اعتدال السلفيين بالمغرب وسؤال المشاركة السياسية

 

 

 

salafistes-620x442

أصدر محمد مصباح، الباحث في المركز الألماني للدراسات الدولية، دراسة جديدة تم نشرها مؤخرا في المعهد الألماني للدراسات الدولية، في ثمان صفحات باللغتين الإنجليزية والألمانية، تحت عنوان  » اعتدال السلفيين المغاربة منذ بداية الربيع العربي : الاتجاه نحو المشاركة السياسية  » .

وتتناول الدراسة كيف أصبح للسلفيين في المغرب حضور في الحياة العامة، من خلال مشاركتهم في الاحتجاجات مع العلمانيين جنبا إلى جنب مع ميلاد حركة 20 فبراير، حيث إن هذا المؤشر وغيره سيلعب دورا مهما في تشكيل المشهد السياسي بالمغرب في المستقبل، وأهم مراجعة عرفتها السلفية بالمغرب هي نبذ العنف في الصراع مع السلطة، وظهور معالم اضطلاع السلفيين بدور سياسي في الخريطة السياسية المغربية، وهكذا فبعد مشاركة إخوانهم في بلدان عربية مثل مصر، كان على السلفيين بالمغرب أن يتجهوا نحو لعب دور سياسي في المغرب.

 ويستعرض الباحث المغربي في بداية دراسته، المنعرجات المهمة التي عرفتها السلفية في المغرب بداية من أحداث 16 ماي والهجمات الإرهابية في الدار البيضاء، مرورا بحراك 20 فبراير، وفي أقل من شهرين من الحراك أصدر الملك محمد السادس العفو عن 190 سجينا، وفتح هذا العفو فضاءا نحو المراجعة والدفاع عن السجناء المتبقين والمشاركة في الحراك الاجتماعي منذ البداية، عكس السلفيين بمصر، الذين ترددوا في المشاركة مع انطلاق الحراك المصري.

 من هم وماذا يريدون ؟

 سؤال معرفي يحاول من خلاله الباحث المغربي التعريف بالسلفية وجذورها التاريخية والمفاهيمية والتمثلات العامة المرتبطة بها وأهم الفتاوي الفقهية التي أثارها بعض زعماء السلفية بالمغرب.

 التغييرات في المواقف والسلوك:

 وتتناول الدراسة في هذا القسم، أهم المراجعات التي عرفها السلفيون منذ إطلاق سراح عدد من رموزهم سنة 2011 مع تغيير في الأفكار والسلوك، ثم مطالبة وزير العدل والحريات القيادي في حزب العدالة والتنمية في 2012 حصولهم على عفو ملكي، وكان ذلك، حيث شمل العفو أبرز قادة السلفية، وقد أعلنت علنا قبول الديمقراطية والنظام الملكي ثم التخفيف من حدة مواقفهم تجاه مشاركة المرأة في الحياة السياسية من بعضهم، والدعوة إلى تأييد دستور 2011، ثم المشاركة في حوار مع العلمانيين في الفضاءات العامة، وكل ذلك لعب دورا مهما في تغيير السلفيين لمواقفهم من عدة قضايا، كالديمقراطية والمشاركة السياسية، وذلك من خلال رغبة الشيخ محمد الفيزازي، مثلا في تأسيس حزب سياسي، وتأسيس أبو حفص لبيت الحكمة، وتأسيس سلفيين لجنة الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، وغير ذلك من المبادرات.

 ثم تشير الدراسة إلى وجود سلفيات وليس سلفية واحدة في المغرب، وغياب الجانب الهيكلي أو التنظيمي رغم بعض المحاولات لتشكيل ائتلاف أو شبكات، ومن بين هذه السلفيات من تركز على تعليم ودراسة المعرفة الدينية المساجد القرآنية والمدارس، كنموذج جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة، التي يديرها الشيخ المغراوي، وهي سلفية علمية تقليدية، ثم سلفية ثانية أسماها الباحث المغربي بالسلفية السياسية التي يتزعمها الفيزازي، ثم سلفية حركية معتدلة تضم شيوخا معروفين مثل أبي حفص والكتاني، ثم قسم رابع من السلفية وهم سجناء ملف مايسمى بالسلفية الجهادية، حيث كانت هناك مجموعة من الوساطات من أجل تحديد موقفهم من الديمقراطية والملكية ومجموعة من المواقف، إلا أن المحاولات لحد الآن لم تجد طريقها إلى النجاح وهي سلفية جامدة، حسب الباحث.

 وتخلص الدراسة إلى أن غياب زعامات موحدة وكذا البعد الهيكلي ساهم إلى حد كبير في محدودية تأثيرهم في التطورات السياسية حاليا، حيث إن السلفيين لو نظموا أنفسهم في حزب سياسي سيكون لهم تأثير أكبر.

 العوامل المؤدية إلى الاعتدال:

 ويرجع الباحث في العلوم الاجتماعية التحول الذي عرفته السلفية في المغرب وانتقالها إلى الاعتدال، إلى أربعة عوامل:

1-   استمرار النظام وشرعيته الدينية

2-   استراتيجية الملكية في التعامل مع السلفيين

3-   النجاح الانتخابي للإسلاميين مع صعود حزب العدالة والتنمية

4-   آثار الربيع العربي

 من عوامل الاعتدال في وقت مبكر:

 ويشير الباحث مصباح، في هذا القسم إلى أن السلفيين في المغرب منذ بداية الربيع العربي، حيث بدأت تظهر الرغبة عندهم في المشاركة في الشأن العام والعملية السياسية والتخلي عن العنف والتكفير والقبول بالتعددية وسيادة القانون. حتى أن ملامح المراجعة بدأت قبل الربيع العربي، كمثال على ذلك سنة 2007 أبو حفص يكتب ورقة في السجن بعنوان « أنصفونا »، حدد فيها مواقفه السياسية وأدان الهجمات العنيفة في 16 ماي، ونأى بنفسه عن ممارسة التكفير كما أيد الملكية بالمغرب.

وتبين الدراسة تأثر السلفيين بالمغرب بتجربة حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، واكتسابه الشرعية السياسية عن طريق صناديق الاقتراع من خلال المشاركة السياسية كحزب سياسي قانوني في 2011، بعدما كانت هناك بعض الدعوات إلى حل الحزب إبان أحداث 16 ماي، الشيء الذي تكلل بدعوة بعض شيوخ السلفية إلى التصويت في انتخابات نونبر 2011، إشارة منهم إلى نجاح تجربة مشاركة الإسلاميين المعتدلين.

 مستقبل السلفيين: المشاركة السياسية

 على عكس السلفيين في بلدان عربية أخرى، السلفيون في المغرب لا يملكون حزبا سياسيا كما هو الحال في مصر وليبيا وتونس، لذلك تقوم الدراسة بجرد عدد من العوامل التي من الممكن أن تساهم في اتجاه سلفيي المغرب إلى المشاركة السياسية، من أمثال رغبة الفيزازي في تأسيس حزب سياسي، تأسيا بإخوانهم في مجموعة من البلدان العربية مصر نموذجا، وتخلي عدد من السلفيات عن العنف والقبول باللعبة السياسية، ثم قبول الملكية بالمغرب قيادة الإسلاميين المعتدلين للحكومة المغربية، بالإضافة إلى الصعوبات التي قد تواجهها السلفية بالمغرب من غياب الموارد اللازمة ووجود انقسام وشعبية محدودة على عكس تلك التي موجودة في مصر.

وتؤكد الدراسة، أن الربيع العربي فرصة مواتية للسلفيين في المغرب ليصبحوا أكثر اعتدالا إذا كانو بالفعل يريدون أن يكون لهم تأثير في المجال العام، ويضيف الباحث أنه على الرغم من ذلك ستكون لهم هذه المساهمة عبر إنشاء منظمات غير حكومية والمشاركة في النقاشات العامة وإنتاج اللغة السياسية من أجل فهمها من قبل الجميع.

 يوسف الفاسي – موقع الإصلاح

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)