الديمقراطية على مقاس غير الديمقراطيين

bilal-talidi

من حسن حظ الديمقراطية أن مفاهيمها وأطرها تحددت نظريا، ورسختها التجارب الديمقراطية في العالم في موجاتها الثلاث قبل أن تصل الموجة الرابعة إلى العالم العربي، ومن حسن حظها أيضا، أنه رغم اختلاف السياقات والمعادلات الثقافية والاجتماعية، فإن القاعدة الأساسية للشرعية الديمقراطية، بما تعني الاحتكام للإرادة الشعبية وانبثاق الحكومة من الأغلبية الانتخابية، بقيت ثابتة في كل هذه التجارب.

المفارقة دائما تأتي في عالمنا العربي، وبالتحديد في دول الحراك الشعبي، والتي وإن تفاوتت خطواتها في ترتيب خطوات الانتقال الديمقراطي وإعادة بناء قواعد الاجتماع السياسي، إلا أن بعض مسلكيات قوى المعارضة السياسية يعيد طرح السؤال حول أشكال تمثلها للديمقراطية، وبالتحديد القاعدة الأساسية لشرعيتها.

ففي تونس مثلا، استثمرت بعض القوى المعارضة السياسية مقترح رئيس الوزراء بتشكيل حكومة كفاءات وطنية، وصارت تطالب رئيس الوزراء نفسه بأن يعلن انسحابه من النهضة، حتى لا تظهر رائحة النهضة ولا لمستها على الحكومة، بل إن بعض هذه القوى صار يطرح تشكيل مجلس جديد على غرار اللجنة التأسيسية، يكون له السمو في القرارات عن المجلس المنتخب بحكم استناده على قاعدة التوافق بين القوى السياسية !

نفس المسلكيات يتم إنتاجها وبفجاجة أكبر في حالة مصر، إذ بدأت بعض القوى المعارضة تهدد بالمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في حال لم يقم محمد مرسي بتنفيذ مطالبها بالتشكيل الفوري لـ «حكومة الانقاذ الوطني» وتشكيل لجنة خاصة لتعديل الدستور الذي اعتمده الشعب وفشلت هذه المعارضة في إقناعه بالتصويت ضده !

أما في المغرب، وإن قلت الدرجة، فإنه لم يعد أحد يفهم حال بعض المعارضات، التي صارت تصدر بعض التعبيرات المضطربة التي تعكس أزمة تمثل حقيقية لمفهوم الديمقراطية، إذ يبلغ حد الخروج عن المنطق الديمقراطي نفسه، فبعض هذه التعبيرات تعلن معارضتها ومناهضتها لمشروع إصلاح صندوق المقاصة بحجة أن الحكومة أو حزبا ما داخلها سيستفيد من العائد الانتخابي من توزيع الدعم المباشر على الفقراء، هذا في الوقت الذي يصدر عن نفس الجهات تعبيرات مقابلة تناهض مشروع هذا الإصلاح بحجة أنه سيمس القدرة الشرائية للمواطنين، وسيستهدف بشكل مباشر الطبقة الوسطى.

هذه التعبيرات المتناقضة، إنما تعكس في حقيقتها- وإن بشكل أقل درجة مما هو عليه في الحالة التونسية والمصرية- أزمة تمثل لمفهوم الديمقراطية وصعوبة مسايرتها لتجربة ديمقراطية ليست مشاركة فيها أو صانعة لها.

فالأصل النظري الافتراضي أن الحكومات حينما تدبر الشأن العام، فإنها تدبره بمنطق الإصلاح الذي يؤدي بالضرورة إلى مضاعفة شعبيتها وتوسيع قواعدها العاطفة عليها، تماما كما تفعل المعارضة التي تعترض على السياسات العمومية التي تنتجها الحكومات وتؤسس لحجتها السياسية بالشكل الذي يوسع قواعدها الاجتماعية ويضمن لها تحقيق الفوز الانتخابي والوصول إلى مربع تدبير العمل الحكومي.

هذا هو الأصل النظري الافتراضي الذي تقدمه الديمقراطية كمفهوم وتجربة مارستها كل المجتمعات الديمقراطية، ومن ثمة، فالاعتراض على مشروع معين بحجةٍ تناقض الأساسيات الديمقراطية يطرح سؤال أزمة تمثل الديمقراطية عند هذه النخب، فإذا انضاف إليه الاضطراب في بناء الحجة السياسية المعارضة، بين التخوف من الآثار الإيجابية للدعم المباشر للطبقات الدنيا، وبين التحذير من المس بالطبقات الوسطى، يتضح إلى أي حد بلغ منسوب عدم الثقة في الذات وفي الخطاب عند النخب المعارضة، إذ تخشى أن تبني حجتها على منطق واحد، وتترك لنفسها اللعب على الحبلين معا، بل إن هذا النوع من المعارضة، بسبب وصول منسوب عدم الثقة إلى أعلى مستوياته، فإنها تضيف إلى ذلك منطقا جديدا، أو تلعب على حبل ثالث، هو حبل المشاركة والإشراك، أي أن هذه المعارضة تريد أن تقول بلغة واضحة: لن نسمح للحكومة بأن تنجح وتكسب تأييدا شعبيا بإصلاح صندوق المقاصة، وسنستثمر هذا الملف ضدها برفع شعار حماية القدرة الشرائية وحماية الطبقة الوسطى، وإن تأكد الرأي العام بأنه ليس في المشروع مس بالقدرة الشرائية ولا بالطبقات الوسطى، فالمشكلة هي أن الحكومة لم تشرك المعارضة في هذا الملف الحساس !

بكلمة، إن الحالات الثلاث، مع تفاوت في الدرجة، تعكس حالة أزمة المعارضات السياسية في ذاتها وفي خطابها السياسي، وعدم استساغتها بعد لنتائج العملية الديمقراطية، أو عدم قدرتها التكيف معها، هذا فضلا عن عجزها عن التمرن على التفاعل مع معطياتها ومكوناتها وإنتاج مسلكليات سياسية ديمقراطية تراعي البيئة السياسية الجديدة.

بلال التليدي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)