرية التجمع والتظاهر، ووضع المرأة، واستشراء البطالة، والرشوة، والظلم، والاغتصاب بالمعاني جميعها.

إن ما نسمعه وما نقرأه لقادة ووزراء العدالة والتنمية، من أن الأمور تحسنت، ومن أن الشأن العام السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، يشهد معدلات نمو إيجابية، ومنسوب ثقة واستقرار ملموس ومحسوس، ما هو إلا تَزَيُّدٌ، وسِجَال فارغ، وتنميق خطابي، وتزويق لساني، ومحاولة تعمية، وذر للرماد والريش أيضا في الهواء والسماء والعيون.

لن أشير إلى التذبذب والتكهرب، والقيل والقال الذي تعرفه مكونات الحكومة، ولا إلى التعارضات و التناقضات في أقوال الوزراء، وتصريحات بعضهم، مما يدل على عدم تنسيق، وتماسك وانسجام، وعن أنغام نشاز تعزفها جوقة متفاوتة العلم „بالنوتات“، يسيرها „مايسترو“ كيفما اتفق.

من الممكن أن تعود الحكومة إلى „رشدها“ بتصفية جوها الداخلي، وتمتين أواصر وعرى قطاعاتها الوزارية بدواوينها، وأقسامها، ومصالحها، وذلك من خلال الكف عن „الكلام الكثير“ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وبالإنكباب الفوري- وقد سلخت سنة ميتة- على رسم سياسات قطاعية موصولة بأهداف استراتيجية، لتفعيل البرامج النائمة والتي خيض بها الاستحقاق والانتخاب، وإعمال القوانين التنظيمية بإخراجها من المعتقل الورقي „أقصد الدستور“، وترجمتها إلى تطبيقات عملية في هذا المجال، وذلك الميدان، وهذه المؤسسة، وتلك الجهة.. إلخ.

لِنَتَّجِهْ –رأسا- إلى أمهات المشاكل، وكبريات القضايا، التي ينتظر المواطنون الحسم فيها. لِتُحَرِّكْ الحكومة „الجليلة“ ملفات الصحة والشغل والتوظيف، والتعليم، والسكن اللائق، ومحاربة „العشوائيات“ من منظور مصاقب، منظور تضامني – تكاملي، عنوانه الخبرة المكينة، واقتراح الحلول الممكنة والبديلة، مفيدة من كل الأطراف، وذوي الخبرات والكفاءة والجدارة في التسيير المحكم، والتدبير المحوكم، وفي مقدمتها المجالس التي أقرها الدستور، وتلك التي أحدثها، والمعارضة البرلمانية التي تعج بالطاقات والمسؤوليات، بما يعني أن في المعارضة –الآن- من كان وزيرا بالأمس، ورجل دولة، وموظفا ساميا، ومديرا عاما.

من غير هذا، أتوقـع سقوط الحكومة الحالية، وَلاَتَ حين مندم. ولن تنفع الرُّقَـى –آنئذ- ولا التعاويذ، ولا ذكر التماسيح والعفاريت، ولا التأكيد –اليومي المملول- على أن العلاقة مع الملك جيدة، وبخير وفي أحسن حال.

فهذه الثقة الملكية التي ما فتئ رئيس الحكومة –يذكر بها، ويكررها، ويمطرق مسامعنا بها- إذا كانت مصدر فخر ، ومبعث اعتزاز ، ولا يمكن إنكار أهميتها كرسالة وترميز ومباركة ، فإنها –بالمقابل- لاتبرر رداءة الأداء الحكومي ، وخبطه العشوائي في تدبير مصير البلاد والعباد . ومن ثم ، لاينبغي أن تستعمل وتُرْكَبُ كَذَرِيعَة وشفاعة، وحجاب للإخفاق المتوالي، ومسوغ للنكوص،واستفحال الأزمات. فأين الحزم والعزم و“المعقول“ في طرح مشاكل البلاد والعباد، وإيجاد حلول لها، والقطع التدريجي ثم النهائي مع الظلم والفساد. أم تراه حديث خرافة يا أم عمرو؟

البلاد تغلي، ومِرْجَلُهَا يفُورُ : (تازة – طنجة – الحسيمة- آسفي- فكيك- وجدة- مراكش، الرباط، وقرى ومداشر نائية، والبقية تأتي..).

فَحَاذِرْ يا „زُوزُو“ أن تأتي النيران على أخضرها ويابسها، قليلها وعرامها !.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)