علاقة ظاهرها الزواج وباطنها الجوسسة

يحكى في كواليس المجتمع الدبلوماسي الجزائري، أن رئيس دولة الغابون السابق الحاج عمر بانجو، تقدم لخطبة فتاة جزائرية، زميلة له في الدراسة بالمدرسة الوطنية للإدارة في العاصمة، غير أن فوارق العادات والتقاليد، جعلت أسرتها ترفضه. ولما كان إصرار بانجو كبيرا على الظفر بالفتاة شريكة لحياته، وعلى الرغم من موافقتها، كلف نفسه عناء القدوم إلى الجزائر في زيارة خاصة للرئيس الراحل هواري بومدين، طالبا منه التدخل لدى عائلة الفتاة التي رفضت الوساطة والفكرة من أصلها، ما تسبب فيما بعد في توتر في علاقات البلدين، استمر في حياة بانجو الذي توفي في جوان .2009

لما كان الزواج عقدا غليطا بين الرجل والمرأة، تسن الدول قوانين تحافظ بها على سلامة النسيج الاجتماعي من الاختلاط بسلالات أجنبية عنه، مثلما هو الحال لدى القبائل العربية والأمازيغية، حتى وإن عرفت بين فترة وأخرى استثناء لم يبلغ قط حد القلق أو الإزعاج.
في العام الماضي، أطلقت وزارة الخارجية جرس الإنذار المبكر عندما طلبت من مصالح وزارة الداخلية التدخل في ملف بقي لحد الآن رهين عوامل موضوعية، يتعلق بتفاقم ظاهرة الزواج من الأجانب والأجنبيات. وقد أسست “الخارجية“ قلقها على معاينات ميدانية سجلت من خلال زيارات قام بها كاتب الدولة لشؤون الجالية الجزائرية، لعدد من الدول العربية والأوروبية، أجمعت على “خطر داهم“ يحيط بنسيج وتركيبة المجتمع الجزائري على المدى المتوسط والبعيد.
تبدأ رحلة اختيار زوج أجنبي بتحايل وادعاء اعتناق الإسلام من أجل إتمام زواج لا يمثل له سوى محطة عابرة لممارسة الجنس أثناء وجوده مؤقتا في الجزائر، من باب المديرية الولائية للشؤون الدينية والأوقاف لتنتهي بمكتب الأجانب على مستوى الولاية، مرورا بوزارة الشؤون الدينية في العاصمة المخولة بموجب القانون بإصدار وثيقة حساسة للغاية تعرف باسم “شهادة اعتناق الإسلام“ التي تعتبر ورقة مصيرية في رحلة الزواج من أجنبي بالنسبة للمرأة الجزائرية المسلمة.
تفيد تحقيقات أمنية شملت قصصا واقعية لجزائريات تزوجن من أجانب غير مسلمين، بأن ظاهرة الزواج المختلط برزت مع قدوم الشركات الأجنبية إلى البلاد، وما رافق ذلك من استقدام للأيدي العاملة الأجنبية. وتشير هذه التحقيقات إلى أن السنوات العشر الأخيرة، شهدت زيادة في عدد الجزائريات اللواتي أقدمن على الزواج من أجانب غير مسلمين، خاصة من جنسيات لم يألفها المجتمع الجزائري مثل التايلانديين والصينيين ومن جنوب إفريقيا.
ومن الملاحظات التي تضمنتها خلاصة رفعت إلى الجهات المختصة في الحكومة حول ظاهرة الزواج المختلط، أن ما لا يقل عن 95 في المائة من هذا النوع من الزيجات ينتهي بالفشل،  وفي أفضل الأحوال والحالات بعد انتهاء مدة عقد عمل الأجنبي مع شركته مباشرة، إذ تضطر الزوجة الجزائرية لانتظار شهور بل وسنوات بالنسبة إلى بعض الحالات، للحصول على حق التجميع العائلي، ناهيك عن صعوبات يمرّ بها هذا الزواج لاختلاف المجتمعات والثقافات والعادات.  ولأن للزواج المختلط مضار وتداعيات على تماسك المجتمع، فإن الحاجة إلى اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على مستقبل الجزائر تظل ضرورية للغاية. وفي هذا الصدد، تنصح الدراسة بتقنين هذه الزيجات بما يضمن كرامة وحقوق المرأة الجزائرية.
ويتكون ملف استخراج شهادة اعتناق الإسلام من طلب خطي ونسخة من شهادة الميلاد وشهادة الجنسية الحالية وشهادة الحالة العائلية وشهادة الإقامة في الجزائر، إضافة إلى خمس صور شمسية حديثة وصورة طبق الأصل لجواز السفر، واستمارة المعلومات الخاصة بطلب شهادة اعتناق الإسلام تضعها مديرية التوجيه الديني والتعليم القرآني بوزارة الشؤون الدينية.
وترفق الوثائق أعلاه بشهادة إثبات الإسلام في حال استعمال الوثيقة للزواج من رجل أجنبي، حيث يطلب من المعني نسخة من شهادة ميلاد الزوج المسلم أصلا أو نسخة مصادق عليها من شهادة اعتناق الإسلام. ويتم إشهار الإسلام أمام المدير الولائي للشؤون الدينية، بحضور شاهدين اثنين يشهدان على نطقه بالشهادة وعلى تلقينه فرائض الإسلام الخمسة ويعلن أمام الجميع التزامهم بها.
القانون لا يمانع
القانون الجزائري لا يمنع زواج الجزائري من أجنبية ولا يمنع زواج الجزائرية من أجنبي، شرط اتباع إجراءات معينة. وفي هذا السياق، ينص القانون المدني بخصوص زواج الجزائريين والأجانب، في المادة 95 على “إن كل عقد خاص بالحالة المدنية للجزائريين والأجانب صادر في بلد أجنبي، يعتبر صحيحا إذا حرر طبق الأوضاع المألوفة في هذا البلد“.
ووفقا للمادة 97 من نفس القانون “فإن الزواج الذي يعقد في بلد أجنبي بين جزائريين أو بين جزائري وأجنبية، يعتبر صحيحا إذا تم حسب الأوضاع المألوفة في ذلك البلد، شريطة أن لا يخالف الزوج الجزائري الشروط الأساسية التي يتطلبها القانون الوطني لإمكان عقد الزواج. ويجري مثل ذلك بالنسبة لزواج عقد في بلد أجنبي بين جزائري وأجنبية وتم أمام الأعوان الدبلوماسيين المشرفين على دائرة قنصلية أو قناصل الجزائر طبقا للقوانين الجزائرية، غير أنه إذا كانت الزوجة أجنبية من غير جنسية البلد المضيف، فإن هذا الزواج لا تتم مراسمه إلا في البلد الذي سيحدد بموجب مرسوم.
من الناحية الاجتماعية، ينظر المختصون إلى مسألة الزواج المختلط بوصفه جزءا من التحولات التي عرفها المجتمع خلال العقدين الماضيين.. والجديد في الظاهرة هو اتساعها على نحو يعكس الحراك الاجتماعي الذي أفرزته العولمة لتظهر لنا حالات الزواج “عابرة الحدود“. ومع ارتفاع نسبة هذه الزيجات، اكتشف المجتمع الجزائري حالة لم تكن موجودة من قبل وشاهدوا تغير المعايير في اختيار الزوج لدى الأجيال الجديدة. وما يلفت الانتباه أن مقياس السكن والأرصدة البنكية، صارت توضع على قدم المساواة مع التدين والوسامة أو الجمال. وهو ما قاد إلى اختيار زوج أجنبي، قد يتحايل باعتناق الإسلام من أجل إتمام زواج لا تمثل له سوى محطة عابرة أثناء وجوده مؤقتا في الجزائر.
قصص مأساوية
وحسب مكتب للمحاماة في الجزائر العاصمة، تنحصر معظم الاستشارات القانونية المتعلقة بالقانون المدني الجزائري بضوابط الزواج المختلط والوثائق الرسمية المطلوبة لإنجازه. ولا تفرغ سجلات المحامين والمحاميات من طلبات الاستشارات القانونية، حيث نقرأ عن فتاة من العاصمة أوردت في استفسارها ما يلي: “أنا جزائرية أريد الزواج من أجنبي يحمل الجنسية البولونية، وأريد أن تتم إجراءات الزواج هنا في الجزائر لكن لا أعرف الأوراق والوثائق اللازمة“.
وهذه “ليلى“ في منتصف العشرينيات من عمرها، تقول: “زوج المستقبل هو سويدي، الآن نحن متزوجين شرعيا (يعني بالفاتحة)، لكن ما أريد معرفته هو الإجراءات اللازمة، ذهبت من قبل إلى الولاية وطلبوا مني بعض الوثائق وأخبروني أنه بعد إيداع ملف الزواج عندهم، هناك تحقيق على مستوى الشرطة للتحقق من هوية الزوج الأجنبي وديانته وسجله القضائي، كما أريد معرفة مدة التحقيق وهل يأخذ وقتا طويلا“.
ومن القصص الإنسانية الواقعية، حالة الجزائري “علي“ المقيم في إيطالية. فقد هاجر علي إلى ايطاليا وتزوج من إيطالية مسيحية وأنجب منها ولدا ثم تجنس بجنسية إيطالية. وإثر خلاف بينهما قررا الفراق دون طلاق، ليعود إلى الجزائر ويتزوج بجزائرية في 2004، وأنجبت له ولدا. وبعد وفاة “علي“ جاءت زوجته الإيطالية إلى الجزائر، تطالب بحصتها في الميراث المتمثل في عقار زراعي وعشرة ملايين دينار كان أودعها في البنك لها ولولدها لوحدهما، مدعية أن الزواج الثاني باطل طبقا للقانون الإيطالي، ومن ثم فولده من الزوجة الثانية غير شرعي وليس له الحق في الميراث!
قصص من الغربة
صارت الإمارات العربية المتحدة ملتقى تزاوج الحضارات والبلدان على اختلاف مشاربها، حيث تجمع هذه الدولة أكثر من 202 جنسية. وبحكم هذه التركيبة نتجت علاقات إنسانية كثيرة أدت إلى زواج وإنشاء أسر مستقرة نسبيا فرضها نمط المعيشة.
سمية.. سقطت في فخ صديقتها اللبنانية
التقت سمية برؤوف التونسي عن طريق إحدى صديقاتها اللبنانيات، التي عرضت عليها أمر الارتباط به، بعد أن كلفها بالبحث عن فتاة لذات الغرض، فلم تتردد سمية في القبول به خاصة لما رأته مكتمل الأوصاف ومقتدراً مادياً، فنست بذلك الحبيب المصري الذي منته بالزواج ونسته في لمح البصر، رغم محاولاته اليائسة لاسترجاعها. وقد سبق لسمية أن تركت حبيبها الجزائري أيضا، لغرض السفر وتحسين الوضع. وقد صادف أن لمحت المظاهر البراقة التي تميز مدينة دبي والتي جعلتها لا تفكر في غير العيش الكريم وجمع النقود فنسته هو الآخر وتم زواجها بالتونسي بسرعة البرق، لتكتشف أن رؤوف شخص عصبي ومتحكم لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، وهذا راجع لفارق السن بينهما، فبالرغم من أنه لا يضيع لها حقا من حقوقها رغم تذمراته المتواصلة التي جعلتها تغض الطرف حفاظا على حبها وبيتها، حيث تحاول حاليا هي وزوجها الإنجاب بعد أن مرّ على زواجهما الكثير دون تحقق هذا الحلم.
سعيد.. متدين اختار تونسية لمنصبها
تحصل سعيد الجزائري على فرصة للعمل بالإمارات في مجال الدعوة والتبليغ وإكمال تخصصه في الفقه، هنالك تعرف على سيدة تونسية عن طريق صديق له وكانت مهمتها آنذاك البحث عن زوجة شابة له، وهو الذي يمني نفسه بالزواج بفتاة صغيرة وجميلة ولكنه لم يكن يتوقع أنه سيتزوج هذه السيدة التي جاوزت الـ42 سنة، أغرته مواصفاتها وما تحمله من شهادة وعملها في مكان مرموق وراتب خيالي وبيت وسيارة، ما جعلها تخطب وده لكي يعفها وتمنحه هي كل ما تملك وقبل سعيد بالعرض وهما يعيشان في سعادة وهناء، بالرغم من تقييد هذه الزوجة لكل تحركاته ومن بينها عدم سماحها له بزيارة أهله، حيث تريدها إلى جانبه في كل وقت وهي مازالت تعترف أنها اشترت رجلا بمالها، وهو بحكم وجوده في بلد الغربة وعدم تمكنه من ذلك، فقد حمد الله على هذه النعمة لأنه يردد لها دوما لولاها لما استطاع التزوج بالجزائر لأنه على حد قوله لا يملك شيئاً (هناك جزائريات يملكن أيضا ما تملكه هذه التونسية) وقد رزقهما الله ببنت جميلة.
وردة.. ترتيبها الثالثة من أجل حياة آمنة
قبلت وردة بالزواج بمواطن إماراتي كزوجة ثالثة فقط لكي تضمن لنفسها مكانا آمنا تعيش فيه، بعد أن فتحت عينيها على حياة من دون أب ولا بيت عائلي مستقر، حيث لا تملك في هذه الدنيا غير أمها التي ساندتها في أحلك الظروف. وبالرغم من علمها بوضعه المادي المضطرب، لكن وردة اتبعت قلبها الذي لمن يكن يهوى سواه وتحملت غيابه عنها كل ليلة بحكم وقوع هذا الزواج في السر. وبالرغم من أنهما رزقا بولد صغير غير أنها لا تزال تحتاج لاهتمام تتلقاه ضراتها وأولادهن ولكنها تعترف أنها على الأقل ستعيش في كنف ابنها بعد أن يكبر، لأن الدنيا علمتها أن الجدار الآمن قادر على صد هجمات الزمان التي ضغطت عليها للزواج بهذه الطريقة والتفريط في أغلب حقوقها. ومن أجل ذلك استثمرت مهرها في شراء بيت في الجزائر، تعود إليه متى انقطعت بها السبل.
سعاد هربت من زوجها الجزائري
تزوجت سعاد الجزائرية بعماد المصري بدافع الحب، هربا من زوجها الجزائري الذي لم يتحمل تفتحها، في اعتقاد منها أن كل الجزائريين سيئون، وهو انطباع يقع على كل من ينخدع في شخص من جنسية ما، لكن سعاد كانت الزوجة الثانية له وقبلت بهذا الشرط، ولكنها حاليا تعاني من الغيرة التي أعمت قلبها وتطالبه بتطليقها بعد أن رضيت بالعيش بعيدة عنه، تحاول أن تبتزه بالبعد عنها لكي يتخلص من أم أبنائه المصرية التي تقول إنها ليست جميلة مثلها!! وهو يسايرها خوفا من خسران أبنائه.

الشيخ جلول قسول لـ“الخبر“: نطالب بتقنين الزواج المختلط

يقول الشيخ قسول جلول، إمام ورئيس مكتب النشاط المسجدي بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، في تصريح لـ“الخبر“، إن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في أعداد الجزائريات اللاتي تزوجن من أجانب، خاصة من جنسيات لم يألفها المجتمع الجزائري مثل تايلاند والصين وجنوب إفريقيا. ويرى المسؤول بأن الظاهرة ارتبطت بقدوم الشركات الأجنبية إلى الجزائر، معيبا على الاختيارات التي لمسها بنفسه في عدد من الزيجات المختلطة، حيث يصفها بأنها انطلقت من نظرة حالمة لا تستند إلى الواقع. واستعرض الشيخ جلول صعوبات ذلك الزواج نظرا لاختلاف المجتمعات والثقافات والعادات، مقدرا نسبة فشلها بما لا يقل عن 95 في المائة. واستدل على ذلك بمثال لم تراع في حالته تفاوت البيئات، حيث تزوجت فتاة جزائرية من رجل صيني وفوجئت به يذبح قطتها ويأكلها أثناء غيابها عن البيت لأن لحم القطة يؤكل عند الصينيين. وشدد على ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على مستقبل الجزائر مع ارتفاع عدد الزيجات المختلطة، التي قد تصيب هوية المجتمع بالخلل على المدى البعيد. وطالب الشيخ قسول جلول بوضع قانون ينظم الزواج من الأجانب والأجنبيات، لضمان كرامة وحقوق المرأة وتماسك المجتمع الجزائري، واستقرار البلاد على المدى البعيد.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)