الغرافيتي في بيروت

الغرافيتي في بيروت.. بين جدران الحرب والثورات الممنوعة

 

 

 

 

 

مشاكسون، متمردون، متهكمون

، أو ثائرون.. هكذا يصف الشباب، هواة الغرافيتي في بيروت، أنفسهم. يملئون الجدران برسومات وكتابات تحاكي روح الناس وهمومهم وأمزجتهم اليومية. رغم اعتقاد البعض أنهم يشوهون بيوتهم فقط

 

بين هذا وذاك، يعبُرُ هواة الغرافيتي من الحيّز الخاص نحو العام بنبض اعتراضي، غايتهم إيصال رسالة للتنفيس عما في داخلهم والتعبير عن آرائهم، وفي حالات أخرى يستخدمون ألوانهم لتجميل „حائط“ مشوّه من زمن الحرب الأهلية اللبنانية.

يصفون فن الشارع التشكيلي بأنه „وسيلة لإعلان موقفٍ أو مساحة تعبير حرة، أو فرصة للثورة على القهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي“، فتعرّف المدينة عن هويتها الحقيقية بالرسوم والكتابات الهازئة الحرة في مقاربتها للأمور.

الغرافيتي في بيروت أنواع وله أسماء ولائحة مصطلحات، لكن يمكن التفريق بين نوعين أساسيين هما: (Free Style)، أي الرسوم الفنية التي تُصمّم على الورق وتُنفّل لاحقاً على الحائط. و(الستنسل) أي „الطبعات“ التي تـُرَشّ باستخدام ورق مقوّى ومفرَّغ، وهي أسهل أنواع الـ“غرافيتي“ وأبسطها.

وهناك نوع ثالث انتشر أثناء الحرب الأهلية اللبنانية وهو „الخربشات“ على الجدران، على حد وصف هواة الغرافيتي. إذ كانت الجدران القديمة مليئة بشعارات الأحزاب السياسية والطائفية التي تدل الناس إلى أماكن القوى المسيطرة على الأرض مثل „الشرقية قوية، الشرقية قوات“ و“الحكم لحزب الله لا للماروني“. وشعارات فردية مثل „أبو الرعب مر من هنا“.

تلك „الخربشات“ لا تجذب هواة الغرافيتي هذه الأيام، فهم لا يتماهون معها، لأن „الغرافيتي“ برأيهم فن راق ومتقن وهو عبارة عن كلمات ملونة ورسائل نقدية وشخصيات مدروسة بتقنيات مهنية.

خربشات الحرب وغرافيتي السلم رسم غرافيتي لكلمة: مدينتنا رامي المعلم شاب عشريني من أبرز هواة الغرافيتي في لبنان، أغرته فكرة الرسم على الجدران، وبدأ بذلك منذ أربع سنوات، بعدما انتشرت ظاهرة „الهيب هوب“ الذي حمل ثقافة جديدة في الرسم والموسيقى والرقص. لم يمتلك „الهاوي المتميز“، كما يصفه المعجبون به، الجرأة للرسم على الجدران قبل هذا التاريخ، بسبب الخوف من رفض المجتمع لهذا الفن الذي لم يعتده من قبل، إضافة إلى الحالة السياسية والأمنية التي كانت سائدة آنذاك.

„بيروت ما بتموت“ هذا هو الشعار الأبرز لرامي خلال فترة التفجيرات والاغتيالات، التي هزت المدينة بعد عام 2005، تبعه شعار „شعب نعسان“ بسبب عجز اللبنانيين عن وقف آلة القتل المرعبة. „بدنا بلد“ و“أجمل بلد بلاهن“، رسائل أخرى أراد منها أن تحمل الكثير من التأويلات لكل من يقرأها كي يجد كل قارئ تفسيراً يتناسب مع مزاجه. أما في مرحلة الانتخابات النيابية عام 2009 فكتب رامي: „بلد كراسي“ مرفقاً العبارة برسم لكرسي عملاق وشخص صغير يجلس عليه.

هذا الموقف يختلف معه سامر، وإن كان لا يعتبر نفسه قريباً من عائلة الغرافيتي، فما يكتبه على الجدران لا يتعدى بضع كلمات تمثل „فشّة خلق“ تهدف إلى تأييد فريق 14 آذار وتعارض فريق 8 آذار. فكتب „ماتوا ليحيا لبنان“ نسبة إلى الشهداء الذين سقطوا بعد العام 2005، فملأت كتاباته الجدران في شارع مونو قرب وسط بيروت نزولاً إلى ساحة الشهداء. غرافيتي يصوّر الصحفي والأستاذ الجامعي سمير قصير الذي اغتيل في عام 2005 وطبعا كتب آخرون شعارات مناهضة لفريق 14 آذار امتلأت بها الجدران في منطقة الخندق الغميق والضاحية مثل „الله سوريا والضاحية كلها“.

بدل السباب والشتائم يغطون الجدران بأفكار عابرة لكل المجتمع، والغرافيتي بالنسبة إليهم „لوحة كبيرة تتيح لكل الناس النظر إليها مجاناً“. من هذا المنطلق بدأ راوول ملاط فن الغرافيتي منذ 4 سنوات يوم كان عمره 13 عاماً. اتبع راوول أسلوب „الستنسل“ في البداية، ثم ما لبث أن طور عمله إلى أسلوب خاص يتمثل بأحرف كبيرة وألوان متعددة.

ينتمي رامي وراوول إلى أعضاء فريق „REK“ أو ”رد آي كاميكازي“ ويفسرونها بمعنى „الجيش الذي يعمل في الليل“ بسبب طابع السرية الذي يطغى على عملهم عندما يريدون إيصال رسائل جارحة للمجتمع. وتتخصص المجموعة برسم الشخصيات الملونة والأحرف اللاتينية.

هواة .. ومحترفون

رسم للترجمة العربية لكلمة غرافيتي: فن شارع من جهته يتخصص رامي برسم العبارات ذات الأحرف العربية لأنها برأيه „توصِل الرسالة أسرع“ ويضعها في إطار تشكيلي جمالي، فيما راوول يهتم بالوجه الجمالي البحت في الغرافيتي، أي جمالية الأحرف والألوان والشخصيات، عوضاً عن الرسالة التي لا تدخل عادة في صلب فنه.

وللهاويان رأيان مختلفان في هذا الشأن، فيقول رامي: „هذه ليست لعبة بل سلاح نستخدمه لتجميل الجدران من أثر الحرب بدلا من الترميم، وإيصال رسالة نقدية للشباب والمجتمع“، مضيفا ً“الغرافيتي يجب أن يؤذيَ لكي يغير في الوضع القائم“، في إشارة إلى حدة الشعارات التي يكتبها.

أما راوول فله هدف آخر من الغرافيتي يتمثل بالتعبير بالألوان وليس بالشعارات عن مزاجه الشخصي وحزنه أو غضبه. فيتذكر كيف أحب التصوير في وقت مضى، فملأ جدران منطقتي الجميزة والحمرا برسومات لرجل يحمل كاميرا تصوير. بعد ذلك تأثر مزاجه الشخصي بالهجرة، فاتسمت رسومه بفكرة واحدة „خلّيك، عنّا كلّ شيء – Leaving Beirut“ وفي الصورة رجل يحمل حقيبة سفر وغيتارا ويهم بالرحيل عن لبنان.

الأمكنة البارزة تعتبر أساساً لرسم الغرافيتي، فالجدار المناسب هو ذلك الذي يمر من أمامه أكبر عدد ممكن من العابرين أي „الرئيس والوزير والشحاذ والإنسان العادي“ كما يقول رامي. يرسمون في الليل بدلاً من النهار. فالشوارع هادئة وتغيب عنها رقابة القوى الأمنية، التي تواجههم بعبارات من نوع „هذا الجدار ليس لكم“ فيضطرون إلى التوقف. وفي أحيان أخرى ينجحون في معاندة القوى الأمنية بإجابة يرونها محقة „الجدران مُلكٌ عام ولكل شخص حق الاستفادة منها“.

 

الغرافيتي والثورات العربية

 

خط أحمر بالعربية وآخر يحب مايا بالأحرف اللاتينية حماسة الناس للغرافيتي متفاوتة: فالغرافيتي على حد قول رامي وراوول „طرح جدلاً وانتقاداً في بعض الأحيان و توافقاً في أحيان أخرى“. وتحول الفن الذي بدأ هواية إلى „احتراف“. „فالغرافيتي أصبح مهنتنا بفضل تشجيع الناس واستخدامنا لتزيين بيوتهم وشركاتهم“ يقول الشابان مسرورين بنجاحهما.

أما توقيعات الشباب على رسوماتهم وكتاباتهم فهي لا تبرز اسمهم الأصلي. رامي يلقب بـ „المعلم“ وراوول بـ „كبريت“ لأن الاسم الحقيقي يضعهما في خانة فئة دون أخرى، خاصة وأن أكثر الأسماء في لبنان يطغى عليها الطابع الطائفي. ويؤكدان أن التواقيع غير الحقيقية تكسر الحاجز مع الناس.

في الفترة الأخيرة، توقف الشبان عن الغرافيتي السياسي لأن „العالم ملّت من السياسة“ حسب قولهما. فاتجها وزملاؤهما إلى الرسوم الجمالية التي لا تتضمن رسائل سياسية. رامي المتشائم من وضع البلد يؤكد على العودة لاحقاً إلى الكتابة السياسية بسبب الظروف السيئة التي تحيط بلبنان.

لا يتعدى عدد هواة الغرافيتي في لبنان الثلاثون شاباً، وأعمارهم تتراوح بين 15 و30 عاماً، وتجمعهم روح واحدة تتجلى بـ“قنينة السبراي“. ويفضل هواة هذا الفن البقاء بلا قانون أو نقابة، „فالقانون يؤدي إلى قتل الغرافيتي“ ومطلبهم الأهم هو اهتمام البلديات أكثر بالغرافيتي، واستخدامها لتزيين الجدران بدلاً من ترميمها .

لم يتأثر فن الغرافيتي في بيروت بالثورات في البلدان العربية. ويعتبر رامي أن الخلاف السياسي اللبناني لا يحتمل اتخاذ موقف من الانقسامات العربية „في الوقت الذي يتأرجح فيه بلدنا على كف عفريت“، ويضيف „لم نتجرأ على ربط الغرافيتي بالثورات العربية لأن الشعب اللبناني منقسم على تأييد هذه الثورات“. هذه الأسباب لم تحجب سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة لهواة الغرافيتي „هل هناك من يحمينا في حال تطرقنا إلى موضوع الثورات العربية في ظل هذا الانقسام؟“. سؤال يضعوه برسم من يَرَوْا أن الألوان والرسومات خطر يداهم سلامتهم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)