اخبار اليوم تستضيف عيسى صابر : أنا أعتبر نفسي محظوظا لأني وجدت الزوجة التي قبلت بوضعي و هي حاصلة على شهادة الدكتوراه

sa

زايو بريس – أخبار اليوم 

بعد 27 سنة ظهر القاتل الحقيقي لأحد أبرز أعضاء حركة المجاهدين بالمغرب، “لحبيب أو ضعيف ” وهي الجريمة التي سجنت بسببها 21 سنة دون أن ترتكبها،حدثنا عن ظروف اعتقلك ؟

 في أحد أيام غشت 1985 وجدت جثة بالقرب من إعدادية علال الفاسي بمدينة زايو، فانطلق منذ ذلك الحين مسلسل الاعتقالات في صفوف كل من يحمل اسم عيسى، على اعتبار أن حارس المؤسسة أثناء تقديم شهادته أمام سرية الدرك أكد لهم بأن الهالك قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كان يردد عبارة “متقتلنيش ياعيسى” بعد سنة تقريبا من البحث و الاعتقالات، أكد الحارس لرجال الدرك أن عيسى الذي يبحثون عنه هو أنا “عيسى صابر ” ففي أحد أيام صيف 1986 قصدت مقر عملي بمركز الاستثمار الفلاحي دورية للدرك الملكي بحثا عني ،ولأني لم أكن متواجدا هناك أبلغوا زملائي في العمل بضرورة الاستجابة لاستدعائهم بمقر السرية ، وهذا ما فعلته بالضبط اتصلت في نفس اليوم بسرية الدرك بعدما أبلغني زملائي بذلك ، استقبلني بعض الدركيين، وبعد ساعة من الانتظار التحق قائد السرية وكشف له الدركيون عن هويتي ،مباشرة بعدها أمرهم بتصفيدي، قبل أن ينطلق مسلسل مرعب من التعذيب . استمر تعذيبهم لي ببهو داخل مقر السرية لأزيد من ساعة بحضور وإشراف من قائد السرية الذي أتذكر اسمه جيدا،وكان سؤالهم الوحيد الذي يتردد على لسان كل واحد “ماذا فعلت الصيف الماضي”؟ في إشارة منهم لجريمة مقتل “لحبيب أضعيف ” الدرك بالناظور.

 هل اختلف تعامل الدرك معك بالناظور ؟

قائد الدرك ،الذي أتذكر هو الآخر اسمه جيدا ، طلب مني في لحظة من اللحظات بلطف أن أعترف باقترافي لجريمة قتل ” لحبيب أضعيف ” حينها فقط علمت أن سبب تواجدي بين يدي الدرك هي تلك الجريمة التي لم أقترفها ولم أشارك فيها . وعندما واجهت الأمر بإصرار على التمسك بأقوالي وإنكار التهم الموجهة إلي ، وإلا قرار لهم بمكان تواجدي الحقيقي زمن وقوع الجريمة ، أمر مسؤول الدرك بتعذيبي من جديد . يصعب حقا وصف فظاعة وحجم التعذيب الذي تعرضت له ، لقد ذقت جميع الأصناف ، من الإرغام على الجلوس على < القرعة> إلى < الطيارة > و< الشيفون > والصعق بالكهرباء ، كلها أساليب لا زالت عالقة في ذاكرتي إلى يومنا هذا . هذا التعذيب تعرضت له من اليوم الأول لاعتقالي إلى غاية اليوم الثالث ، وهو اليوم الذي شرعوا فيه بتدوين أقوالي في محضر الاستماع ، ولازلت أتذكر أنني عندما رفضت التوقيع على الوقائع < المفبركة > في المحضر وجه إلي أحدهم لكمة على مستوى أنفي فقدت معها الوعي بشكل كلي ، ولم أنهض إلا على محضر موقع يتضمن تلك الوقائع المزيفة مذيل بصك اتهام تضمن ، إلى جانب تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار و الترصد ، تهمة محاولة قلب النظام وغيرها من التهم التي أنا بريء منها .

هل للتهم الأخرى صلة بالعلاقة المفترضة لك مع تنظيم المجاهدين بالمغرب ؟

 ما يجب التأكد عليه وحتي أصحح مجموعة من المعطيات ، هو أنني لم أكن أنتمي في يوم من الأيام لهذا التنظيم .صحيح أني كنت أعرف بعض المنتمين إليه بمدينة زايو كسائر الناس ، لكن لم يسبق لي أن انخرطت في أي عمل له ، ولم أكن أعرف شيئا عن أفكاره و أدبياته ، ويكفيك علما أني لم أكن أصلي حينها ، ولم أشرع في تأدية فريضة الصلاة إلا بعد دخولي السجن.

 بعد تقديمك إلى النيابة العامة هل تغير الوضع؟

لا بد من إلا شارة إلى أنه قبل تقديمي أمام أنظار النيابة العامة طلب مني الدركيون ألا أتراجع عن الأقوال المتضمنة في المحضر ، وهددوني في حالة التراجع عن تلك الأقوال .وفعلا ، اعترفت أمام النيابة العامة تحت وطأة التهديد و التعذيب الذي تعرضت له بأني القاتل ، وعند التحقيق معي من جانب قاضي التحقيق أخبرته بالحقيقة ، لكن رده كان صادما لي ، لقد قال بالحرف “واش طلعتي للجبل ” ،في إشارة منه إلى التراجع عن الأقوال المتضمنة في محضر الدرك ، واعتبارا منه بأن محاولتي إنكار الجريمة أمامه لن تعدو أن تكون محاولة يائسة

 ومتى انطلقت محاكمتك؟

 لم تنطلق إلا بعد مرور أكثر من سنة على انتهاء التحقيق ، وخلال المدة الفاصلة بين التحقيق و الشروع في المحاكمة طالبت بإجراء مواجهة مع الشاهد < الحارس >الذي بلغ عني بأني أنا القاتل ، لكن لم يتم إجراء هذه المواجهة إلى أن أصدرت المحكمة حكمها سنة 1988 بالسجن 25سنة. والغريب في الأمر حتى شهادة هذا الشاهد لم تضمن في أي محضر من المحاضر.

على ذكر اسم الشاهد ، في نظرك ماهو الدافع الذي دفع به لاتهامك بالقتل ؟

 في الحقيقة ما أعرفه أن هذا الشخص فعل ذلك بدافع التقرب وبدافع الطمع، وربما حصل على وعود بتحسين ظروفه المادية و توظيفه في منصب معين .

 كيف استقبلت الحكم الذي قضى بسجنك 25سنة؟

أولا ، أشير إلى أنه أثناء جلسات محاكمتي لم يسمح لي بالدفاع عن نفسي ، وكل ما نطقت به أثناء تلك الجلسات هو الرد على سؤال للقاضي في إحداها عندما سرد علي صك الاتهام وسألني ، هل اقترفت تلك الأعمال ، فأجبت بالنفي . ومنذ ذلك الحين لم أنطق بشيء، وحتي المحامون الذين أوكلتهم العائلة للدفاع عني ربما خوفا من الخوض في الموضوع ، خاصة بعد ربط الجريمة بتنظيم أعلن المواجهة المسلحة مع النظام .لم يكونوا يستطيعون معاكسة محاضر الدرك ، وكل ما استطاعوا القيام به هو التوجه للهيئة بطلب تمكيني من ظروف التخفيف. ومن الأشياء التي أتذكرها أيضا أثناء جلسات المحاكمة هو ما قاله القاضي في إحدى الجلسات ،حيث أخبرني أن الملف يحتوي على محضرين : الأول ، قال بأنه أنجزه الدرك الملكي والثاني ، خاص ب <القسم السياسي> ،لكنه أكد بأنه سيحاكمني استنادا على محضر الدرك ، واستبعد محضر <القسم السياسي > التابع لجهاز المخابرات آنذاك الذي أنجز لي ذلك المحضر عندما كنت داخل السجن ، و الحكم في الحقيقة صدمني كثيرا ، وتناسلت الأسئلة في عقلي بعد سماعه وأول هذه الأسئلة التي سألت فيها نفسي بحرقة ، لماذا سأقضي 25 سنة سجنا وأنا بريء.

 كيف كان وقع الحكم على عائلتك ؟

 لا يمكن أن تتصور حجم الأسى الذي خلفه ذلك الحكم وسط إخوتي الصغار ووالدتي ، خاصة أني كنت معيلهم الوحيد بعد وفاة الوالد ،كان عمري حينها لا يتجاوز 22 سنة ، لقد حدثتني أمي كثيرا عن تلك اللحظات العصيبة التي مرت بها العائلة ، والتي أحد نفسي عاجزا عن وصفها وإعادة تركيبها من جديد.

 إلى جانب عائلتك التي كانت متيقنة من براءتك، هل كانت هناك أطراف أخرى تشاركها نفس القناعة ؟

أنت تعرف جيدا الظروف التي كان يمر بها المغرب في تلك السنوات ، لذلك القليل من الناس من كانوا على نفس قناعة العائلة ، وما جعل بعضهم يعتقد بأني مقترف الجريمة ، هي الإشاعات التي كان الدرك يبثها بينهم ، كالقول بأنهم عثروا على أداة الجريمة و الملابس الملطخة بالدماء في منزل العائلة .لكن في مقابل ذلك ، كان هناك من يشارك الوالدة قناعة براءتي من داخل جهاز الأمن نفسه ، سواء بالدرك الملكي أو ما كان يسمى <بالقسم السياسي > .فهذا القسم مثلا . كما قلت ، أنه أنجز لي محضرا أثناء تواجدي بسجن الناظور ، وعندما أنهى محضره نطق أحدهم موجها الحديث إلي زميله قائلا :هذا لا يمكن أن يقترف تلك الجريمة ، كما أن أحد الدركيين كان يعمل بسرية < زايو>أخبر والدتي بأني بريء ،لكنهم كانوا مجبرين على حد قوله باعتقالي و إغلاق الملف بشكل نهائي لأنه ملف كان يؤرقهم .

 كيف عشت ظروف السجن ؟

بالرغم من أني لم أتعرض لأي اعتداء ، إلا أنها كانت ظروفا قاسية خاصة خلال السنتين اللتين قضيتهما بسجن الناظور ، قبل ترحيلي إلى سجن القنيطرة . ففي الناظور .مثلا كنت مضطرا للنوم ، وسط 120 أو140 شخصا ، في غرفة قد لا تتجاوز مساحتها 21 مترا أما بخصوص سجن القنيطرة فهو حقا مقبرة الأحياء بدليل أنه عندما قضيت 15 أو 16 سنة من محكوميتي بدأت أشك في نفسي وأتحدث مع نفسي ، وعاينت أشخاصا فقدوا عقلهم ، وآخرون سجنوا ظلما مثلي ، كحالة سجينين ينحدران من منطقة الأطلس .سجنا إلى جانب مرتكب جريمة القتل ، لسبب أن الجثة التي تخلص منها الجاني وجدت بمكان كانا يجلسان فيه معا ذلك اليوم.

أنت متأكد من براءتك ، لماذا لم تحاول طرق الأبواب لإعادة النظر في قضيتك من جديد ؟

من داخل السجن قمت بعدة محاولات في سبيل البحث عن براءتي ، بدءا من وزارة العدل ، وصولا إلى الديوان الملكي . وعرضت قضيتي على المحامي زيان عندما كان يشغل منصب وزير حقوق الانسان الذي زارنا يوما في السجن المركزي بالقنيطرة ، وعدني حينما بإيجاد حل ، وإلى يومنا هذا لم أتوصل من زيان بأي جواب ، وحتي العفو كان يشمل العديد من المساجين باستثنائي ، حتى كاد اليأس يعصف بحياتي . لكن ، خلال 2005، وبعد قضائي لأزيد من 20 سنة ، حظيت في إحدى المناسبات الوطنية ، وبمبادرة من الملك ، بتخفيض العقوبة الحبسية إلى سنتين لأول مرة ، وبعد مرور سنة حظيت بتخفيض العقوبة للمرة الثانية ، تحددت في سنتين . وغادرت السجن في 4 يوليوز 2007 بعد إنهائي لمحكوميتي

بعد اكتشاف الحقيقة واعتراف الجاني الرئيسي بالجريمة ، هل ستسامح الشخص الذي أبلغ عنك واتهمك بأنك القاتل؟

 حاولت أن أسامحه ،لكن لم أستطع ، وحتى إذا حاولت والدتي لا أعتقد أنها ستقبل بمسامحتي إياه ، أو أن تسامحه هي نفسها . لقد دمر حياتي وحولها إلى جحيم ، ولولا جدي رحمة الله ووالدتي اللذان وقفا صامدين لكان مصير إخوتي الضياع.

 وماذا عن مطالبة الدولة بجبر الضرر الذي لحق بك ؟

هذه بالتأكيد خطوة شرع المحامي ، نور الدين بوبكر ، بهيئة وجدة في الإقدام عليها ، حيث سيقدم .أولا بدعوى أمام الغرفة الجنائية بمحكمة النقض لإعادة النظر في قضيتي ، وهو ما يستوجبه القانون بعد ظهور المعطيات و المستندات التي تؤكد براءتي ، ثم المطالبة بالتعويض ، ومن ثمة أيضا تقديم شكاية بالأشخاص الذين مارسوا علي التعذيب و تسببوا لي في أضرار جسمية ، وأنا في الحقيقة ، بعدما ظهر القاتل واعتراف بارتكاب الجريمة ، أحسست أني ولدت من جديد.

 ما يبرز أنك عازم على بناء حياة جديدة رغم السنوات الطوال التي قضيتها في السجن ، هو إقدامك على الزواج بعد 4 أشهر فقط من مغادرتك للسجن ، كيف تم ذلك ؟

هذا صحيح ، وأنا أعتبر نفسي محظوظا لأني وجدت الزوجة التي قبلت بوضعي ، ورضيت بالعيش مع شخص لا يملك شيئا ، وخرج لتوه من السجن الذي قضى فيه أزيد من عقدين ، في حين هي حاصلة على شهادة الدكتوراه والآفاق مفتوحة أمامها .والفضل في هذا الزواج المبارك يعود أيضا إلى والدتي التي كانت توفر من مصروفها ومصروف إخوتي لتضمن لي ، بعد خروجي من السجن ، مبلغا من المال أتمكن بواسطته من الزواج ولا يمكن أن أفوت هذه الفرصة ، دون التوجه إليها وإلى إخواتي جميعا ، بالشكر الجزيل على ما أسدوه لي من خدمات جليلة .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)