أخيرا.. انتصر الجيش المصري „العظيم“..!!

108

 المختار أعويدي/زايوبريس

      لعل كل من قرأ تاريخ الجيش المصري الحديث بتجرد منذ سنة 1952، أي منذ „ثورة“ الضباط „الأحرار“. أو بتعبير أصح، منذ إنقلاب العسكر على الملك فاروق، واقتحامه مجال السياسة، وانصرافه عن حماية البلاد إلى التحكم في رقاب العباد. وتصريف قادته الدكتاتوريين الذين ابتليت بهم أرض الكنانة للشعارات الجوفاء المضللة. لتبرير إمساكهم بالسلطة بالنواجد والأسنان. أي  منذ عهد محمد نجيب، وصولا إلى عبد الفتاح السيسي، مرورا بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. إن كل من قرأ هذا التاريخ، سيخلص إلى خلاصة مفادها أن تاريخ هذا الجيش، إنما هو تاريخ هزائم وانتكاسات أمام الأعداء، وتسلط  وتجبر على الشعب.

      فقد راكم طيلة هذا المشوار الهزائم تلو الهزائم. وتلقى دروسا مخزية في مجال العسكرية الحقة، وميدان الذود عن حمى الوطن، على يد جيش الإحتلال الإسرائيلي، الأقل عددا والأشد انضباطا وتدريبا والتزاما. وإن استعراضاً سريعاً لمختلف مواجهاته الميدانية وليس الخطابية مع هذا الجيش، يكشف بجلاء حجم الهزائم المذلة والمخزية التي تكبدها. وكيف أن كل هزيمة أعقبها إذلال من نوع آخر، إنه توقيع „عهود“ و“اتفاقات“ نهاية المعارك، بشروط مُملاة من الصهاينة. لا دور للجيش المصري „العظيم“ فيها، غير التوقيع، وطلب الهدنة، وإنهاء القتال، والسلامة من جحيم المعارك التي أحرقه وأذله فيها قرينه الصهيوني.                                                                                                                  

      لقد سطر الجيش المصري „العظيم“، صفحات مخجلة سوداء في تاريخ المواجهة مع جيش الكيان الصهيوني. بدءا من العدوان الثلاثي على مصر سنة  1956، والذي أدى فيه غرور وانتفاخ الذات المرضي لدى قياداته العسكرية والسياسية آنذاك، إلى دخول  مواجهة لا قبل له بها. أدت إلى خسائر كبيرة لحقت الشعب المصري في أرواحه، واقتصاده، وأراضيه (شبه جزيرة سيناء). ولولا تهديد الإتحاد السوفياتي آنذاك، وقرار الأمم المتحدة بوقف القتال، وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل المواجهة، لكانت النتائج أسوأ. ولمَا انسحبت قوات الصهاينة من شبه جزيرة سيناء (التي ستعود لاحتلالها لاحقا سنة 1967).                                                                                                                       

      وفي حرب الستة أيام سنة 1967، وفي الوقت الذي كانت فيه قيادات هذا الجيش تنتج إسهالاً من الخطابات الرنانة. القومية منها على الخصوص، طيلة الستينات ونهاية الخمسينات، وتتباهى باستقبال المؤتمرات (القمة العربية القاهرة 1964) و (حركة عدم الإنحياز القاهرة أكتوبر 1964) لأجل الإستهلاك الداخلي. وتتفنن في إقصاء الأصوات المعارضة بكل وحشية. وتتمايل مع أغاني أم كلثوم في السهرات الماجنة. كان الجيش الصهيوني يُعد العدة لمواجهاته اللاحقة. حتى استفاق الشعب المصري والعربي عموما ذات صباح يونيو 1967 على وقع الصدمة المدوية، والنكسة المجلجلة. وهو في حالة ذهول. غير مصدق لحجم الكارثة، وفداحة الهزيمة، وحجم الخسائر العسكرية والترابية والسياسية، التي لحقت العرب على يد إسرائيل (احتلال الجيش الصهيوني لكامل تراب شبه جزيرة سيناء، ناهيك عن الجولان السورية، والضفة والقطاع الفلسطينية، بما فيها القدس الشريف). ليُطل بعد ذلك عبد الناصر بمسرحيته البكائية الشهيرة تحت عنوان: “ لقد قررت „التنحي“ عن رئاسة البلاد، وعن أي منصب رسمي!! أرجوكم أن تعينوني !!“ مخاطبا الشعب المصري!!                                

      وفي حرب أكتوبر 1973 التي يتغنى بها هذا الجيش „العظيم“ كإحدى أمجاده الحربية، تكشف الحقائق والوقائع التي حدثت على الأرض آنذاك، أنها كانت حلقة أخرى من حلقات مسلسل النكسات والهزائم، التي لازمته طوال مشواره العسكري. برغم ما منحه إياه عنصر المباغتة وانشغال الصهاينة بعيدِ الفصح من تقدم على الأرض، وعبور نحو الضفة الشرقية للقناة. ذلك أن جيش الإحتلال قام بعد استيعابه للصدمة الأولى، بشن محرقة جوية وأرضية على الجيش المصري „العظيم“. وأسر منه أعدادا لا حصر لها. بل استطاع عبور البحر الأحمر نحو جنوب الأراضي المصرية، ومنها شن هجومه في اتجاه القاهرة. ولولا تهديد الإتحاد السوفياتي مرة أخرى، من جهة في إطار صراع الحرب الباردة، ومن جهة أخرى استجابة لنداء، وبكاء، وعويل، وتوسل السادات، لسقطت العاصمة القاهرة في قبضة الإحتلال الصهيوني.                                                                                                                   

       وهكذا ففي الوقت الذي عوّل فيه السادات على هذا الجيش „العظيم“ (وهو نفسه القادم من „صفوته“)  لِمحْو آثار نكسة 1967 وإعادة الإعتبار للبلاد، إذا به يحصد هزيمة مذلة أخرى، (برغم إيهامه الشعب المصري العظيم، بأن ما تحقق إنما هو انتصار وملحمة عبور..) دفعته دفعا، بعد يأسه من جدوى التعويل على الجيش „العظيم“، إلى الذهاب بنفسه إلى عاصمة الكيان الصهيوني ليعلن الإستسلام ويتوسل من قادتها السلام والسلامة، واستعادة سيناء بأي ثمن. حتى ولو كان الأمر بالتفريط في سيادة البلاد. وهكذا لم يقي هذا الجيش „العظيم“ من شر القتال مع جيش الصهاينة، سوى توقيع معاهدة كامب ديفيد المشؤومة، التي مرغت ـ ولا زالت ـ سيادة البلاد في الوحل. وجعلت هذا الجيش ؟“العظيم“ ينعم بالسلام، ويتفرغ للقيام باستثمارات داخل البلاد، في الصناعة والطرق والصحة والتجارة.. خارج أي رقابة أو سلطة للدولة. ويتحول بذلك إلى دولة داخل الدولة، يسيطر على نسبة هائلة لا يستهان بها من الناتج الداخلي الإجمالي، المنفلتة من رقابة أو سلطة الدولة !!

      إن فتوحات هذا الجيش „العظيم“ في مجال مراكمة الهزائم عديدة ومتعددة، فحتى في اليمن السعيد لم يفلح في تحقيق ولو انتصار صغير مشرف، بعدما استباح سيادة أراضي هذا البلد الشقيق وشعبه. ولهذا تفتقت عبقريته الحربية وعقيدته العسكرية مؤخرا، على ضرورة البحث عن انتصارات في ساحات وميادين أخرى غير ساحات الوغى، وميادين الشرف العسكري الحقيقية. تلكم هي ميادين رابعة العدوية، ونهضة مصر، وساحة الحرس الجمهوري، وغيرها من الميادين المدنية، السلمية، المصرية، الآمنة المطمئنة.         

      فعوض أن يرفع هذا الجيش „العظيم“ من جاهزيته القتالية، ويستعد للأخطار التي قد تهدد البلاد، قام بالتآمر مع فلول نظام مبارك، وحفنة من المرتزقة السياسيين و“المثقفين“ و“الإعلاميين“، بإجهاض التجربة الديموقراطية الفتية في البلاد. بل ونجح فيما لم ينجح فيه حتى الإحتلال الإنجليزي طوال فترة انتدابه لمصر، فقد شرخ شعب مصر العظيم إلى شقين متصارعين متناحرين متقاتلين. مُستلهماً الفكرة الإستعمارية „فرق تسد“. إنه لم يكتفي بكل ذلك، بل كشر عن أنيابه لتحقيق انتصارات وهمية، لم يذق طعمها أمام أعداء البلاد الحقيقين. ف“دحر“ „جيشا“ من الركع السجود المسالمين من مواطنيه، المعتصمين المحتجين على انقلابه غير المشروع على الشرعية، أثناء تأديتهم صلاة الصبح، )قبالة نادي الحرس الجمهوري، في إطار اعتصامهم ضد الإنقلاب(. فأثخن فيهم قتلا وقنصا وفتكا، من الفجر إلى طلوع الصبح. ملحقا بهم „هزيمة“ نكراء، ومبرهنا على“ كفاءته“ الحربية و“بسالته“ العسكرية في القتال. حيث بلغ عدد القتلى حوالي 50 قتيلا من الركع السجود، في „معركة/مجزرة ساحة الحرس الجمهوري !!

      إن هذا „الإنتصار“ الماحق، قد فتح شهية هذا الجيش „العظيم“ لتحقيق مزيد من „المكاسب“ والإنجازات العسكرية، بهدف إغناء سجله الحافل بالهزائم، ببعض الإنتصارات أيضا. فاستطاع إلحاق „هزيمة“ ثانية „نكراء“ „بأعدائه“ من المعتصمين السلميين المسالمين في ساحة المنصة الآمنة. فأردى أعدادا كبيرة منهم، من القتلى والجرحى في „ملحمته البطولية“ تلك، مستعينا بقوات الشرطة.                                       

      غير أن أكبر „الملاحم والإنتصارات البطولية“ لهذا الجيش „العظيم“، تمت في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، وبعدهما رمسيس. حيث شاهد العالم بأكمله على الهواء مباشرة „شجاعته“ و“رباطة جأشه“ و“بطولته“ النادرة في „القتال“ قتال شعبه الأعزل البريء. وتابع كيف „استأسد“ على „جيش“ من النساء، والأطفال، والشيوخ، والمعاقين، والشباب العزل الأبرياء، المعتصمين رفضا للإنقلاب، ودفاعا عن الشرعية. وأثخن فيهم قتلا، وحرقا، وقنصا، وتنكيلا بالجثث، وإساءة معاملة للمعتقلين، وحصارا، ومطاردة. شاهد العالم كيف أبدع في تفجير الجماجم والرؤوس، التي لم ترد ولم ترْض أن „تخضع أو تركع“ لغير الله. شاهد كيف كان أفراده بارعين في التسديد. فقد أصابت كل طلقاتهم أو جلها، الجماجم والرقاب والصدور تحديدا. وحصدت أكثر من 2600 قتيل وآلاف الجرحى. شاهد العالم بأكمله كيف حوّل هذا الجيش „العظيم“ ساحات آمنة مطمئنة، إلى ميادين قتال استعملت فيها الطائرات، والمدرعات، والرشاشات، وجميع أسلحة الفتك والقتل، التي وفرها الشعب المصري، ومن ضمنه هؤلاء المعتصمين، من ضرائبه وعرقه وتضحياته، لأجل استعمالها في الذود عن حمى الوطن، وحمايته الشعب من الأعداء. شاهد العالم كيف حوّل ساحات آمنة إلى مقابر جماعية للأبرياء من خيرة رجال ونساء مصر. شاهد العالم كيف أن جهازي أمن الدولة (الجيش والشرطة) صمامي أمان الشعب والبلد، تحالفا/تكالبا لترويع هذا الشعب الأعزل، وتقتيله بنذالة وحقارة، قلّ مثيلهما في تاريخ الشعوب.                                              

      حتى القتل أثناء الحروب له أخلاق تؤطره، ومواثيق دولية تقننه. غير أن القتل على شريعة هذا الجيش „العظيم“ وعقيدته الحربية، حتى في حق مواطنيه العزل الأبرياء، قتلٌ مرفوق بالحقد والكراهية والنكاية. إنه قتل شرس بدون أخلاق !!

       إن مجموع ما حصده هذا الجيش „العظيم“ من أرواح أبرياء خلال يوم واحد، (2600 قتيل وآلاف الجرحى)، يمثل أضعاف ما قتله في مجموع مواجهاته مع قوات الإحتلال الصهيوني. (أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة).                                                                                                             

      ها هو الجيش المصري „العظيم“!! يحقق بعد طول ليل الهزائم والإنتكاسات المتتالية، أمام عدو البلاد الرئيسي، أولى „أمجاده الحربية“، وأولى „بطولاته العسكرية“، ضد „عدوه“ الجديد: شعب مصر العظيم. فقد انتصر على الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، المسلح بإيمانه وقضيته فقط، في ساحات وميادين النذالة والخزي العسكرية. ولم يكتف بكل جرائمه ومجازره تلك فقط. بل قام بغرس جذور الكراهية بين أبناء البلد الواحد، والشعب الواحد، بتخوين طرف منه، بل وإلصاق أفظع التهم به، تهمة الإرهاب !! كل هذا حتى يخلو الجو لقادته المتغطرسين القادمين من زمن آخر ولى، زمن الإنقلابات العسكرية الدموية، للعبث بمصير البلاد والعودة بها ردحا من الزمن إلى الخلف.                                                                                                 

      ألا يخجل جيش راكم كل هذه الهزائم في تاريخه العسكري، أمام أعداء البلاد الحقيقيين، من „الإنتصار“ على الأبرياء من مواطنيه، الذين لاذوا به ليحميهم من عاديات الزمن والأعداء. فسلحوه ودججوه بكل أنواع العتاد الحربي من ضرائبهم وعرقهم ونضالهم، ليقمعهم ويذلهم ويهينهم بنفس هذه الأسلحة !! يا للمهانة والخزي والعــــــــــــــــــــــار!!!                     

      إنه يتطلب الأمر دهرا، لِمحْو هذا العار الذي سيظل يلازم ويلاحق ويطارد هذا الجيش „العظيم“، وقادته الجبناء، بسبب „عقيدته العسكرية والحربية الجديدة“، التي لم يسبقه إليها أي جيش مواطن: عقيدة قتل المواطنين المسالمين الأبرياء، و“الإنتصار“ عليهم و“دحرهم“. وهي عقيدة سيسْخر منها التاريخ طويلا. رحم الله غاندي قوله: „كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن“.                  

لك الله يا شعب مصرالعظيــــــــــم

 المختار أعويدي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)