الفكر النقدي وحدوده السالبة بعلامة ” قف ” …

Posted by

akramin

محسن الاكرمين/زايوبريس

     الحدود الفكرية  كنظرية نقدية ، موضوع يغري بالكتابة والتتبع ، رغم أن تداولها استهلك عدة مرات ، وبالتوالي في كل لحظة فكرية مدوية بالتنافر النقدي ، حول تحصين الفعل الديمقراطي الوطني ، بموازاة مع المطالب الداخلية الداعية الى التحرر من هيمنة الرأي الأحادي للدولة ، في توجيه محطات الوعي الجماعي  الكبرى… دون أن نغفل الحضور القوي للنمذجة الخارجية كمعطى ، تم التسليم بالإقتداء به طوعا أو كرها  …

   فعندما أفكر بالإطلاق المعرفي للعقل ، فإنني أنقل من سلبية الخمولية النقدية بأنماطها التقليدية، إلى صنع قالب العقلانية ، بركائز موطنة البناء ، بحيث يمر التيار عبر استلهام النقد المستديم للوضعية التاريخية – ” كوضعية مخلخلة ” – وتفكيك عناصرها الإرتكازية ، والتحرر من الوضعيات الهاملة للملكات العقلية الناقدة . لكن أين تتحدد حدودي النقدية في هذا التوظيف ” أساسا أقصد علم اجتماع نقدي ” ؟ وفي أي موضع تنتهي سلطة العقل بعلامة قف ؟  وما هي حدة مرجعية علامات التشوير المتحكمة فيها كخلفية تحد من سلطة العقل وتدفع بالفلسفة الى الاستقالة ، من مهمة التنظير ؟ إنها عدة أسئلة وغيرها لأوجه تنميط حدود الفكر النقدي بمقاربة الرؤية الثورية – ” وضعية سلمية ” – للمستقبل الذي مافتئ يأتي بتوابع المتغيرات الظرفية الوطنية والعالمية …
أعتقد مسبقا أن مفهوم الحدود الفكرية ،هي تتحدد كإنتاج سلعة لا تحمل طابع الجمارك ، تسوق اجتماعيا بنمطية النهي والإباحة ،(غير الدينية) في الوسط الأسري ثم في المتسع الاجتماعي العام…  فأوجه تعرية الموضوع بالنقاش ، تختلف باختلاف المجال المقصود ، وبه يتم فك القيود المسلسة لعقل الانسان ، وتحريره من أربطة الواقع – (الاكراهات الاجتماعية / الاخفاقات… ) – التي تجثم عليه جراء عنف متنوع الاشكال يمارس من قبل المجتمع على أعضائه التركيبة : الجماعية والفردية . فإذا كانت الفلسفة الاجتماعية في توجهاتها الغالبة تميل بدفة قيادتها نحو استنساخ الانسان وفق اعادة تكييفه ودمجه ببصمة كلية مرتضاة اجتماعيا بالتوافق ، ثم تكنس من محيطها كل وصفات النقد المحدث والمشوش . إذا فما الغاية المعيارية من توصيف النقد وتوظيفه في حياته الجماعية ؟

    لكل محطة فكرية ، مقاييس ضابطة بحجية مرجعيتها الاولية . فبين المجال الديني ، والاجتماعي ثم الفكري تتلون الرؤى بلون طيف واحد في سرعته، ثم تختلف بموجه النقد والتصويب … فالمجال الاول مقاييس مرجعيته مضبوطة الاليات التواصلية بحجية دينية قطعية الاحكام ، أو إسباغها  بالتعزير الفقهي / القانوني . فيما تبقى ” المجال الإجتماعي ثم الفكري”  فهو الخليط الذي أشكل فيه معرفة لون البقرة وتم رفع الرأس الى السماء طلبا للرحمة العادلة في تبيان البرهان وتحديده . والأمر الذي نستوثق من صدقه هو أننا لا يمكن أن نفرق بين متم حدودي ، وابتداء اقتحام حدود الاخر في حريته الشخصية والفكرية عبر مقاربة فكرية نقدية …
إن التنميط الاجتماعي  بشكلياته وتمثلاته العرفية هو من أطبق الغطاء على النقد العقلي ، بوضع الحدود المحصنة بفعل أمر ” قف” انها وضعية التحجر الصنمي التي تكتنف العقل الانساني في تجليات نتاجه الفكري والسلوكي … فعندما احدد حدودي بالتمام والكمال ، وبمقاسات تناسبني ذاتيا ،فاني اقلص من سلطة الحرية ومن بنية العقل ، وأستنجد بالضمير الغائب في أزمنته الماضية ، ثم أتقوقع من خلاله بدائرة منغلقة ، وأبحث عن من سبق ” البيضة أم الدجاجة “، وأتمم عملي برسم تمثال الاخر في مخيلتي الفردية كغول يرابط على حدودي وجيشه مرعب ومتربص بتجليات نتاجي الفكري في أية لحظة .

  ان الاخر الحاضر بقوة ” التحدي ” ، هو الاشواك المطوقة لموطني بمتم حدوده الوهمية … ويوثق الفكر التحرري بحبل حدود منهج تسكنه الذات العارفة بموقع الانا والآخر – ” أفق الحدود المعرفية بسجالاتها  ” – وينصرف هذا المعطى عند الكتابة والتواصل ثم ينسحب الوضع بالجر على مفهوم النوايا الداخلية كفكر متوالد لا حدود له، إلا بالنية المبيتة بالتصريح  .

   لما لا نقر بأن النتاج الفكري لا موطن له . وحدوده التامة في تسويقه الكوني /العالمي… لما لا نعترف بالآخر ،عندما أعرف ذاتي من خلاله وموقعي وأنسج معه شبكة تواصلية أساسها المعادلة الانسانية في متم احترام مبدأ الكرامة . وبهذا ينقلب سجالنا من موضع السوفسطائية ، الى الاقرار الضمني بجميع الاراء بتبايناتها وتقاطعاتها المعرفية …

 إن الفكر، والفكر النقدي  ، في كونيته لا حدود له ، في التقليب العقلي الداخلي والخارجي . فالقدرة على التوليد الفكري النقدي  برهان على تجاوز الواقع الساكن ضمن الزم حدودك بالسكوت…

  نعيش عصر التكلف بالمحاباة السالبة للذات والنفخ في مطاط الاخر المتمدد حتى الاطناب . انه الرياء الاجتماعي والفكري اللذين يرسمان لنا الخطوط الحمراء ،حتى أصبحت ” حشومة ” ملازمة لنا في تعبيرنا عن الزم حدودك  بلازمة من فضلك ،الى اخر كلمة في قاموس استعارات المجاملة.  الان ،  لا سلطة تعلو على سلطة العقل فمملكته تتسع وفق الدفع بترسيخ العقلنة النقدية في كل مناحي المجالات الاجتماعية والسياسية … وما فتح أبواب الكشف عن الوجود الانساني على متمه ،إلا بغية نقل الانسان من موقع اللامفكر فيه الى وضعية المفكر فيه بعقل نقدي/ أداتي ، يخدم مساره الحياتي بحرية تلزم الجميع …
تضيق نفسي وأفكاري بمفهوم هذه حدودي ، ومنعي من ممارسة النقد ولو بالياته البسيطة تتم بحراسة زبانية شداد غلاظ من الانس . هنا تترسم علامة ممنوع ابداء الرأي والتوقف بفعل أمر ” صه ” حرمته الزامية  . انه التقوقع داخل الذات الحاضنة للسلوك الاجتماعي/ العرفي والذي تم تدويله وتسويقه بالتكرار، وانقلب الى قانون اجباري بمدونة الرقيب ، ان لم نقل عليه مكتوب ، فهو محفوظ لدينا بنواهيه ولاءاته المتكررة ، فأكبس الامر علينا واعتدنا عليه كرها او طواعية.
حدودي الفكرية ، ليست بتمام مساحة الوطن ، بل امتدادها يفوق مخيلتي اتساعا، وأنا أفكر في مساحة حدودي العالمية كبرهان عقلي ناقد للوضعية الاجتماعية والسياسية… وتجدني كل مرة أكتشف رقعة أخرى فكرية أبسط عليها سلطتي المعرفية بالامتلاك ، وأقاسم ثمراتها اللينة ، وأترك المستعصية منها بخلخلتها بوصفة الجدل  المتأسس على منهج ” الاثباث / النفي / التركيب …” .

   الحق حق ، ولو على وضعيتي الذاتية بالنقد والتجريح ،هي قاعدة صارمة إن نلنا منها كفايتها فإننا نكون قد تخطينا الحدود المحصنة للآخرين بالنقد والتصويب التعديلي والعكس أصح ، وبه بالضبط ينبغي البدء. لكننا قسمنا بيننا قشرة ليمونة الحدود الفكرية وتركنا اللب النقد يتعفن بيننا حتى أصبحت أنوفها تستوطنها حساسية إبداء الرأي ، وأمست المجاملة السالبة سيدة الموقف .
النتاج الفكري لا حدود له البتة ، أما شوكة فعل الامر ” قف ” العالقة في حلوقنا ، فيجب اقتلاعها بناء على نقد سليم ، يخرجنا من ملجأ جحر رعب ابداء الرأي ، الى تثبيت لبنات المنهج الجدالي العقلي بروافده النقدية . فجدار “برلين ” رغم اقتلاعه موضعيا، فهو لا زال يطوقنا جميعا ، ولو بحدود معنوية ، ويكبل أفكارنا بالسلب والرفض على اعتبارهما قوة محركة نحو الحرية إن أحسنا ردة الفعل ، بينما ترتسم عوالم التغيير الاجتماعي الاساسية ، وتنحو بنا منحى المسالمة الفكرية ، ثم نغرق في التجريد ، وينكفئ النقد على نفسه ، ونركنه في مرأب أبوابه موصدة حديديا ، على فعل الحركية الاجتماعية . إنها سلطة العقل التي تنتهك علانية امام اعيننا يوميا وبتوالي الايام والسنين ، وبمتوالية تجدد اليات انتاجها للحرس القديم عبر الازمنة . للحرية أجنحة بيضاء وبكثرة الحدود تكتسب التلوث الفكري المجالي فالرحمة والرأفة بها . فلا مناص لنا جميعا من إقرار مقاربة جدلية تجعل من الاختلاف الفكري موجه حضاري يعري العلاقة بين السطلة الاخطبوطية وأحقية العقل / النقدي في الاعتماد العادل والإنصافي للعلاقات الاجتماعية …

محسن الاكرمين :mohsineelak@gmail.com

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Optionally add an image (JPEG only)