هل يُلزَم السياسي باعتماد الخطاب الديني؟

baldwan_240710568

محمد بالدوان

 

أعاد لطاولة النقاش التوجيه التربوي الأخير، الذي وجهه الدكتور أحمد الريسوني لسياسيي الحركة الإسلامية، جدلية الديني والسياسي، وإشكالية الدولة الدينية والدولة المدنية.

وقد تفاعل بعض الصحفيين والمهتمين بهذا التنبيه بمقالات تعبر عن قلق وانشغال كبيرين لما يكتسيه الموضوع من أهمية بالغة وتداعيات مستقبلية.

لن تنحو مقالتي في اتجاه الرد على طرف دون آخر، بل ستحاول تعميق النقاش في موضوع يثير نزاعا قويا بين طرفين نقيضين، قد يؤول بهما وضع غياب حوار جاد إلى صراع طاحن.

وستناقش المقالة هذه النازلة من خلال تأطير نظري للموضوع، وتتبعه بإسقاط منهجي على النازلة وتفاعلاتها.

تأطير نظري

إن البنية الحديثة للمجتمعات لم تلغ من عناصرها المعطى الديني، حيث يفترض أن يسقط الأخير من هذه البنية الجديدة، والغريب أن ذلك لم يحدث، والتفسير المناسب لذلك يكمن في أن الدين لم ولن يتوقف عن أداء وظيفة ضرورية داخل المجتمعات البشرية.

وإذا ما استحضرنا التجربة العربية الإسلامية، فإنها تمتلك مقاربة تضع بشكل آلي فصلا منهجيا معقولا بين الدين والدنيا، ليس بخلفية عدم وصل الدين بالسياسة، وإنما بفلسفة إحاطة الدين بسياج من المعرفة المطلقة، وتعميم كل مساحته باليقين، باعتباره وحي إلهي، طالما كان يشغل مساحة ممكنة التحديد، وتكاليف متناهية الحصر. وتفسح أمام السياسة المجال للتداول والاجتهاد البشريين، وتغطي مساحتها بالتنافس الحر بين الأفكار والوجهات، سيما وأنها لا تعرف الثوابت، ولا تؤمن بالمطلق، والمثالي فيها لا يدرك سوى أقصى النتائج النسبية.

إن الفصل المنهجي بين الدين والسياسة يكون بالنظر إلى مصدر وخصوصية وطبيعة كل منهما، ويكون الوصل المنهجي بينهما بتدخل الدين، بأحكامه البينة المعدودة، في الشأن السياسي، وبتدخل السياسة بسلطتها وقوانينها في حماية الثابت الديني. ويمكن القول أيضا، من هذا المنظور، أن السياسة تحمي الدين في الثوابت كما في المتغيرات، أي في المباح الذي هو من صميم اختيارات الدين، ومن فضائل هباته.

والنتيجة الطبيعية لهذا المسلك، هي التشبث القوي بثوابت الدين تصورا وتعبدا، والتثبت من مواضع الإلزام في الدين حتى لا تُتجاوز، ومواضع المباح ليتم التفاعل في حماها بطلاقة وتحرر، بخاصة وأن مستجدات العصر لا حصر لها ولا تنتهي، والظفر باستحقاقاتها يحتاج إلى حسن التدبير وثاقب النظر.

وبالحرص على رسم حدود الدين، وإطلاق نشاط العقل، تكون هذه المقاربة قد حجمت سلطة الفقيه وألزمته اختصاصه، وفسحت المجال أمام مختلف النخب للتداول في الشأن السياسي.

ولا يجوز- حسب هذا التصور- التسوية، قياسا أو تشبيها أو إيحاء، بين مقام النبوة ومنصب الخلافة درءا لكل قداسة يمكن أن تقرن بشخص الحاكم.

وبذلك تنشأ علاقة واضحة ومتينة ومسؤولة بين أقطاب الرؤى المتباينة في مقاربة الدين، بين من يرى في الدين شأنا فرديا خاصا، وبين من يعتبره شأنا جماعيا وقيمة حضارية.

الإسقاط على النازلة

في ضوء ما سبق، هل يكون السياسي في المغرب ملزما بتأطير موقفه من كل القضايا بالخطاب الديني؟

احسب أنه غير ملزم بذلك بالنظر من عدة زوايا أهمها:

– إن الأغلبية الساحقة للمغاربة مسلمة، ولا تملك التجاسر على كل ما ثبت أنه دين بالإنكار أو التبديل أو التحريف، وخلاف ذلك يُطلب الحديث فيه بلغة العقل، حيث إن مجال السياسة الشاسع لا يطيق، بعد ذلك، الحديث بمنطق الدين بسبب مسحة القداسة التي يمكن أن يضفيها هذا المنطق على الاجتهاد السياسي.

– صحيح أن المرجعية الدستورية، التي تعتبر الإسلام دينا للدولة، ترفع الحرج عن السياسي لتسمية القضايا الدينية الصريحة بمسمياتها، غير أنها لا تتيح له ابتداع خطاب ديني في نوازل أحجم الدين نفسه عن الخوض فيها.

وعليه فإن كلام الدكتور أحمد، في هذا المقام، وجيه دينيا ودستوريا إذا كان الأمر يتعلق بالثوابت الدينية، أما إذا انزاح خطاب المرجعية إلى كافة مناحي الحياة السياسية، فسيكون ذلك بمثابة تأسيس صلب لقيام الدولة الدينية التي يحتكر فيها الفقهاء الحقل السياسي تنظيرا وتشريعا.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)