صادق في المدرسة

w

صغير سعيد

“غنمي غنمي ما أجملها …في موقفها تحت الشجر” يغني صادق في طريقه إلى المدرسة البعيدة. جو ربعي دافئ وشمس ترسل أشعتها الذهبية على حقول الشعير والقمح و أزهار مختلف ألوانها، لتخط عل أديم الأرض لوحة زاهية. فراشات ترفرف هنا وهناك، وطنين النحل يمتزج مع زقزقة الطيور عازفا سيمفونية إلهية. بقايا الندى على العشب الأخضر يبلل الحذاء المطاطي في رجلي صادق، قطرات تتسرب إلى داخل الحذاء، تجعل الرجل تنزلق داخله ليتسرب نغما، يسير صادق على إيقاعه. رائحته ألفها صادق ويستنشقها يوميا من تحت الطاولة في حجرة المدرسة مع دروس الفرنسية الملعونة.

جلس صادق في مكانه المألوف في آخر الصف يمينا عند نافذة تطل على أشجار الخروب وأكوام من تبن أصفر. أسراب من الطيور تحط من حين لآخر فوق التبن في أمل العثور على بقايا من بذور. من بعيد تنقنق دجاجة معلنة عن وضع بيضة في مكان خفي بين نبات الصبار. صادق يحلو له البحث عن البيض الذي يخفيه الدجاج. صمت رهيب عم الحجرة، كسرته طقطقة حذاء المعلم. عاد صادق بنظره إلى الواقع المر، أذناه ما زالت مع نهيق حمار خارج المدرسة يعزف نغمة الحرية. وقف التلاميذ في صمت تحية للمعلم. ” كراسة التمارين” صاح المعلم. ضوضاء فتح المحافظ وإخراج الدفاتر والأقلام عم الحجرة لوهلة من الزمان. ” من لطخ الكراسة يا حمار؟” قال المعلم وهو يحط بعصاه على رأس صادق. أجابه: ” أمي……” ” أمك تهيأ التمارين؟؟؟” “لا هيأت الفطور بالبيض وزيت الزيتون، وهذا ما تراه “

ألقى المعلم نظرة داخل محفظة صادق، ليكتشف داخله برتقالة كبيرة تنبعث منها رائحة طيبة. أخرجها وهو يقول: ” يجب عليك أن تتغذى مع رفاقك” استاء صادق لفقدان البرتقالة الشهية، متذكرا أنها أول مرة تمنحه أمه برتقالة كبيرة كاملة لوحده، بعدما تعود على اقتسامها مع أختيه. لم يبقى في المحفظة إلا خبز الشعير وشاي بارد داخل زجاجة. تحت ظل شجرة الزبوج القريبة من المدرسة، جلس صادق مع رفاقه لتناول وجبة الغذاء. طالب رفاقه الثلاثة بمشاركتهم في أكلهم كما نصح له المعلم. ضحك الرفاق قائلين: ” اذهب وتغذى مع المعلم” انتقم صادق من ظلم المعلم واستهزاء رفاقه بوضع حشرات خبيثة في أكل الرفاق مفسدا شهية الجميع، ثم رجع يقضم من خبز الشعير يبلله بقطرات من الشاي البارد.

عند الغروب سار صادق في الطريق الطويل مع رفاقه، هو آخر من يصل إلى المنزل بعد أن يودع رفاقه الذين يقطنون غير بعيد عن الطريق. الظلام الأسود ينزل كلما زادت الشمس في الغروب. جمال الشفق الأحمر الساحر في جهة الغرب تجعل صادق أكثر شوقا للقاء أمه العزيزة. شيء من الخوف من ” للا ثامزة” و من الجنون عند الماء و أمام المزبلة و الذئب الذي “يعوي في وادينا” والضبع الذي يكسر عظام الأطفال. يسرع الخطى قبل أن يرتمي في حضن أمه التي تنتظره عند البركة خوفا من تصرعه الجنون.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)