واقع يصيب بالجنون

damon

عبد الله الدامون

قبل بضعة أيام، قام وزير الصحة بزيارة مفاجئة، أو شبه مفاجئة، لمستشفى محمد الخامس في طنجة، فلم يجد شيئا على الإطلاق، أي أنه لولا الجدران واللوحة الكبيرة المثبتة في أعلى البوابة والتي تدل على طبيعة المكان لما صدق الوزير أنه في مستشفى.

فتش وزير الصحة عن طبيب العمليات فلم يجده، وفتش عن طبيب التخدير فلم يجده، وفتش عن أشياء أخرى فلم يجدها؛ وعندما سأل عما يجري قالوا له إن الطبيبين الرئيسيين، من الذين يتوجب أن يوجدا في المستشفى ساعتها، كانا يقومان في تلك اللحظة بعملية جراحية في عيادة خاصة؛ وعندما تم البحث في التفاصيل اكتـُشف أن الطبيبين اصطادا زبونا من داخل المستشفى العمومي وأقنعاه بضرورة إجراء عملية في مستشفى خاص، وتم التفاوض على الثمن، وانتهى الأمر.

هذا مثال واحد لما يجري في مستشفيات عمومية كثيرة في المغرب، بل إن كل المستشفيات العمومية في البلاد، تقريبا، صارت رديفة للفضائح والعار، إلى درجة أنه لو صدرت جريدة وطنية يومية خاصة بفضائح المستشفيات العمومية والخاصة لما كفتها صفحاتها العشرون لذلك.

في كثير من الأحيان، يشتكي الأطباء من قلة الإمكانيات في المستشفيات العمومية، وعندما تحضر الإمكانيات يشتكي المرضى من غياب الأطباء، وحين يحضر الأطباء والإمكانيات تتم الشكوى من الحالة المتردية للمستشفيات. والحل في هذه الحالة يكون هو التوجه نحو العيادات الخاصة؛ وكثير جدا من هذه العيادات صار أغلى من فنادق الخمسة نجوم، لأنه إذا أردت أن تنام في فندق مصنف ونظيف فلن تحتاج إلى أكثر من ألف درهم، أما إذا أردت أن تنام في غرفة واحدة مع قريبك المريض لكي تعتني به وتؤنس وحدته فستحتاج إلى سعر يفوق سعر النوم في فندق عالمي.

هكذا صار جحيم المستشفيات يحيط بالمغاربة من كل جانب.. مستشفيات عمومية تشبه الكابوس، بل هي أكثر من الكابوس بكثير، لأنه نادرا ما تحلم امرأة حامل بأنها ستلد فوق الإسفلت البارد، لكنها تفعل ذلك حقيقة في المستشفيات العمومية؛ ومن جانب آخر، هناك المستشفيات الخصوصية التي لم يعد المغاربة يفرقون بين ما يجري فيها وما يجري في الضيعات، والفارق الوحيد هو أن أصحاب الضيعات يحلبون الأبقار، وهذا شيء طبيعي جدا، أما أصحاب المستشفيات الخصوصية فيحلبون المرضى، وهذا شيء غير طبيعي بالمرة.

هناك شيء أكيد يجب التنبيه إليه، وهو أن التعميم المطلق غير ممكن، فهناك عيادات خصوصية تحترم نفسها ومرضاها، وهناك أطباء حقيقيون يرحمون من في الأرض فيرحمهم من في السماء؛ لكن المشكلة الكبرى هي أن الحالات الإيجابية صارت نادرة جدا جدا.. أندر من بيضة الديك، وهي فقط موجودة لكي تثبت القاعدة، والقاعدة هي أن قطاع الطب في هذه البلاد صار نكبة حقيقية.

 هناك أطباء يعودون إلى منازلهم كل يوم وفي جيوبهم مبالغ لا تقل عن عشرة آلاف درهم، وهم يكسبونها بكل الوسائل، وهؤلاء يطمحون إلى تكوين سريع للثروة وبناء فيلات وشراء سيارات لهم ولزوجاتهم وأبنائهم؛ وهناك أطباء يمارسون الطب الحقيقي، لكنهم يعيشون مستورين فقط، غير أنهم «مرتاحون مع الله ومع ضمائرهم».

في كثير من المستشفيات العمومية، يقوم أطباء أو ممرضون بتعطيل أجهزة السكانير فيبقى كذلك لأسابيع أو أشهر طويلة، وفي كل مرة يتم إصلاحها تتعطل من جديد، والرابح من ذلك هو المستشفيات الخصوصية التي تربح أكثر كلما تدهورت خدمات المستشفيات العمومية، إلى درجة أن شخصا يربح 3 آلاف درهم في الشهر، عندما يمرض هو أو أحد أفراد أسرته، يتوجه رأسا نحو مستشفى خاص، لأنه لم يبق ما يسرُّ في «مستشفيات الدولة».

قبل بضعة أشهر، كان هناك مشروع قانون يقضي بتحرير قطاع الطب أمام العموم، أي أن العيادات الخصوصية يمكن فتحها من طرف مستثمرين خواص حتى لو لم يكونوا أطباء، لكن ضجة كبيرة ثارت، واعتبر الأطباء أن ذلك سيكون اعتداء على مهنتهم، فصار القانون كسيحا يراوح مكانه، مع أنه لو تم تطبيقه لربح المغاربة الكثير في هذا القطاع. والأكيد أن تحرير هذا القطاع لن يكون سيئا، لأن السوء موجود أصلا.

جحيم المغاربة مع قطاع الصحة لا يبدأ وينتهي فقط مع المستشفيات العمومية والخاصة، بل يسير إلى ما هو أبعد، لأن أسعار الأدوية في المغرب أغلى بعشرات المرات من أدوية البلدان المتقدمة، لذلك نرى المغاربة يستوردون أطنانا من الأدوية من سبتة ومن الجزائر، دون أن نعرف لماذا يجب أن تكون الأدوية رخيصة في الجزائر وسبتة وغالية في المغرب، والمصيبة أن الكثير منها فاسد، ثم عندما يتم بذل محاولات لخفض أسعارها، يرتفع عويل وصراخ لوبي الدواء.

إنه واقع مُحيّر فعلا… بل يصيب بالجنون.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)