بوتفليقة ابن وجدة المغربية الذي حكم الجزائر

,n

زايوبريس.كوم

بقلم: عبد المنعم سبعيلا يمكن وأنت تستحضر ماضي مدينة وجدة وأفضالها على ثوار الجزائر ضد المستعمر دون أن تتوقف عند رموز جبهة التحرير الجزائرية الذين تنفسوا من هواء هذه المدينة، وارتووا من مائها وأكلوا من خيرات أرضها، واستفادوا من أريحية أهلها. ولا يمكن وأنت تعد رجال الدولة الكبار الذين أنجبتهم مدينة زيري بن عطية دون أن تتوقف عند عبد العزيز بوتفليقة كرئيس لدولة الجزائر الجارة والشقيقة، وما بين الانحدار في شجرة الأنساب من مدينة وجدة ورئاسة الجمهورية الديمقراطية الشعبية الجزائرية، مسيرة من معاكسة المصالح الوطنية للمملكة المغربية وهو البلد الذي رأى فيه السي عبد العزيز ـ كما يحلو لأهله بوجدة أن ينعتوه ـ النور ذات يوم من شهر مارس سنة 1937، كما هو الشأن بالنسبة لوالدته منصورية تغمدها الله برحمته التي هي الأخرى ولدت بوجدة ونشأت في أحضان أزقة المدينة القديمة.

بالرغم من كل الذي يقال عن نشأة بوتفليقة وعائلته بوجدة، وبالرغم من كل الذي راكمه من تجارب وتعليم وتربية من مدارس وجدة وثانوياتها، وبالرغم من أن شهادة ميلاده تحمل مدينة وجدة مسقط رأسه ، يظل الرئيس بوتفليقة الذي مازال يأمل في ولاية رابعة، أحد أبنائها التي سيشهد تاريخها بعقوقه وجحوده اللذين أضرا كثيرا بمصالح شعبين تجمعهما أواصر النسب والمصاهرة والعقيدة … وتلك في اعتقادي واحدة من الأوصاف التي بصمت تاريخ وجدة منذ تاريخها التليد.
فكل الأوصاف التي وصفت بها مدينة وجدة تكاد تتراوح ما بين الحيرة والجحود..أي ما بين الكمائن التي كانت تنصب بالمنطقة كناية عن عدم الاستقرار ومطلب الكثير من الحذر، إلى ما هو ناتج عن سلوك الأبناء والعشيرة والمنتفعين بخيراتها والمساهمين في تكريس دونيتها ولو تنمويا….
وبالرغم من كل الأوصاف التي ساهمت في تكريسها الوقائع التاريخية والموقع الجغرافي تشترك هذه السمات في كونها تلتقي في دعم الثوار وتشريف الحياة الكريمة، كما أنها تتساءل وباستغراب عن الجحود والعقوق اللتين ووجهت بهما هذه الربوع الثائرة.. ولعلنا لن نجانب الصواب إذا ما ادعينا أن مدينة الحيرة كما سماها كثير من المؤرخين، تجد فيمن احتضنتهم وقدمت لهم الدعم والسند رمزية الجحود والعناد كما تجد فيهم التجسيد الحي لشعر أبي الطيب المتنبي عند موازنته لاحتضان الكرام وتقديم المساعدة للئام.. وذلك جزء من حظ سيء راكمته مدينة الألف سنة عبر التاريخ، فعندما أفلت جرير الشماخ قاتل المولى إدريس الأول من مطارديه بالقرب منها، أطلق عليها مدينة النحس، وهي مدينة الكدر والنكبة من منطق أبي القاسم الزياني مؤرخ الدولة العلوية الذي وقع في نكبة عندما ولاه المولى سليمان على وجدة فقال: “هي في حيز الإهمال، وأزعجني لها من غير إمهال، فاستغفيته فلم يقبل كلامي، واسترحمته فلم يرحم ذمامي، وخرجت لها في طالع نحس منكدر.. فجاءنا العرب من كل حدب ينسلون ووقع الحرب، فانهزم من معنا من العسكر هاربون، فنهب العرب ما عندنا من صامت وناطق وصاهل وناهق…” ولعله من باب الكناية المؤلمة أن ماضي المدينة لازال بطراوة الحاضر. والمقصود هنا هو هذا الاستمرار في جحود الأبناء سواء كانوا من الصلب أو بالتبني، وهذا النكران لجميل الإيواء وحسن الاستقبال والتدريب على أن وسام الحرية لا يعلق على صدور الشعوب المستضعفة إلا بالثورة وحمل السلاح، فهذه المبادئ علمتها مدينة وجدة لكل المستضعفين في القارة السمراء بدء من ثوار جبهة التحرير الجزائري إلى مناضلي المؤتمر الوطني الإفريقي بجنوب إفريقيا وعلى رأسهم رئيس جنوب إفريقيا الراحل نيلسون مانديلا.
وبما أن السياسة لا تقف عند احترام الماضي والبقاء في سجن الاعترافات بالجميل بل ولابد أن تدخل المصالح الاقتصادية والسياسية كعقل استراتيجي للتحكم في القرارات، فقد كان لذلك تداعيات أخرى على مدينة الحيرة وعلى سكانها الذين ظنوا أن رحابة أرض مدينتهم أمام بوتفليقة والكثير من أبناء جلدته ووطنه، خاصة بعد انتخاب بوتفليقة رئيسا لولايات متعددة، لكن يبدو أن الديبلوماسية الجزائرية والمؤسسة العسكرية التي لا زالت تمتح توجهاتها من الحرب الباردة البائدة، لا تستطيع النشاط إلا في شيء واحد هو دعم انفصاليي البوليساريو ومعاداة الوحدة الترابية للمغرب، وقد تأكد هذا الخيار الجزائري بالواضح عندما تقدم المغرب بمبادرة رفع إجراءات التأشيرة عن المواطنين الجزائريين ولم يتقدم بوتفليقة بأية خطوة إلى الأمام. إلا بعد مرور وقت طويل، ثم عندما تقدم المغرب بخطوة فتح الحدود البرية بين البلدين أو بدعوة مجددة لفتحها تبدأ العراقيل واختلاق الأعذار لتجاوز هذا المطلب الإنساني والتاريخي والديني.
تقول السيرة الذاتية لبوتفليقة أنه ولد في الثاني من مارس 1937 بمدينة وجدة ، ابن احمد بوتفليقة وغزلاوي منصورية وهو ابن الزوجة الثانية، تربى وترعرع في وجدة، ودرس بمدرسة سيدي زيان، وبعدها بمدرسة الحسنية التي أسسها جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله لما كان أميرا آنذاك، كان يدرس بالقرب من حمام الجردة الذي تعود ملكيته لوالدته، انضم إلى فرقة المسرح بالمدرسة وشارك في قطعة مسرحية ”تحرير حر من طرف عبد”، وكان عنوان هذه المسرحية مصدر إلهام لزميله في الدراسة موسى السعدي وزير الطاقة والمعادن ووزير السياحة على عهد الحسن الثاني، من أجل توجيه نداء من قاعة سينما باريز أثناء تجمع خطابي للحزب الوطني الديمقراطي بوجدة لبوتفليقة ليذكره ببعض الفصول من حياته بوجدة والمآسي التي يعيشها سكان البلدين جراء سياسة غلق الحدود في وجه الأشقاء، أما دراسته الثانوية فتابعها بثانوية عبد المومن دائما بوجدة، وهناك انضم إلى صفوف جيش التحرير الوطني. ووالدته السيدة منصورية غزلاوي هي الأخرى من مواليد مدينة وجدة المغربية، . ولما توفيت والدته سنة 2009 التي لم تلتحق بالجزائر إلا سنة 1963 لتستقر بتلمسان، كان عبد العزيز بوتفليقة بين نارين فإما الوفاء بوصية والدته التي كانت تربطه بها علاقة قوية جدا والمتمثلة في دفنها بمقبرة سيد المختار بوجدة وإما الانصياع للاءات الجنرالات والحكام الحقيقيين الذين رأوا في أمر فتح الحدود لدقائق معدودة، حتى يمر جثمانها نحو وجدة، مغامرة سياسية قد تجر الوليات على حكام الجزائر كما قد تسفر عن تداعيات خطيرة في ظل تراكم التصعيد الذي تشهده العلاقات بين الجزائر والمغرب، خاصة من الجانب الجزائري الذي أسرف في تبذير أكثر من 800 مليار سنتيم على المهرجان الإفريقي آنذاك، والذي أريد منه التسويق لأطروحات منظمة البوليساريو فقط، وقد تواصلت الحفلات الماجنة حتى يوم دفن والدة الرئيس بوتفليقة، ولم يخجل المشرفون على البرنامج ويقرروا تأجيل حفلات الرقص ليوم واحد فقط، مراعاة للظروف التي تمر بها عائلة الرئيس، وهذا الذي اعتبره البعض تحديا سافرا لعائلة بوتفليقة.
وجاءت ساعة عقوق الأم بكل حنوها ولو بعد وفاتها بالذي شاع بين أهل غزلاوي وبوتفليقة من أن حكما بإعدام وصية الحاجة منصورية يطاردهما، فاتخذت في هذه اللحظة هامة محمد السادس قامتها الوطنية والعربية والإسلامية، وذاعت في سماء المجد أن ملك المغرب كان من المعزين الأوائل ، الذي إتصل هاتفيا بإبنها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وأعرب له إستعداد المملكة المغربية في تقديم كل التسهيلات اللازمة لتنفيذ وصية الوالدة، والمتمثلة في دفنها بمقبرة سيد المختار بمدينة وجدة ، حيث دفنت أسرتها وتتواجد قبور أغلب أهلها.
المؤكد أن اللوبي الذي رفض دفن والدة بوتفليقة بوجدة ، هو الذي أيضا أقنع أو أجبر السي عبد العزيز لاتخاذ قرارات متتالية تتعارض مع المصالح الوطنية المغربية ، والمؤكد أيضا أن مدينة وجدة التي كانت تمد المال والعتاد لثوار الجزائر هي الأكثر تضررا من السياسة الجزائرية المعادية للمغرب، ولكن المدن التي تكون مجبولة بحكم تاريخها وموقعها على إيواء المستضعفين وتقديم العون والسند للمضطهدين تكون كالأمهات تمنح نفسها أكثر للتصالح و إلى أن يعي الطرف الآخر القيم الجمالية والإنسانية لهذا النبل يبقى على الأبناء الحقيقيين لهذه المدينة نفض الأيدي من انتظار كهذا، وربما في هذا الإطار ينبغي فهم الزيارات المتكررة لصاحب الجلالة إلى مدينة وجدة وفي هذا السياق ينبغي تفعيل المبادرة الملكية لتنمية الجهة الشرقية التي أعلن عنها جلالته في خطابه التاريخي بوجدة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)