« المغر ب الذي نريد ؟ » بقلم الطيب الشكري عين بني مطهر

Tayeb-choukri-ain-beni-mathar

قد يحتاج المرء إلى إعادة قراءة مسار حياته على ضوء المتغيرات التي يعيشها  و تتفاعل فيها العديد من الأشياء في أن تكون لنا فرصة الاختيار بين السلبي و الايجابي بين الخير و الشر بين الصالح و الطالح، فالإنسان في هذا الكون يعيش دائما للمستقبل حتى و إن جاء هذا المستقبل على حساب مبادئنا و تقاليدنا و في أحيان كثيرة على حساب عقيدتنا، الطموح شيء مقبول و مرغوب فيه لطن يبقى طموحا في حدود المعقول يتماشى مع طبيعة الإنسان نفسه بعيدا عن الانسلاخ عن الثوابت الوطنية التي ناضل و دافع عنها الآباء و الأجداد و الذوبان في نسق مجتمعي تتنافى فيه كل القيم الحضارية و الإنسانية و الأخلاقية التي تربى عليها الإنسان و عايشها و تعايش معها لعقود من الزمن و لا زال.

منذ أن وعينا و فتحنا أعيننا على هذه الحياة بكل تجلياتها وجدنا فكرة سيطرت على عقول و نفوس شباب أبناء وطننا تمثلت في البحث عن مخرج لوضع اجتماعي و اقتصادي لم يعد يحتمل يتمطط و يستمر خاصة في ظل واقع سياسي ملتبس أسقط المواطن البسيط على كثرت أعاده و تنوع نسيجه من أجندة و حسابات الساسة و جعلته لعقود عديدة مجرد رقم في معادلة انتخابية رخيصة تنتهي بإقفال الصناديق و إعلان النتائج ليترك هذا الشاب و تلك الشابة لمصيرهما المحتوم و المجهول في الآن نفسه، فلم يكن المخرج لعشرات الآلاف من أبناء وطننا سوى طرق المجهول في اتجاه الفردوس الذي تحول اليوم في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة إلى جحيم منظور، أوروبا عبر بوابتها اسبانيا، الكل منا يتذكر بكل الحسرة و الألم آلاف الشباب و من مختلف الأعمار اللذين ذهبوا ضحية واقع هو اليوم محط إدانة صارخة، شباب في عمر الزهور رسموا أحلامهم البسيطة التي كانت في مستوى تطلعاتهم، الحصول على عمل بناء أسرة و العيش بأمن و سلام قبل أن يتحولوا في لحظة يأس إلى طعام لأسماك القرش التي التهمت أمالهم و أحلامهم التي اغتالتها سنوات و عقود من السياسات الجوفاء التي أفقرت المغرب و قسمته بين نافع و غير نافع، جعلت فئة تحضا بكل شيء و البقية الباقية بلا شيء، هي ذي المعادلة التي كانت تحكمنا في زمن كان فيه الانتماء إلى الوطن ضرب من الجنون.

بعد سنوات و عقود من الزمن المغربي بكل حمولته الدامية ، بكل جراحه و آلامه و انكساراته ، بصرخات الأمهات و دموع الأرامل و بكاء الأطفال نعيد رسم طريق وطن ضحى الآباء و الأجداد  و الشرفاء في سبيل كرامته و نيل حريته و استقلاله، نستعيد مغربا استعصى على أعتا الجيوش و خرج صلبا قويا من كل الحروب و يقف اليوم شامخا  يقضا في وجه الأعداء و الخصوم ، فمخطئ اليوم من يظن أو يعتقد و لو للحظة واحدة انه سيعيد  عقارب الساعة إلى الوراء بممارسات قطعنا معها عبر نضالات القوى الوطنية الحية بالبلاد أو أن يوقف مسيرة النماء و الإصلاح و البناء التي انطلقت برغبة شعبية كبيرة و توجه ملكي دائم و مستمر ، فمغرب ما قبل خطاب 9 مارس أصبح جزء من تاريخنا السياسي الوطني الحافل الذي نفتخر و نعتز به، فنحن اليوم في موعد مع التاريخ لنتصالح مع دواتنا و لما لا مع تاريخنا الحافل، موعد لا يمكن لكل من يحب خيرا لهذا الوطن أن يتخلف عنه أو أن يرهنه لمصالح ذاتية أو حزبية ضيقة بدأت تطفوا على سطح الممارسة الحكومية و الحزبية على حد سواء ، موعد يقف على مسافة قريبة من كل التجاذبات السياسية الوطنية و العربية و يراهن على وعي وفطنة أبناء هذا الوطن اللذين يعرفون جيدا ماذا يعني الوطن في هذه الظرفية الدقيقة و الحساسة، فنحن ذاهبون إلى التحدي من أجل الوطن و لا شيء غير الوطن دون أن نركب على واقع عربي فرضته خصوصيات معينة لدول كانت و إلى وقت قريب تحكم بالحديد و النار .

عندما خرج الشباب المغربي عن صمته و نزل إلى الشارع لإسماع صوته كان يعي جيدا ماذا يريد دون أن يخضع نفسه لانتماء سياسي أو حزبي أو جمعاتي تجرد منه في لحظة غضب و احتجاج على وضع سياسي ملتبس و اجتماعي قاتم على الرغم من استغلال بعض متصيدي المبادرات الوطنية لحركة الشارع ، فخرجت التظاهرات موحدة في مطالبها و شعاراتها الشعب يريد إسقاط الفساد بكل تجلياته و تمظهراته التي تنخر مؤسسات الدولة بكافة درجاتها ، هذا الفساد الذي يتخذ اليوم أبعادا خطيرة في غياب رادع قانوني له ، لم نختلف تماما مع هذه المطالب التي كانت مطالب كل الشعب المغربي  و قواه الحية على مدى سنوات و عقود من النضال السياسي الوطني الحقيقي و التي تحقق البعض منها لكن أدينا الثمن غاليا لأجلها و لمن نساوم في يوم من الأيام عليها ، فلم نتوقع أن تتحول حركية  مجتمع يرفض الوصاية عليه من أي جهة كانت  إلى وسيلة للابتزاز السياسي و إشاعة الفوضى من طرف أناس يعملون وفق أجندات خاصة تخدم مصالحهم بالدرجة الأولى.

ما نعيشه اليوم من أحداث اعتبراها العديد من المتتبعين تراجعا عن المكتسبات التي تم تحقيقها ، تمثلت بالأساس في الاعتداء السافر و الغير مبرر على الصحفيين و الحقوقيين و المضربين  في محاولة لتكميم افواهمهم و وصفهم بنعوت حاطة من كرامة الإنسان، ناهيك عن التعثرات التي تعرفها القوانين الموازية  للدستور و التنزيل الديمقراطي و السليم لها و استئثار الأغلبية الحكومية  بالقوانين و العمل على تغييب مكونات المعارضة و بخاصة فيما يتعلق بالقضايا المصيرية للأمة  و التي لا مساومة عليها لأنها قضية شعب موحد حول مطالبه المشروعة في الحفاظ على كيانه و وحدة أراضيه مهما كلفه الأمر ذلك.

نريد اليوم من خلال هذا الطرح الذي قد نختلف  أو نتفق معه أن نرسم ملامح وطن نعشقه حد الجنون ، وطن يتسع لكل أبنائه دون استثناء و يقف على مسافة متقاربة من كل التجادبات التي تعرفها الساحة السياسية الوطنية ، نريد مغربا لا مكان فيه للامتيازات نتمتع فيه بالحقوق كما الواجبات، مغرب نرسم معه مستقبل أبنائنا عنوانه البارز الديمقراطية  الحرية الكرامة و حقوق الإنسان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)