عبق نضالي.. وأصدقاء قدامى بقلم الاستاذ المختار أعويدي

vv

المختار أعويدي/زايوبريس

رن جرس الهاتف.. مكالمة طيبة من صديق عزيز.. إنك مدعو لحضور أشغال الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الثالث للإتحاد المحلي للكونفدرالية الديموقراطية للشغل بزايو يوم 16/03/2014.. هكذا بدأت الحكاية.. امتطيت السيارة صبيحة الأحد، مصرا على أن أكون في الموعد، وانطلقت لا أبالي بشيء، سوى بحضور العرس الكونفدرالي. ذاكرتي تزدحم بصور أصدقاء مناضلين قدامى، وتتزاحم بذكريات نقابية جميلة ورائعة، جمعتني بهم داخل النقابة الوطنية للتعليم، في حضن البيت الكونفدرالي الكبير، رغم المعاناة والأزمات والتضحيات والألم. جمعتنا في عدة واجهات ومحطات نضالية متعددة وطويلة، محليا، جهويا، ووطنيا. لم نكن وقتها نبالي لا بأوقاتنا، ولا بصحتنا، ولا بأموالنا ـ على قلتها وعلتها ـ، ولا حتى بأسرنا وعائلاتنا. كان همنا الوحيد الأوحد، هو تأدية الرسالة على أحسن وجه، والإصرار على إنجاح كل المعارك والواجهات النضالية المختلفة، مهما كانت الكلفة باهضة، والفاتورة ثقيلة. ومهما تعرضنا للنقد والتشهير والتجريح والإتهام.. كان الهدف واضحا وأقوى من أية مثبطات، أو عوائق أو مطبات حتى.. المساهمة في خدمة المدرسة العمومية، والإرتقاء بها وبالعاملين فيها، وتحسين أوضاعهم على مختلف المستويات. كانت لقاءاتنا واجتماعاتنا وحواراتنا، سواء التنظيمية منها، أو التفاوضية الماراطونية الطويلة والعديدة، مع مختلف الإدارات والجهات والمسؤولين، لا تكاد تنتهي. وكانت تستنزف صحتنا، وأعصابنا، وجهدنا، وهدوءنا، ووقتنا استنزافا، من دون أن نبالي، ولا أن نمتعض أو نعبر عن قلق.  بل كنا كلما أدركنا الأهداف النبيلة التي نناضل من أجلها، وحققنا النتائج الإيجابية التي تخدم القطاع، وبلغنا غاياتنا في مواجهة الإنحرافات المختلفة التي تعج بها المدرسة العمومية، كان هذا يجدد دماءنا ونشاطنا، ويُبطل مللنا وسأمنا، ويُلغي ألمنا ومعاناتنا، ويدفعنا دفعا إلى الإستمرار، بل والإصرار على المضي في نفس الدرب، والسير في نفس النهج، والتمسك بنفس الرهان النضالي الرائع.

كان جيلا رائعا من المناضلين القدامى الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة المدرسة العمومية ورجال التعليم. والذين كنت اليوم على موعد مع بعض منهم في محطة زايو الكونفدرالية. لذلك كنت أستسرع الزمن، وألتهم بسيارتي الطريق التهاما، كي أحظى بهذا اللقاء الحميم، بعد سنوات طوال من البعد والفتور.

وصلتُ قبل انطلاق العرس بقليل، التقيت وجوها قديمة حفر الزمن على قسماتها أخاديد عميقة، ونال من عنفوانها وألقها وبريقها ووهجها الكثير، لكنه لم ينل من عزمها وعزيمتها وإصرارها على استكمال الرحلة بنفس الهمة والصمود إلى النهاية. اشتعلت الرؤوس شيبا، وابيضّت اللِحى، وغرقت العيون، وانتفخت البطون. تبادلنا العناق والتحايا غير الكاذبة، وتساءلنا عن الصحة والأبناء وموعد المعاش. ونبشنا في أرشيف الذكريات البعيد الرائع بشوق وحنين، وكأني بنا نستنكر أحوال هذا الزمن الرديء اللعين.

انطلق المؤتمر كعادة الأعراس الكونفدرالية، بنشيد: „حيوا صمود السيديتي ** حيوا النضال المنفجر..“ النشيد الذي كلما رددته في أي محطة من المحطات، طيلة هذه السنوات الطويلة، يقشعر بدني، وتتحجر الدموع في عيني. ولا زلت لم أجد لهذا الأمر كنها أو تفسيرا أو تعبيرا، رغم مرور كل هذه السنين. كان ترديد الشعار مرفوقا بشارات النصر المبشرة بغد واعد أفضل للطبقة العاملة !!

كان المؤتمر زاخرا معطاء، فقد حضر كل شيء، أوله الذكر الحكيم، ثم الشعر الرقيق المتين، والزجل الملتزم الأصيل، والنغم العذب الجميل، إلى جانب هموم الطبقة العاملة، وانشغالاتها، وتحدياتها، وأيضا مطالبها محليا، ووطنيا.

حضرت أرواح الشهداء الذين امتدت إليهم يد المنون مؤخرا، (فقيد الإتحاد المحلي: حماد عبقادري ـ فقيد الكونفدرالية: الحقوقي عمر السعدي)، فكانت ترفرف في قاعة المؤتمر مكرمة مبجلة من طرف خالقها ومن طرف المؤتمرين. وحضرت أسماء معتقلي الحراك الشعبي 02/03/2013 بزايو، منوهٌ/ الذين تم التنويه بتضحياتها وصمودها، واستنكار متابعاتها القضائية. حضر النقابيون، والسياسيون، والحقوقيون، والجمعويون، والمنتخبون، والإعلاميون، إلى جانب الأجهزة التنظيمية المحلية، الإقليمية، والوطنية.

توالت على منصة الكلمات تدخلات الإتحاد المحلي، والمكتب التنفيذي، والمرأة الكونفدرالية وأجمعت كلها على تشخيص الواقع المزري المأزوم محليا ووطنيا، والتحذير من تداعياته ونتائجه، وما يستوجبه من تعبئة واستعداد لإنجاح المحطات النضالية اللاحقة.

انفضت الجلسة الإفتتاحية على وقع حفلة شاي، والتقاط الصور التذكارية لجمع نقابي غفير، تعانق فيه جيل المؤسسين بجيل حملة المشعل، وكذا جيل الشباب. في لوحات جميلة، تحرك المشاعر وتهز العواطف.

 التأم بعد ذلك جيل الأصدقاء المناضلين القدامي، المحليون منهم والضيوف على موائد وجبة الغذاء. وكانت فرصة للحديث والدردشة وتبادل الرأي في أمور مختلفة (سياسة، أدب، نضال..) وقد كان الشوق إلى مثل هذه الجلسات الحميمية مع هؤلاء الأصدقاء القدامى عارما غامرا، يثير في النفس الكثير من الأشياء والأشجان..

 لم يكن لي أن أعرف هؤلاء الأصدقاء، أوأصنع لهم مكانا مميزا في قلبي، لولا مظلة تنظيم نقابي عتيد، جمعنا في أحضانه، منذ ولوجنا سلك الوظيفة العمومية أول مرة، قبل حوالي ثلاثين عاما. حاملين الكثير من الأحلام الوردية، وغير قليل من أبجديات قاموس الوعي النضالي النقابي. تنظيم إسمه السيديتي (ك.د.ش)، كان يعيش ذات ربيع إحدى سنوات بداية العُشرية الأولى للألفية الثالثة، محنة التشتت والتشرذم والإنقسام. بعدما تنكر له فريق من أبنائه البررة، وشقوا عصا الولاء والإلتزام التنظيمي، ودفعوا به دفعا إلى عتبة التمزق والإنشقاق، وحافة الإنفجار والإندثار. بدافع حسابات سياسية حزبية، وتأزم تنظيمي نقابي، أنتجه وأفرزه خوض حزب القوات الشعبية آنذاك، لتجربة حكومة التناوب. وهي ذاتها التجربة التي قصمت ظهره، وظهر ذراعه النقابي، وجلبت الويلات والخيبات لمناضلي الحزب، ومناضلي النقابة معا. يومها بلغ الصراع بين الإخوة/الأعداء أشده وأوجه ومداه الأبعد. صراع تمظهر في التنازع حول المقرات، والأجهزة التنظيمية، والممتلكات، والإرث التاريخي للتنظيم. بل وحتى الإسم والصفة والإنتماء !!، خاصة بالنسبة لقطاع محوري فاعل داخل المركزية، هو النقابة الوطنية للتعليم، التي „جُرجر“ إسمها في المحاكم من قبل أبنائها „تجرجيرا“، رغبة من كل طرف في إثبات الحق التاريخي النقابي فيه، وملكيته المعنوية والرمزية. من دون أن يتيسر للقضاء الفصل في الأمر برغم دفوعات الأطراف، وانتصاب الكثير من المحامين في هذا الخندق أو ذاك. فقد كان الخطب جللا كبيرا، وهو ما أدركته العدالة فنأت بنفسها جانبا، تاركة للأخوة/الأعداء مهمة تدبير الأمر، والتعايش مع واقع الحال. وهو الأمر الذي تمخض عنه في النهاية، استنساخ الأسم الأصلي، المنضوي تحت يافطة المركزية النقابية الأم سيديتي (ك.د.ش)، بنسخة غير مطابقة للأصل، وجدت مكانا لها على حين غرة في مركزية وليدة هجينة طارئة آنذاك على المشهد النقابي، هي إفديتي (ف.د.ش). وبالتالي قبول الطرفين للأمر الواقع. تنازعٌ بلغ درجة، دفعت الإخوة/الأعداء إلى تبادل تهم التخوين والنكوص والتبخيس والترخيص.. في كل الفروع والإتحادات، على مدى ربوع البلاد، بطولها وعرضها. ما أصعبها من مرحلة تاريخية حرجة كانت !! وما أصعب أن يصبح رفيق النضال أداة هدم وردم وتنكيل وإقصاء !!

فترة عصيبة تلك التي عاشتها جميع فروع التنظيم النقابي الكبير والعتيد سيديتي (ك.د.ش)، في كل أرجاء الوطن. ومخاض عسير حول أحقية أي طرف بإرث النقابة الوطنية للتعليم، وهو المشهد الذي طالما عمل المخزن على تحقيقه منذ مدة، مستخدما كل الوسائل والآليات، من دون أن يفلح في تحقيق هدفه ومراده. فقد كانت (ك.د.ش) ومحركها/الدينامو الفعال ن.و.ت تنظيما „مزعجا“ جالبا لـ „حْريق الراس“ للمخزن. لكن الصراع بين الأخوة قدم أكبر هدية كان يحلم بها المخزن آنذاك.. شق الصف النقابي للمركزية وخاصة ذراعها التعليمي، وأضعاف قوتها التنظيمية، والتأطيرية، والتعبوية، للشغيلة العمالية عموما.

ولم يكن فرع الناظور بمنأى عن هذا الغليان والمخاض، فقد انطلق صراع السيطرة على المقرات، واستمالة المناضلين، بهدف إثبات الأحقية التنظيمية، وفرض الأمر الواقع والذات. وشهد المقر المركزي للـ ك.د.ش بالناظور أشرس المواجهات وحتى الإحتكاكات. بلغت درجة تم خلالها تنظيم المناوبة والمداومة على حراسة المقر، الذي كان يمثل رمز الشرعية التنظيمية للمركزية النقابية بكامل الإقليم، ورديفها التاريخي النقابة الوطنية للتعليم. وحاضن أرشيفها الإقليمي. وشهدت الفروع النقابية بالإقليم صراعات ومواجهات حادة مماثلة، وعلى وجه الخصوص فروع أزغنغان والعروي، انتهت كلها بشروخ عميقة، وندوب قسمت التنظيم وفككته، شيعا وأطرافا.

 بعدما وضع الصراع والمواجهات الساخنة أوزارهما، وهدأت العاصفة، انكشف أمام الجميع وضع تنظيمي مهلهل ومخلخل، مثل أكبر ربح للمخزن، ليس إقليميا فقط، ولكن وطنيا بالأساس، لأن جميع الفروع على الصعيد الوطني، كانت تعيش المخاض نفسه. فإقليميا كانت الضربة الموجعة والأكبر التي تلقتها السيديتي، هي في الفرع المركزي الرئيسي بالناظور، الذي خرج بجروح مؤلمة تنظيميا، وإن كان قد ربح معركة المقر المركزي الإقليمي والحفاظ عليه. وربما يجد الأمر تفسيره في الدور الذي لعبه حزب الإتحاد الإشتراكي، في الإستقطاب والضغط والدعم.. ولا عجب، فالصراع الداخلي الذي عرفته الكونفدرالية، لم يكن سوى تجليا صارخا، وتمظهرا واضحا للغليان الذي كان يعرفه الحزب داخليا. هذا الوضع صعّب مهمة السير الطبيعي بالتنظيم في تلك الظروف. خاصة وأن كثيرا من المناضلين، إما خلدوا لفترة استراحة وتأمل فيما حصل. أو عزفوا عزوفا مؤقتا، أو نهائيا عن العمل التنظيمي. أو جمدوا وضعيتهم ريثما تتضح الصورة. أو غادروا سفينة التنظيم إلى الضفة الأخرى، وأعلنوا العقوق التنظيمي، والإنفصال والطلاق النضالي..

ولا يخفى الدور المركزي الذي لعبته الفروع، أو من بقي منها على العهد والوعد، في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحديدا فروع زايو، قاسيطة، العروي، وما تبقى من فرع أزغنغان، في تحريك الفرع المركزي الإقليمي، وإعادة الحياة والدماء له. إلى جانب بعض قدماء المناضلين بالناظور، الذين ظلوا على وفائهم للتنظيم النقابي والتزامهم وتضحيتهم من أجل الإستمرارية. فتم ملء الفراغات التي خلفتها الزوبعة، سواء في الإجهزة الإقليمية، أو اللجنة النيابية، قبل تبلورها لاحقا إلى إطار اللجنة الإقليمية المشتركة للحوار. والتي تمت صياغة مسودة ميثاقها المؤطر، من طرف ممثلي ك.د.ش داخل هذه اللجنة النيابية. قبل عرضها على لجنة نقابية موسعة، ثم على اللجنة النيابية للمصادقة عليها وتفعيلها. ساهمت الفروع وقت ذاك، في ضخ حماس منقطع النظير في الفرع المركزي بالناظور، وفي كل الإجهزة الإقليمية لـ ن.و.ت خاصة. وتُسجل للفروع المذكورة في مرحلة أولى، بقيادة مجموعة من مناضليها وحتى مؤسسيها، أدوارا مشهودة في تقوية التنظيم، وحماسة منقطعة النظير، في الدفع به إلى الوقوف، وتجاوز فترة الفراغ والركود التنظيمي، واستمرار رحلة النضال الطويلة.

ولعل أكبر تحدٍ واجهه التنظيم في مطلع 2004 هو إعادة بناء الهياكل الإقليمية، وخاصة بعد التصدعات التنظيمية العميقة، التي عرفتها أغلب الفروع (الناظور، العروي، أزغنغان..) وحالة التردد التي اعترت أغلب من بقي على وفائه للتنظيم، من المناضلين القدامى منهم والجدد. خاصة وأن المكتب الإقليمي في هذه الفترة والفترة القليلة السابقة كان يعرف حالة من الركود التنظيمي برغم المجهودات التي كان يبذلها الكاتب الإقليمي آنذاك الأخ سعيد حجي، وذلك من جهة نتيجة تراخي أعضاء الأجهزة الإقليمية بفعل الزلزال الذي ضرب التنظيم في العمق، ومن جهة أخرى نظرا للظروف الصحية للكاتب الإقليمي آنذاك.

هي فترة مفصلية تلك التي كانت تعرفها ن.و.ت بالإقليم ككل، كانت مسألة وجود وبقاء أو تبخر واندحار.

في هذه الظروف العصيبة تنظيميا، التأم مجلس إقليمي موسع للنقابة الوطنية للتعليم في 18/01/2004 في اجتماع تاريخي بامتياز. استـُدعي له مجموعة من المناضلين الأوفياء ـ أو من بقي منهم ـ من الفروع المذكورة سلفا. كان فعلا اجتماعا تاريخيا، لأنه كان اجتماع إنقاذ وترميم للذات، وإعادة للبناء النقابي، والتنظيمي، والإشعاعي، والنضالي، في وقت كانت فيه النقابة الوطنية للتعليم إقليميا، على المستوى التنظيمي على كف عفريت. في ظل تداعيات ونتائج الإنشقاق القاسم والشرخ الكبير.

 كان الرهان كبيرا والمسؤولية ثقيلة جسيمة جدا، والغيورين فعليا على التنظيم قلة محسوبة معدودة، بسبب عزوف الجميع عن تحمل المسؤولية. حتى الباقون من المناضلين على العهد، جمّدوا وضعهم التنظيمي، وظلوا يراقبون تطورات الوضع من بعيد.

في ظل هذا المناخ التنظيمي المأزوم، اتخذ ثلة من الأصدقاء المناضلين القدامي ـ بعضهم من جيل المؤسسين الرواد، وبعضهم من السابقين نضاليا، وأكثرهم من الشباب المليء بالحماسة والعزيمة ـ والذين سررتُ غاية السرور بالتقاء بعضهم اليوم، في هذا العرس الكونفدرالي الرائع بزايو، وأجدني أتذكرهم جميعا بكثير من الإعجاب والأفتخار والتقدير، لأجل كلما ما قدموه وأسدوه للنقابة الوطنية للتعليم، من تضحية ونكران ذات.

ولعل أكثر القرارات جرأة وأهمية، التي اتخدها المجلس الإقليمي الموسع المذكرر في هذه الظروف، هو إعادة بناء الهياكل الإقليمية، بدءا بالمكتب الإقليمي، الذي تشكل بعد نقاش ومخاض عسيرين، وبصعوبة بالغة. فالجميع كان يحاول تفادي تحمل المسؤولية في هذا الوقت بالذات، نظرا لحجم الإنتظارات الكبيرة، وجسامة المسؤولية والإكراهات. وأتذكر كيف غلـّب هؤلاء الأصدقاء المناضلون مصلحة التنظيم أولا، وتنكروا لذواتهم، وأجمعوا على ضرورة تمثيلية كل الفروع، أو ما تبقى منها في المكتب الإقليمي، برغم الظروف الصعبة لبعضها. لينتهي الأمر في النهاية بتكوين مكتب إقليمي، يحمل تمثيلية جميع الفروع، برغم أن بعض الأعضاء قبلوا العضوية عن مضض، وظلوا يمثلون الحلقة الأضعف في اشتغال المكتب طوال فترة انتدابه. وقد كانت أولى صعوبات المكتب الجديد، هي توزيع المسؤوليات فيما بين الأعضاء، وهو الأمر الذي حُسم بصعوبة بالغة، نظرا لرفض الجميع تحمل مسؤولية الكتابة الإقليمية، وأتذكر كيف أجبرني الرفاق والأصدقاء المناضلون إجبارا، على تحمل المسؤولية التي قبلتها في النهاية خدمة للتنظيم، ومساهمة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. برغم كونها مسؤولية ملغومة، مليئة بالأوزار والإكراهات في تلك الظروف. وجاءت تركيبة المكتب آنذاك على الشكل التالي:

ـ المختار أعويدي : كاتب منسق إقليمي (فرع العروي)

ـ سعيد حاجي : نائب الكاتب، مسؤول لجنة التنظيم (فرع الناظور)

ـ عيسى بوسيف : الأمين، مسؤول التسيير الإدراري والمالي (فرع أزغنغان)

ـ محمد المختاري : نائبه (فرع قاسيطة)

ـ نجيم أجعير : عضو، مسؤول الشؤون النقابية (فرع زايو)

ـ محمد العيار : عضو، مسؤول الشؤون النقابية (فرع قاسيطة)

ـ إسماعيل بوترفاس : عضو، مسؤول الشؤون التعليمية (فرع الناظور)

ـ محمد كايين : عضو، مسؤول الشؤون التعليمية (فرع الناظور)

ـ محمد مختاري : عضو، مسؤول الشؤون الإجتماعية (فرع زايو)

ـ محمد حمديوي : عضو، مسؤول الشؤون الإجتماعية (فرع العروي)

ـ فريد بوجيدة : عضو، مسؤول الإعلام والتكوين (فرع زايو)

ـ عبد الكريم السعيدي : عضو، مسؤول الإعلام والتكوين (فرع قاسيطة)

ـ محمد عبادة (رحمه الله) : عضو، مسؤول الإعلام والتكوين (فرع أزغنغان)

وبعد استكمال هيكلة المكتب الإقليمي تم ترميم اللجنة الإقليمية للحوار، باحتفاظ عبه ربه والأخ سعيد حجي بعضويتها، وتعويض الأخ عزيز بوعود المنسحب، بالأخ محمد مختاري (فرع زايو).

كانت التحديات كبيرة جدا، أمام المكتب الإقليمي الجديد، وعلى عدة واجهات، تنظيمية، نضالية، تأطيرية، تفاوضية.. في ظل وضع مهلهل مأزوم. غير أنه بقدر ضخامة التحديات، كانت التضحيات التي قدمها الأعضاء أيضا أكبر وأضخم، ولا يمكن قياسها أو حصرها. لقاءات تنظيمية على مستوى الهياكل الإقليمية (المجلس الإقليمي، المكتب الإقليمي..) عديدة وطويلة ومرهقة، ولقاءات تفاوضية ماراطونية شاقة إلى آخر الليل، واستحقاقات محلية وجهوية ووطنية كثيرة، وحملات تعبئة وتأطير وإشعاع يومية. ومتابعة نقابية وتعليمية وتعبوية لا تتوقف، ولا تكل أو تمل.

كان هناك إصرار على إعادة بناء وتقوية وتنظيم الفرع الإقليمي، والفروع المحلية للنقابة الوطنية للتعليم. وهو الإصرار الذي أثمر نتائج رائعة، وفي ظرف قياسي، تم الإحتفاء بها في عدة مناسبات. سواء على مستوى المعارك النضالية غير المسبوقة إلى حدود تلك المرحلة خاصة على المستوى الإقليمي، في مواجهة تعنت النيابة الإقليمية للتعليم، في تسوية العديد من القضايا، الإجتماعية، والمهنية للشغيلة التعليمية، أو على مستوى الإستحقاقات الداخلية (استحقاق الإتحاد المحلي ـ استحقاق المكتب الإقليمي..) أو الإستحقاقات الجهوية والوطنية (اللجن الثنائية..)

وبرغم توزيع المسؤوليات، فالمكتب الإقليمي كان يشتغل متلاحما بكامل أعضائه ـ باستثناء حلقتي الضعف المشار إليهما أعلاه ـ كفريق متماسك، على مستوى كل الواجهات التي كانت تقتضيها المرحلة. وكانت نتائج العمل والمجهودات المبذولة، باهرة مجدية. سرعان ما أعادت للتنظيم في ظرف قياسي قوته ومتانته التنظيمية، وبريقه وجاذبيته في صفوف الممارسين والفاعلين على حد سواء.

في هذه الظروف ومن سخرية القدر توالت على ك، د، ش عدة تحديات وإكراهات ومحن. فحتى المقر التاريخي الذي كان يأوي نضالات وقرارات (ن، و، ت) ومركزيتها (ك، د، ش) وعموم الطبقة العاملة، تعرض للهدم في غفلة من المناضلين، وانشغالهم بصراع الإنشقاق، وإعادة البناء التنظيمي. بسبب النزاع الذي كان قائما من جهة، بين صاحب المقر الراغب في هدم البناية، وإعادة تشييدها. ومن جهة أخرى (ك، د، ش) المتمسكة بالمقر منذ مدة. وقد كان الملاك من الذكاء الإنتهازي، والنباهة والفطنة المصلحية، ما دفعه لإستغلال وضع التأزم والتصدع التنظيمي، للقياء بهدم البناية وردمها، بهدف إعادة بنائها. ولا تزال علامات استفهام وأسئلة عالقة، قائمة لحد الساعة، بشأن الجهة التي سهلت مأمورية الملاك في هدم المقر، مقر الكونفدرالية، وحتى مقر القوات الشعبية، حتى من داخل التنظيمين المذكورين. وإتلاف التجهيزات والأرشيف الضخم للكونفدرالية. علما أن القضية كانت معروضة على القضاء ليفصل فيها. وسيكشف الزمان طال أم قصر الجهة الفاعلة أو بالأحرى المتورطة في هذا الأمر. ولن يرحم التاريخ من أجرم أو ساوم أو تهاون في الحفاظ على الإرث التاريخي للكونفدرالية.

أدى هدم المقر القديم إلى الإنتقال إلى المقر الجديد، في شارع يوسف بن تاشفين، الذي مُول تجهيزه وكراؤه من لدن الشركاء النقابيين الإسبان للـ ك، د، ش (اللجن العمالية..) حيث استغل في قيام ك،د،ش بأنشطة إشعاعية ومهنية وتأطيرية وتكوينية وتعليمية عديدة، وهو ما ساهم بشكل أو بآخر في إشعاعها، وإعادة بريقها.

كان هذا نبشا ذو شجون في الذاكرة النقابية، أوحى به هذا اللقاء المتميز، المليء بالحنين إلى أيام كونفدرالية خلت. لقاء المؤتر الكونفدرالي للإتحاد المحلي بزايو. الذي هيأ لي شخصيا، فرصة اللقاء بأصدقاء قدامى، منهم من أحيل على المعاش ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. أصدقاء مناضلين، كان لي شرف المساهمة معهم في بناء عبق نضالي رائع ومتميز، مثل واحدة من أمجاد الكونفرالية على صعيد هذا الإقليم المهمش، في ظرف عسير عصيب، وزمان رديء كئيب، وإنسان متلون مُريب.                  

 (هذا المقال مُهدى إلى الأخ والصديق العزيز: السي محمد مختاري من فرع زايو، فهو مَن أوحى لي بكتابته، حينما كنا نتبادل أطراف الحديث، على هامش مؤتمر الإتحاد المحلي، بشأن أيام (ك.د.ش) الخوالي.. وإلى كل الأصدقاء المناضلين القدامي، صانعو ذاك العبق النضالي الكونفدرالي المتميز بالناظور، زايو، قاسيطة، العروي، أزغنغان، ابن طيب، وجدة…)

المختار أعويدي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)