سعادة الفقراء

Abdellah-Damoun

الدامون عبد الله – damounus@yahoo.com

 الناس سعداء.. سعداء جدا، وهم عادة ما يغضبون حين يُذكّرهم أحد بأن الأشياء ليست على ما يرام وأننا، لو استمرت الحالة على ما هي عليه، سنجد أنفسنا يوما في قعر بئر.

عندما كانت المظاهرات تخرج في كثير من المدن المغربية في أيام حراك 20 فبراير، كان كثيرون يقفون على حافة الأرصفة وينظرون إلى المتظاهرين ثم يتساءلون: مالـْهم هادُو؟

هناك عاطلون وبؤساء كثيرون وجهوا الكثير من الشتائم إلى المتظاهرين المنادين بسقوط الفساد ووصفوهم بكونهم «شبْعو خبز».

الناس هم هكذا، ولدوا وتربوا على الخوف والقناعة الزائدة على اللزوم، وفي كثير من الأحيان يخلقون لأنفسهم أوهاما حتى يقتنعوا بأنهم بألف خير.

في أيام الصبا البعيدة، قرأنا في كتاب المطالعة تلك القصة العجيبة لرجل فقير كان يعيش في كوخ جنب قصر رجل غني. كان الرجل الفقير يعمل إسكافيا ويربح بضعة قروش في اليوم، بالكاد تكفيه للقمة العيش، وفي المساء يعود إلى كوخه سعيدا ونشطا فيتناول عوده ويبدأ في الغناء (لم يقل لنا المؤلف كيف استطاع الإسكافي المدقع شراء عود وأين تعلم العزف).

كان الجار الغني يستغرب سعادة جاره الفقير، وينزعج أيضا من غنائه الذي يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل. فكر الغني ثم قرر أن يُسكت جاره الفقير إلى الأبد، ليس عبر شكاية يرفعها إلى القايْد، بل إنه حمل صرة مال وقدمها هبة لجاره الفقير. منذ ذلك اليوم، توقف الإسكافي عن الغناء، فارتاح الغني من غنائه وضجيجه، غير أنه في أحد الأيام فوجئ الجار الغني بطرق على باب قصره، فوجد جاره الفقير يعيد إليه صرة المال وهو يقول له: خذ مالك يا سيدي.. فمنذ أخذته لم أعد أتذوق طعم الحياة، وصرت أقضي الليالي ساهرا خوفا عليه من اللصوص، وفقدت الرغبة في الغناء لأني أفكر طوال اليوم في ما يجب أن أفعله بهذا المال الذي قضى على سعادتي.

هكذا علمونا ونحن في المدارس الابتدائية، أن نقبل بالطبقية ونقتنع بأن الذين يستحقون الغنى هم الأغنياء.. وأنهم في كل الأحوال أشقياء ومساكين ويستحقون الشفقة. أما الفقراء فإنهم لا يُقدرون نعم الله حق قدرها وأنهم يرفلون في حلل السعادة والهناء. هكذا علمونا أن الغنى كاد يكون كفرا.

 مرة، كنت في سيارة أجرة، سائقـُها شاب متعلم، كان يسير الهويْنى قبل أن تفزعنا سيارة فارهة تسير مثل دبابة، بينما سائقها يتصرف مع الآخرين كأنهم حشرات.. يدخن ويتكلم في هاتفه النقال ولا يبالي بالخلق أجمعين.

غضب سائق الأجرة قليلا، لكن سرعان ما تمالك نفسه وأشفق لحال الغني المتهور، وقال إنه شقي ولا يستمتع بحياته، ثم عمم نظريته على كل الأغنياء الذين وصفهم بكونهم بؤساء ومرضى ولا يستمتعون بحياتهم.. ثم تنهد وأضاف: حتى أبناؤهم ينتحرون بلا سبب. سألته إن كان يملك دليلا على ما يقوله ففوجئ لأنه يسمع، لأول مرة، أحدا يطالبه بدليل على شقاء الأغنياء.

قلت له إني أعرف أغنياء يتاجرون في الحشيش والكوكايين بنوا قصورا وعمارات وأنشؤوا أسرا وعلموا أبناءهم في الخارج، فصاروا مهندسين وأطباء، وهم في أحسن حال. سألته كيف يكون الأغنياء أشقياء وهم يتوجهون إلى أفضل المصحات حين يمرضون ويزورون أجمل الأماكن حين يقنطون ويدرسون أبناءهم في أحسن المدارس والجامعات، بينما الفقراء يتزاحمون على أقسام المستعجلات في المستشفيات العمومية القذرة ويزورون أجمل الأماكن.. في الأحلام فقط، وتكتظ بهم «الطوبيسات» الوسخة كأنهم سردين معلب، ويتشاتمون في أي وقت وأي مكان لأنهم يفرغون حقدهم في بعضهم البع  ض، وأبناؤهم يغرقون في إدمان المخدرات، وكثيرا ما ينتهي بهم الإدمان إلى الانتحار وتخريب الأسر.

لم أنتبه لحظتئذ إلى أن امرأة مسنة كانت تجلس في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، كانت تنصت بإمعان دون أن تشارك، وحين همّت بالنزول فوجئْت بتلك المرأة وهي توجه إلي عبارة شكر بجملة واحدة: الله يعطيك الرّضى أولدي.. هذا هو الكلام..

ابتعدت وأنا أفكر في أمر السائق المتعلم وتلك المرأة المسنة التي لا أعرف ما إن كانت قد دخلت المدرسة أم لا. الوعي لم يكن يوما مرتبطا بالمدارس، فأغلب الفساد الكبير يمارسه كبار المتعلمين، بينما يكتفي صغار المتعلمين بتقليدهم بوسائل صغيرة.

وقبل أيام، توصلت برسالة من شخص غاضب قال إنني أكره هذه البلاد لأني أكتب كثيرا عن الفساد. هكذا حقق الفاسدون نصرهم النهائي بعدما جعلوا الناس يخلطون بين الفساد والبلاد. أما نحن الذين نريد نظافة هذا الوطن فصرنا مجرد خونة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)