موازين… ولكن مقلوبة

mohammed-laouni-234x300

بقلم : محمد العوني

إذا سبق لك أن شاهدت الفيلم المشهور « تيتانيك » بلا شك ستستوقفك مشاهد لسفينة تهوي إلى قاع المحيط و الناس تموج بعضها في بعض بحثا   عن النجاة من موت محقق ، ولكن  ما يسترعي الانتباه هو مشهد فرقة موسيقية تواصل عزف الألحان و الناس تغرق يمينا وشمالا و السفينة يصرخ حديدها الذي يبتلعه المحيط رويدا رويدا ، استمروا في العزف إلى أن كانوا من المغرقين ،
ما أشبه هذه الواقعة بالحالة التي نعرفها اليوم في المغرب مع مهرجان موازين الذي بسببه  يبذر  المخزن الملايير  على شذاذ الأفاق من مغنين وراقصين وراقصات ،  و كأن البلاد و العباد على أحسن ما يرام ، و كل شئ بخير و على خير وأصبح لا ينقصنا إلا الفن و الرقص و الغناء ، حتى الحكومة حاولت أن تتبرأ منه لكن في الأخير ابتلعت لسانها  و أصبح لا يعنيها في شيء  ،
سيقول قائل إن مصدر هذه الأموال تبرعات من هيئات خاصة و أشخاص ذاتيين و ليست من الأموال العمومية ، وزعما هذه الملايير ما تصلحش لبناء القناطر وشق الطرق و بناء المدارس و المستشفيات وفك العزلة عن القرى النائية في جبال الأطلس التي يموت أطفالها جراء  البرد هناك و بناء مساكن للعائلات التي لا زالت تسكن الكهوف والخيام عبر ربوع المغرب المنسي ، وتزويد الدواوير و المداشر بالماء و الكهرباء و محاربة دور الصفيح  و وغيرها من أبواب المصالح المستعجلة المتعددة ، ونحن نقول هذا الكلام من باب إعمال  القاعدة الفقهية : درء المفاسد أولى من جلب المنافع ، و المشكل أن هذا المهرجان لا يرقى حتى إلى مستوى المنافع ، بل هو فساد في فساد ، أم أن مال الحرام يمشي في الظلام ؟
وهذا المهرجان قالك أسيدي هو من تنظيم جمعية مغرب الثقافات ، و هي جمعية  تهدف إلى تشجيع التسامح و التساكن و التلاقح الثقافي داخل المغرب و خارجه ،  جمعية مخزنية في أخر المطاف  ،  و بني وبينكم، متى كان المخزن يحرص على تثقيف عباد الله  و توعيتهم و إرشادهم ؟  غير ثقافة الاستحمار و التكلاخ  وما جاورهما من  فجور و فسوق و عصيان ديني بطبيعة الحال، وإلا بماذا نفسر الأمية  التي لا زالت تضرب أطنابها  في مختلف شرائح  المجتمع منذ « الاستقلال « ؟.
نعم يقوم المخزن بحملة للتنقيب على المواهب و العباقرة عبر ربوع المغرب ولكن ليس في مجال الرياضيات و الفيزياء و البرمجيات و التكنولوجيا و الاختراع لا  ،  فهذه المواهب  يتركها  تتلاشي مع الوقت جراء التهميش و الإهمال  الممنهجين ،  إنما  الموهبة في عرفه  هي الرقص و الغناء و الشطيح و الرديح  ، لا غير ، ولما لا يكفيه ذلك فانه ينطلق إلى بلدان العالم لجلب كل راقص مخنث ، و يبدو أن كل عام يزداد  المخزن خبرة في هذا المجال ، ولم تعد لمعايير  الاختيار أية حدود  لديه ، ففي ما مضى جاء بشاكيرا اللاتينية التي صرخ الشعب ضد حضورها في الشوارع مابغيناش شاكيرا بغينا خبزة و كوميرا ،  وهذه المرة قد اطلع المخزن عبر اليوتوب  للبحث عن أكثر ألاغاني رواجا هناك فوجد أغنية « كاكنام ستايل » و  هي فيديو كليب لمغني كوري جنوبي مغمور يعرف باللقب الحركي « بساي » ، كوريا الجنوبية بعيدة من هنا، ابن بطوطة الله يذكروا بخير، خمسة و عشرون عام وهو يتمشي يالله وصل للتخوم الصين ، ومن الصين لكوريا باقي جبدة طريق  أما المخزن راه دغيا وصل ،  ايوا اوصلتوا اوصلتوا لكوريا الجنوبية ابعدا جيبوا لنا من تم التعليم  و المنظومة التربوية التي توجد فقط في كوريا و( تلاميذتها الآن ماكانش اللي ياكل معاهم مورصو خبز  فهاد الشيي ديال الرياضيات و العلوم)  ، و راه التعليم  ديالنا أمسى في مؤخرة الترتيب عالميا ،  و جيبوا لنا من هناك النظام السياسي حيث الرئيس هناك كباقي عباد الله ، و جيبوا لنا كرامة المواطن الكوري التي تجهد الحكومة هناك في صونها و احترامها،  و جيبوا لينا من هناك شركة سامسونغ الرائدة  في الصناعات الالكترونية الفائقة  و البرمجيات  العالية المستوى و الهواتف الذكية و الحواسيب و غيرها  ، إذا جاء المخزن بهذه المسائل كلها وزرعها في البلاد و نجحت إذاك ماكاين مشكل ، و الشي بالشي نزاهة و الشي بلا شي سفاهة ،كما يقول المثل المغربي ، ياك أسيدي
و الغريب في الأمر  أن قيم التسامح التي يؤمن بها المخزن و التي يعمل على نشرها لا تمر إلا بواسطة الرقص و تحريك (…) و هز الوسط لذلك يستدعي هولا ء كشاكيرا و بساي و غيرهم و قد يستدعي مستقبلا  الراقصة البرازيلية مالينسيا ميهلر فهذه أيضا لها شعبية في اليوتوب بأغنية « فاي … فاي  » و التسامح و التسافح والتلاقح و التساكن  كلها قيم تتحقق  مباشرة  بدون اعوجاج ولا ارتجاج   عندما تبدأ هذه الماكينة الراقصة  في الاشتغال .
في نظري المتواضع أن  سبب استماتته في خلق هذا المهرجان هو أن الأمر يتعلق بإعادة التوازن ( لاحظ اسم موازين) للشق الحداثي التغريبي من المجتمع ضدا على صحوة دينية تعم المغرب وخصوصا المدن الكبرى ،  فالمخزن قد أساءه  رجوع الناس إلى دينهم ، و علامة ذلك انك  حيثما وليت وجهك إلا و ترى رجالا ملتحون و نساءا محجبات في الشوارع والإدارات و المؤسسات و الشركات  ، و المساجد ممتلئة عن أخرها و تغص الشوارع بالمصلين أيام الجمعة حيث تتوقف حركة المرور هناك، نعم كاين هناك فساد أخلاقي  لا سبيل إلى إنكاره ، ولكن الجو العام يغلب  عليه التدين  وهذا ما يجعل المخزن يعمل بكل وسائله السياسية ( كالأحزاب و المنظمات و الجمعيات) و الفنية ( كالمهرجانات و المواسم و الاحتفالات )  للحد من التدين الذي يتجاوز المخزن في أهدافه و تصوراته  ،
والله متم نوره

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)