من الصعلكة الجاهلية والعباسية ، إلى “ التشرميل “ المغربي .

ff

ذ:محسن الاكرمين/زايوبريس
     هل يمكن أن نعتبر “ التشرميل “ ظاهرة ، بمفهوم السوسيولوجية (الاجتماعية ) ؟ أم أن الامر لا يعدو أن يكون نوعا من نزق – “ موضة “ – الشباب المعاصر ؟ وهل مصطلح “ التشرميل “ محدث أم أن له جذور ثابتة في السلوك الاجتماعي المغربي “ ؟ وهل “ التشرميل “ له تسميات اخرى شبيهة ب “ السيبة“ المغربية  ؟  . هي أسئلة كثيرة تفرض نفسها بتجلي  الحضور أمامنا ، بموقع الانتكاسات الاجتماعية التي تلبس شبابنا بالتكرار القهري … لكن الأمر الأولي الذي نستوثق منه قولنا بالجزم التام أن “ التشرميل “ هو نوع من الإنفلات الأمني بمفهوم “ السيبة “ عبر جماعات عدتها الاساسية الحرابة والنهب ، وتهديد استقرار الدولة . هو الإنفلات السلوكي غير السوي عن أعراف المجتمع التوافقية بسلميتها  . هو نوع من الإنفلات التربوي للأسر المغربية ، والمدرسة الوطنية ،  والبنية الاجتماعية بشموليتها.
   ناقوس خطر دق دون توقف، معلنا أن المجتمع بدأ يجنح الى رقعة ملوثة ب “ التشرميل “ إنهم شبابنا ، صعاليك اليوم ، و“ سيبة “ العصر الحديث … شباب يعيش الإنسلاب الفكري للآخر المتحدي بالنمذجة الحياتية المثالية الزائفة . إنه الإنسياق التام نحو الإنبهارالحسي بالسلوكات الطفيلية للبورجوازية المسوق ضمن الفكرالجاهز المستورد ، والنخبوي بتجلياته الشكلية  . وبمحصلة التغيرات الإجتماعية الداخلية المتلاحقة والمندمجة ضمن أوسع حقل للمعرفة الكونية الجارفة للقيم الدينية والوطنية السليمة … إنها نكتة من نكت العصر، بورجوازية اللباس و“ الحطة “ الكاملة … في حين ان فئة الشباب / الشابات “ المشرملين “ يعيشون عالة على أسرهم ومحيطهم الاجتماعي  . انهم كراسي إعاقة المجتمع ، متحركة بالعقل المغيب . رزقهم اليومي كمدخول من النهب والسلب و التخويف ، ثم التباهي بالغنائم في المواقع الاجتماعية . فعملية اظهار “ الغنائم “ ما هو إلا إنكار لقانون الدولة وتحد قوي لأمنها الداخلي وسلطتها “ المخزنية “  .انه السطو المعلن عليه في المواقع الاجتماعية علانية مع سبق الإصرار و الترصد.

    وعندما عمدت إلى البحث عن الأسباب الكامنة وراء موضة  “ التشرميل “  أيقنت أن الوضع يجب أن يسائل الجميع عن أسباب ظاهرة شبابية “ التشرميل “ هل انتقلنا من أخلاق العناية  الحصينة ، الى أخلاق الأنساق الرمزية للإنسان ؟ هل أخفقنا جميعا “  أسرة / مدرسة / مؤسسات اجتماعية / مجتمع مدني / دولة / فقهاء دين “ في التربية وتنميط السلوكيات المدنية بمصداقية الاخلاق ؟ هل ظاهرة “ التشرميل “ هي نزق شباب سيخبو طيفها لاحقا ؟ أم ان عوارضها الخارجية ممتدة وتحتاج الى وقفة إصلاحية جرأتها بمتم اعادة الهيكلة الاخلاقية بمعايير القيم الكونية  ؟  متم القول في هذه الزوبعة الفكرية ، إنه يمكن اعتبار هذه أسئلة أولية بعمومياتها ، ولكم الحق في توليد أسئلة أخرى ومعالجتها بصواب الحال .

      الأسباب كثيرة ومتعددة لتحريرعفريت  “ التشرميل “ من فانوسه النحاسي . فمن الأسباب الداخلية انسداد الافق الاجتماعي/ الاقتصادي ، ثم الاخفاق التام للتربية الاسرية والمدرسية بمتوالية الاصلاح الذي هو في حاجة دائمة للإنعاش الإستعجالي  ، إنه الفساد الذي استوطننا جميعا وضرب بنسجه العنكبوتي  كل مناحي الحياة الوطنية . إن عملية الإصلاح الحقيقي المؤجلة منذ الإستقلال ، هي التي أنبتت لنا فئة اجتماعية من “ الشماكرية “ على هوامش الحياة و تقتات من القمامة ، وأخرى “ مشرملة “ رصيدها المعرفي يحمل في حده الادنى الحقد الاجتماعي والانتقام ، أما الرصيد المهاري فهو في استعمال „السيوف“ و“ السكاكين “   ومؤشرات منتوجها السفك الدموي ، والتخويف العلني ، فيما تتحدد قدراتها الادماجية في السطو والسرقة والإفصاح علانية عن الغنائم الثمينة في “ اليوتوب“ .

 وحري بنا في هذا التفكيك المنهجي أن نربط ظاهرة “ التشرميل “ بالأسباب الخارجية غير المباشرة. إنها الدينامو المحرك لموضة “ التشرميل “  فمن خلال عودة المهاجرين المغاربة إلى أرض الوطن في العطل ، تظهر عليهم نعمة الغرب  المادية من “ الحطة الانيقة “ اللباس : الرفيع والمتناسق وذو الماركات العالمية ،ومكملات “ الحطة “ من ساعات عالمية الجودة ، وآخر صيحات الهواتف المحمولة ، والسيارة والمال الوفير … في حين يعاني مغاربة الداخل الغبن والقهر والتهميش العلائقي ( ذكر/ انثى ) … مما خلق مساحة فجوتها عميقة بين نفس الجيل ومن نفس الحي ، والمدينة، والوطن . و دفع بشباب الداخل إلى إعلان عملية  العصيان المدني بخلق اتحاد شباب  “ التشرميل “ والغاية منه الرقي بالوضعية المظهرية الخارجية : للمشرملين “ إلى نفس مستوى الفئات الإجتماعية الميسورة من مهاجري الخارج ، و البورجوازية الداخلية .

    إنها الصعلكة “ الجاهلية / العباسية “ القادمة الينا من الزمان الماضي لتبسط سلطتها على احياء مدننا ، فرغم الفارق الزمني ، فسياق ظاهرة „الصعلكة  “ بروزها بقوة كردة فعل لبعض العادات والممارسات الاجتماعية . واصل الصعاليك من الفئات الاجتماعية الفقيرة “ المتنورة بالشعر “ وشقوا عصا الطاعة على أعراف القبيلة ، وكانوا يغيرون على البدو والحضر، ويقطعون الطريق على القوافل. اما شعرهم فنبرته الثورة على القهر الاجتماعي …ومن بين الأثر المنقول عنهم عطفهم على الفقراء والمساكين …  ومن أهم رواد الصعاليك „عروة بن الورد“ حيث كان صعلوكاً شريفاً وشجاعاً ومقداماً ،وجعل من “ الصعلكة “ ما رفعها إلى سلم التكافل الاجتماعي كهدف لتعميم الخير للجميع وخاصة الفقراء من القوم …

انهم صعاليك الأمس و “ تشرميل “ اليوم ، فالخيط الرفيع الذي يوطد العلاقة هو السرقة والنهب ، ثم يفترقون في “ الحطة “ ويلتقون في تمجيد افعالهم من خلال الشعر قديما و“اليوتوب “ حاليا . فحين متابعتي لما ورد من اثر في “ التشرميل “ ، وقفت على نماذج من التوليدات اللغوية و الايحاءات لفعل “ التشرميل “ وتوابعه اللفظية من حطة الى غير ذلك .  بحيث تم تطوير اللغة التواصلية “ للمشرملين “  كلغة مشفرة بينهم ، وهذا الوضع يمثل الانغلاق السلوكي “ للمشرملين “ وإخفاقهم التام في الاندماج الاجتماعي .

  ولكن هل يمكن ان نمدد مصطلح “ التشرميل “ الى وضعيات اخرى ، تعيش فعلا ظاهرة “ التشرميل “ غير المعلن عليه ؟  ففي المجال السياسي : هل يحق لنا القول ان ظاهرة “ التشرميل “ منبت أصلها السياسية ، ومن هذا المشتل ، انتقلت الى الحقول الموالية (الاجتماعية / الاقتصادية ) كوباء ؟ الصراعات الحزبية الداخلية ، أيحق لنا بتسميتها “ بالتشرميل الحزبي “ تحت يافطة الديمقراطية ؟ هل الفاعل السياسي منزه عن ظاهرة „التشرميل “ ؟ هل المعارضة الحكومة الحالية ترتكز على ظاهرة „التشرميل “ السياسي لإسقاط الخصم  ؟ …مجموعة من الاسئلة لا أمتلك إجابة قطعية عنها ، وإنما طرحها مستفز لخلخلة بنية التفكير لدينا ، وإخضاعها لعملية  تشريح “ جنائي “  لوضعيتها وفق المقاربة النسقية  لظاهرة “ التشرميل “ بشموليته . أكرر مرة ثانية أن كل الأسئلة المطروحة ما هي إلا استفهامات أولية ، ولكم الحق في انتاج أسئلة رديفة ، ومعالجتها بالإجابة ، وتنزيل البدائل .
    إن فعل „الحراك “ السياسي المغربي / النقابي/ الشعبي العفوي … ، انتقلنا به من معادلة النضال الشريف / الديمقراطي الى مهراز “ التشرميل“  السياسي ، فكل رموز أحزابنا تشم منها رائحة “ التشرميل بمتم التوابل المطبخ المغربي “ بحيث أصبح الكتاب العامون، يعتلون منصة الامانة الحزبية بفعل عملية “ التشرميل “ التي تمارسها فصائلها الموالية ضد كل معارض من نفس الحزب .  فبالأحرى وبكثرته ما يمارس من “ تشرميل “ ضد الاحزاب المنافسة في الاستحقاقات الوطنية فحدث  به ولا حرج  .

   أحزاب “ التشرميل “ باتت تتحين الفرصة للإطاحة بالخصم السياسي علانية ،.والاستيلاء على كرسي السلطة التنفيذية عنوة ، بالزبانية الشداد الغلاظ  من إنس “ المشرملين “ .  معارضة تقطف الرؤوس الصديقة التي حان قطافها بمنهجية “ التشرميل “ بالعزل ، وإقرار القول أن أرض الله أوسع رحابة ، فلا تنازعني في موضعي ومكانتي الاعتبارية . انها الديمقراطية المغربية “ المشرملة „.
   إنه مغرب “ التشرميل “ و“ الصعاليك “ و “ السيبة “ ، والذنب يركبنا جميعا في إخفاقنا التام عن إنتاج مواطن يقدس التوابث الوطنية ، ويقدر ذاته و الآخر ,  مواطن يقر بالقيم الوطنية ، وسلوكه تصريف لمصفوفتها الاخلاقية . مواطن ينهل من الفكر الكوني ما يعضد به رقيه الحضاري ، ويعترف بالاختلاف كوضعية / اشكالية  اجتماعية  . بل كانت الازاحة المكانية والزمانية  المفلسة، في أننا أنتجنا خليطا من “ التشرميل “ الخارج عن القانون الاجتماعي والتشريعي ، وليس له أية مبادئ أخلاقية ، ولا رصيد معرفي غني بالسلوكيات المدنية  ، ولا وازع ديني يحصنه كليا من التشيع بمفهوم “ التشرميل “ .

    لا أبحث عن “ التشرميل “ الحياتي فنحن نعايشه ونغض الطرف عنه فرادى و جماعات كل من موقعه . ولكني أدفع الى فهم الظاهرة من جانبها الاجتماعي / السياسي / الديني / والأمني . ادفع الى تأطير انعكاسات السلبية على الاخلاق والسلم الوطنيين .  لا أريد تسويغ فعل “ التشرميل “ ومد أصابع الإتهام الى الاخر ولو بموضع الغائب  . لا ابتغي من أمري هذا جعل الدولة هي المسجب لنشأة فعل “ التشرميل “ … ولكن أبتغي غاية أكثر من هذا ، وهي اعتبار ظاهرة „التشرميل “ انفلات أمني ، وتصنيفه ضمن قانون الارهاب ،لا مناص منه في المستقبل القادم .

ذ:محسن الاكرمين :mohsineelak@gmail.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)