رحلة ب 120 درهم

33

فارس الرواح

بعد حصولي على الإجازة في الحقوق سنة 2003 من جامعة محمد الأول بوجدة تخصص شعبة القانون الخاص ، قررت صيف تلك السنة أن أقوم بجولة حول المغرب مع علمي باستحالة ذلك نظرا لعدم توفري على المبلغ الكافي للقيام بذلك ، قصدت والدتي إن كانت لاتزال تحتفظ ببعض الدراهم التي تعثر عليها أحيانا في جيوب سراويل والدي حين غسلها فوجدت أنها لاتزال تحتفظ بمبلغ 100 درهم أعطتني إياها بكل سخاء ، لم أجرأ أن أطلب شيئا من والدي ” يكفي للي فيه” وتدبره للقمة عيش إخوتي فكان بحوزتي أنا أيظا مبلغ 20 درهم ، جمعت أغراضي ودعت والدتي لم أخبر والدي توجهت إلى إحدى وكالات الأسفار هنا بمدينة زايو وبحوزتي مبلغ 120 درهم ، فقصدت دون كثير من التفكير مدينة فاس وكان مبلغ التذكرة هو 50 درهم ومع بعض السوندويتشات بقي معي مبلغ 40 درهم حين وصول لمحطة بوجلود بمدينة فاس ، توجهت إلى عائلة جدتي بالمكان المسمى ” عوينت الحجاج ” بفاس لسوء حظي وجدت هذه العائلة تستعد للسفر إلى مدينة إيموزار كندر كون مدينة فاس تعرف حرارة مرتفعة في مثل هذا الشهر فاختاروا الذهاب إلى إيموزار كندر لجوها المعتدل ، لم أتردد في الذهاب معهم دون أية حسابات ، أنا الأن بمدينة إيموزار كندر لم يبقى في جيبي سوى بعض الدراهم ، وللأسف أنني لا أستطيع أن أطلب شيئا من أحد ولسوء حظي أيظا أن نفس هذه العائلة بعد يوم واحد فقط قررت السفر إلى مدينة أكادير لحضور زفاف يقام هناك ، طلبوا مني الذهاب معهم لكنني كنت أعرف جيدا أن الدراهم التي معي لا يمكنها حتى أن تعود بي من حيث أتيت وما بالك بالسفر إلى مدينة أكادير ، فقلت لهم أنني سألتحق بكم إن شاء الله بعد أيام ، وفي ذلك المنزل الذي كنت أقيم فيه كان بجواره منزل أخر يبدو من شكله أن أصحابه من طبقة ” الهايكلاس” وكانت لهم خادمة لاتزال شابة مقبولة الشكل تعرفت عليها في اليوم الأول وفي اليوم الثاني قدمت إلي هدية عبارة عن ” مسجلة سيدي Audio “  لم أتردد ببيعها على الفور لأتدبر مبلغ السفر لكن ثمن بيعها لم يكن كافيا للسفر مباشرة لأكادير ففكرت في الذهاب أولا إلى مدينة تطوان وهناك سأتدبر أموري ، فعلا سافرت على متن حافلة بعد عودتي من إموزار كندر إلى مدينة فاس وكان ثمن التذكرة 60 درهما ، وصلت إلى مدينة تطوان ألتي أعرفها جيدا وأعرف شوارعها وأزقتها وشواطئها ، قصدت منزل عمي ” سي علي ” شقيق والدي لبثت معه ليلتين وفي صباح اليوم الثالث أخبرته أنني أود الذهاب إلى مدينة أكادير دون كثير من التفاصيل فوضع يده في جيبه وأعطاني مبلغ 400 درهم فرحت كثيرا لأنني أخيرا تدبرت ثمن التذكرة الذي بلغ 160 درهم من مدينة تطوان إلى محطة إنزكان بأكادير ، ركبت الحافلة الساعة الثانية والنصف زوالا كانت رحلة طويلة مررنا بعدة مدن شاطئية تعرفت على بعضها لأول مرة كمدينة طنجة والعرائش ومدينة سطات التي لم يسبق لي أن رأيتها وهي مدينة جميلة جدا ، توقفت بنا الحافلة حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا في مكان لا يبدوا عليه كونه مدينة بل فقط قرية لم أعد أتذكر إسمها وكان هذا المكان يعج بالعديد من الكلاب الضالة فخفت أن أطلب شيئا للعشاء فلربما يقومون بذبح تلك الكلاب وإطعامها للمسافرين ، وبعد حوالي نصف ساعة ركبنا الحافلة متجهين إلى أكادير التي سأراها لأول مرة ، دخلنا مدينة مراكش ليلا لم أتمكن من الإطلاع كثيرا على معالمها لكن لابأس مادام الهدف هو أكادير ، بالفعل وصلت إلى محطة إنزكان حوالي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الغد أي أن الرحلة إستغرقت حوالي 16 ساعة ، اتصلت بأحد أفراد تلك العائلة التي سبقتني إلى أكادير حضر إلي وأخذني إلى مكان يسمى ” ايت ملول ” بأكادير دائما ـ تعرفت على باقي أفراد العائلة التي كان أغلبهم ينتمون إلى المناطق الصحراوية أعجبت كثيرا بتقاليدهم وعاداتهم وتدينهم وبكرمهم أيظا ، كنت محظوظا أنني وصلت قبل موعد الزفاف تعرفت على العريس وهو من أصول صحراوية شاب مثقف ، تعرفت على العروسة أستاذة للغة الإنجليزية بمدينة تيزنيت ، وقفت عن بعض الأمور في تقاليدهم رأيت لأول مرة كيف تنحر الناقة أكلت لأول مرة لحمها وشربت حليبها ، عرفت أن العريس الصحراوي لا يحضر بنفسه لأخذ العروسة بل تأخذ إليه وهو ينتظرها في بيته يحملها أقرب الناس إليها مغطاة بلباس أبيض لا يظهر منها شيء ، في اليوم الموالي تعرفت عن أحد فراد العائلة وهو موظف ببلدية طانطان يسمى عزيز عرض علي أن أذهب معه إلى مدينة طانطان ولأنني كنت أود اكتشاف المزيد عن أكادير فاعتذرت لكنني وعدته بأن أزوره قريبا حتى أكتشف المناطق الصحراوية أيظا ، بقيت بأيت ملول بأكادير لمدة شهر بالكمال والتمام ، تعرفت عن كل شيء تقريبا كان يعجبي الذهاب إلى ” الدشيرة ” من أجل أكل ” الكرعين ” كان يعجبي شاطئ أكادير ” لاكوتي ” كنت أختار الذهاب إليه ليلا وفيه فقدت هاتفي النقال من نوع نوكيا الكبير الحجم بكيت كثيرا عن فقدانه ، بعد شهر تماما قررت السفر إلى مدينة طانطان قبولا لدعوة السيد عزيز ، بالفعل ركبت الحافلة رفقة إبن السيد عزيز المسمى عصام الذي كان يتواجد هو أيظا بأيت ملول وقد تكلف هو بمصاريف السفر الذي لم يتجاوز مبلغ 50 درهم للتذكرة الواحدة من إنزكان إلى طانطان كانت الساعة الثامنة ليلا للأسف لم أتمكن من رؤية الكثير غير أنني عرفت أننا سنمر بمدينة تيزنيت وأننا سندخل عبر بوابة الصحراء مدينة كلميم لنصل حوالي الساعة الواحد ليلا وجدنا السيد عزيز وزوجته وإبنه ياسر في انتظارنا ، لم أتصور أنني سألقى كل ذلك الترحاب من عائلة أتعرف عليها لأول مرة ألم أقل لكم أن سكان مناطقنا الصحراوية أناس كرماء ، السيد عزيز هذا كان له إبن صغير عمره حوالي 7 سنوات تقريبا هو من علمني الخطوات الأولى للتعامل مع جهاز الكمبيوتر فلم يسبق لي من قبل أن وضعت أصبعي على لوحة المفاتيح لجهاز الكمبيوتر حتى أن إعجابي بذكاء هذا الطفل جعلني أعده أنني إن رزقت بطفل يوما أو بعد سنوات وسنوات أن أسميه بإسمه ياسر ، وهنا أفتح القوس وأقول أنه بين صيف سنة 2003 إلى تاريخ : 24/08/2012 رزقت بطفل فأسميته ياسر اللهم احفظه واحفظ جميع أبناء المسلمين أمين ، بقيت بمدينة طانطان أسبوع واحد عرفني السيد عزيز عن بعض الأمور بطانطان لكن ما أثار انتباهي هناك هو العدد الكبير من الأشخاص المعروف عنهم إنتماؤهم لما يسمى بالبوليساريو بل منهم من يعلن ذلك صراحة على مرأى ومسمع من الجميع ويمارسون أعمالهم التجارية وغيرها بشكل عادي لم أفهم تعامل الدولة معهم بتلك الطريقة وهي تعلم كونهم موالون للبوليساريو لم أشأ في طرح كثير من الأسئلة فالدوالة لها أجهزتها وطرقها لحفظ سيادتها ما يهمني الأن هو الإستمتاع فقط ، بعد أسبوع ودعت السيد عزيز وزوجته شكرتهما كثيرا ودعت إبنه ياسر صديقي خرج معي السيد عزيز في انتظار الحافلة القادمة من مدينة العيون في طريقنا أحسست أنه يضع شيئا في جيبي وحين ركوبي الحافلة حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا أخرجت ما وضعه في جيبي فوجدته مبلغ 550 درهم ، وصلت إلى إنزكان منها إلى مراكش منها إلى مدينة طنجة منها عبر سيارة الاجرة إلى مدينة تطوان منها عبر الحافلة إلى مدينة الناظور مرورا بالحسيمة منها إلى مدينة زايو عبر سيارة الأجرة رحلة ب 120 درهم استغرقت شهرا و27 يوما حين عودتي بعد كل هذه الرحلة بقي معي مبلغ 30 دهم .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)