إنْ أنتـُم إلا في ضَلالٍ مُبين

Abdellah-Damoun

الدامون عبد الله – damounus@yahoo.com

 هل ما يجري، الآن، أمام عيوننا حقيقة أم خرافة أم نكتة أم دعابة؟

نحن نتابع، الآن، ما يمكن تسميته «نهاية السياسة»، بمعنى أن السياسة في المغرب، رغم أنها كانت دائما مجرد لعبة مفضوحة ومكشوفة، فإن ما يجري اليوم يدل على أنه حتى اللعبة المفضوحة انتهت، وبدأ زمن «التـّخرْبيق العظيم».

قبل سنتين فقط، توقعنا أشياء جميلة وجدية، توقعناها مرغمين مع أننا نعرف طبيعة هذه البلاد.. توقعنا أن يستفيق المسؤولون لكي يفتحوا عيونهم على الواقع الحقيقي في بلد صار رهينة في يد الفساد، وقلنا لعل وعسى الربيع العربي الدامي، الذي دق أبواب أغلب بلدان العرب، سيجعل هؤلاء الناس يستفيقون ويقررون أن مستقبل البلاد هو الأهم.

جاء الدستور الجديد ورحب به البعض وعابه آخرون، فتفاءلنا وقلنا إن الدساتير لا تصنع مصائر الشعوب، بل الشعوب هي التي تمطط أو تقلص صلاحيات دساتيرها حسب قوتها وجرأتها ووعيها، لذلك مهما كان الدستور عتيقا أو ثوريا فإن الناس يفرضون دستورهم الواقعي.

جاءت الانتخابات السابقة لأوانها فقلنا إن المغرب يتحرك، وإلا من كان يتوقع أن يتغير الدستور والبرلمان في رمشة عين؟ هكذا ذهب برلمان قديم وجاء برلمان جديد، ففركنا أيدينا فرحا وقلنا إن هؤلاء البرلمانيين الجدد من المؤكد أنهم لن يكونوا مجرد بيادق في رقعة «ضامة»، وأنهم بالتأكيد يعرفون وعورة الحاضر وخطر المستقبل.

بعد الانتخابات وتشكيل البرلمان حدث ما لم يتوقعه أحد، وهو أن حزبا إسلاميا كان على وشك الحل سنة 2003، بعد تفجيرات الدار البيضاء الدامية، هو الذي وصل إلى السلطة؛ وزعيمه، الذي كان يبدو مثل نسخة عصرية من سيدي عبد الرحمن المجذوب، هو الذي ترأس الحكومة، فقلنا سبحان من يحيي العظام وهي رميم.

رأينا كيف تشكلت الحكومة، فبدت لنا مثل ذلك الكائن الخرافي في الرسوم المتحركة.. حكومة برأس تنين وعيون فيل وجسد ديك وذيل أرنب، فقلنا لربما كانت إكراهات المرحلة تقتضي ذلك، وربما استيقظت أخيرا هذه الأحزاب التقليدية والرجعية المشاركة في حكومة «الربيع المغربي» من سباتها وعرفت أن مغاربة الأمس ليسوا هم مغاربة اليوم.

بعد ذلك، تتبعنا تلك الحكايات الصغيرة لرئيس حكومة يحاول الاستئناس بربطة عنق أو يحكي نكاتا هنا وهناك، فقلنا ما العيب في ذلك، إنه رجل قريب من الشعب، وكثيرا ما جلس على الأرصفة الباردة في المظاهرات والاعتصامات، وقد جرب بدوره مرارة الاعتقال وما يتلوها من إهانات، فكيف لا يعاني من تبعات الأيام الأولى للحكم؟

مرت الأيام سريعا وبدأت «حنّة» الحكومة الربيعية تظهر شيئا فشيئا، فطلعت علينا لائحة الفساد الأولى، وبها مئات الأشخاص الذين حصلوا على رخص نقل بوسائل مختلفة، فيهم المحتال وفيهم المقعد وفيهم النصاب وفيهم الغني وفيهم الفقير، فقلنا لا بأس بهذا، لأن اللوائح العظام لن تلبث أن تتوالى، ففركنا أيدينا مرة أخرى وتوعدنا الفاسدين الكبار بأن ساعتهم قد أزفت، وقلنا: أخيرا، سنحقق مراد «حقدنا الطبقي» الدفين.. صحيح أننا لن ننصب لهم المشانق، لكننا سنستعيد أرزاقنا من جوفهم.

نظرنا نحو التلفزيون فرأيناه لا زال ينضح بتفاهاته القديمة، وكل يوم يصير إثمه أكبر من نفعه، لذلك وضعنا كل أحلامنا في قفة وزير اتصال شاب، بدا وكأنه جني صغير خرج من مصباح سحري، وضع العسل في أفواهنا وقال إنه سيصلح الإعلام العمومي مهما كلفه ذلك من ثمن، ثم توعد بأنه سيستقيل لو اعترضه أحد، لذلك وضع دفتر تحملات ثوريا، فحمدنا الله لأننا وصلنا إلى الثورة بدون ثورة، ويا لها من ثورة.

مرت الأيام والأسابيع والشهور سريعا ونحن نمني النفس بأن قيام الساعة آت لا ريب فيه، ساعة نهاية الفساد، لذلك حين بدأ رئيس الحكومة -وهو، لمن لا يعرفه، رجل مكتنز وقصير القامة وطيب وحلو المعشر- يتحدث عن التماسيح والعفاريت، فقلنا خلاصْ.. لقد حدد الرجل هدفه، وقريبا سيبدأ في إطلاق الرصاص، ثم سيجهـِّز مدفعيته الثقيلة، فقرأنا على الفساد سورة ياسين، رغم أنه لا يستحق ولو سفـْرا من التوراة أو الإنجيل.

طال الزمان بنا ونحن نجلس على تلة هذا الوطن ونرى اللصوص لا يزالون يخرجون تباعا بثروات الوطن، وفي كل لحظة كنا نتوقع رجلا يصرخ فيهم «أيّتها العِيرُ إنّكـُم لسارِقـُونْ»، غير أننا سمعنا صوتا يأتينا من بعيد ويهمس في آذاننا «إنْ أنتـُم إلاّ في ضلالٍ مُبينْ».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)