خواطر حول شهر القرآن والصيام

رمضان شهر النّفحات الربّانية والنسمات الإيمانية والخصائص الاجتماعية والمآثر التاريخية، فهو شهر ذكرى نزول القرآن {شهرُ رمضانَ الّذي أُنزِل فيه القرآن}، وفرض الصيام {فمَن شَهِد منكُم الشّهر فليصمه}، وهو شهر الروح والزاد والاستعداد {وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التّقوى}، وهو شهر الرّحمة والمغفرة والعتق من النّار. انظر إلى تلك الروح المتألقة الشفافة التي كان صلّى الله عليه وسلّم يستقبل بها رمضان، فكان إذا أقبل رمضان قال “مرحباً بالمطهّر“. والصيام عبادة محقورة بل منكورة في أجواء الحضارة المادية الرّاهنة، والتي أفلحت في بعثرة الشّهوات وجرجرة الجماهير إلى مواقعتها، والعب من مستنقعاتها بشكل غريب، ومن ثمّة فهي تكره برنامجاً يقيّد هذه الشّهوات ولو إلى حين، ويلزم الجسد المدلّل مسلكاً أرشد وسيرة أزكى، وسبيلاً أهدى. إنّ الصيام عبادة مضادة لتيار الحياة، فالمذاهب والفلسفات الغالبة اليوم تعرف الأرض ولا تمد بصرها إلى السّماء، تؤمن بجديد ولذيذ اللحظة، وما وراء ذلكم صفر، على نحو ما قيل:
إنّما الدنيا طعام وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السّلام
والإسلام لا يطلب من البشر إلاّ ضبط الشّهوات، وليس مصادراً ولا مصادماً، فالصّوم ليس معركة مُبهمة ضدّ الجسد، ولكنّه خطة محكمة واضحة المعالم لتزكية القلب، وتعزيز الإيمان وتأديب النّفس “لكلّ شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام“ أخرجه ابن ماجه. إنّ رمضان دورة تكوينية لتدريب النّاس على معالي الأمور، وتربية الإرادة وجهاد النّفس والصبر على العادة والمألوف، ومن هنا فرمضان مدرسة للعِلم وندوة للأدب ومصدر للتّوجيه المادي والأدبي ومركز للإشعاع الروحي وميدان للتّنافس والتّسابق إلى فعل الخير {أولئك يُسارِعون في الخيرات وهُم لها سابقون“، وفضاء يُساس فيه النّاس إلى الإيمان والاستقامة والالتزام بطريق الوعظ والرِّفق ومجالس التّذكير والتّلقي لمعاني الإسلام وألوان الإحسان. وفلسفة الصيام تقوم على المُصالحة بين الجسد والروح في إطار من العدل والموازنة، والحديث عن الخصومة بينهما لغو ولغط، ولعلّه من رواسب ومخلفات التّدين الفاسد عبر التاريخ البشري، وجد له في كنف حضارة اليوم قوة وصدى.
الواقع أنّ هذه الحضارة لا ترتبط بالله ولا تعترف له في الحياة بحق، فهي حضارة عديمة الإيمان، هزيلة الفكر، نحيفة الخلق، نحيلة الشّخصية، مفلسة الروح. والعقلاء من النّاس ينبغي أن يسعدوا برمضان، ويهنأوا بصيامه وقيامه ويستريحوا إلى أجوائه وينيخوا الرواحل بساحاته.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته
أتطلب الرِّبح ممّا فيه خسران
أقبل على النّفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان
* إمام مدرس بولاية فالمة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)