مملكــــــــــــة الفـــــــوارق الاجتماعيــــــــــــة بقلم ذ.محسن الاكرمين

z

yyyyyy

مملكة الفوارق هو ما نص عليه خطاب العرش بمناسبة الذكرى 15 لاعتلاء الملك عرش المملكة . اعتراف صريح من أعلى سلطة بالبلاد بحدة الفوارق الاجتماعية بين المواطنين .  المستور/المسكوت عنه منذ الاستقلال عراه الملك بحدة اللغة “ اليسارية/ الثورية “  عندما أقر أن هذه الثروة  “ … لا يستفيد منها جميع المواطنين . ذلك أنني ألاحظ ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة“ .  الآن وفي ظل التحولان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها المملكة ما بين 1999 ونهاية 2013 ، الملك يتعهد ب : “ تعميم استفادة جميع المغاربة من ثروات وطنهم“ .

إن الأثر المنعكس من تضارب تفاوت نسب النمو الاقتصادي بين جهات المملكة ، هو من وسع خريطة الإختلالات التنموية بين جهات الوطن  من عدة نواح . فمن البنية التحتية غير المكتملة ، إلى وضعية النسيج الاقتصادي الهش، ثم إلى  دائرة النسيان والتهميش من المركز بقصد أو بغيره لتموضع أجزاء المغرب العميق .

إنه اختلال التوازن بين الجهات الستة عشر، ثم لازلنا ندفع بالجهوية المتقدمة “ الموسعة “ إلى الأمام ، دون تقييم للوضعية الحالية  بطموح خلق التوازن الاقتصادي والسكاني  بين جهات المملكة … فيما حال الفسيفساء الاجتماعية المتنوعة تتلون بألوان طيف الحرباء غير الموثوق بها بين مغرب الأثرياء القلة ، ووطن المهمشين بوضع اليد منذ الاستقلال .

تشخيص الوضعية بمغرب الفوارق الاجتماعية مصفوفته نمتلك أسبابها ومسبباتها ، وكم من حراك شعبي هز أركان المملكة لإعادة التوازن ، ومن الحكمة التاريخية الاستفادة منه بالتغيير السلمي والتوافقي لأجل تكميش الفوارق الاجتماعية . الكل يمتلك تصوره الوصفي للوضعية الاجتماعية بالمغرب … الكل يعترف أن هناك نار خامدة تفرق بدخانها بين القاعدة الواسعة للهشاشة الاجتماعية وبين أرجل جمر أخطبوط سلطة الثروة والمال . لكننا جميعا نفتقد إلى التصورات الكاملة لمشروع مجتمعي عادل  بمؤشرات عدالة أخلاق العناية . وبواقعية الوضعية المغربية – النموذجية – السلمية لتقليص عوارض الفوارق الاجتماعية  واستفادة المغاربة سواسية من نتاج خيرات الوطن بمعادلة كرامة العيش التامة لكل المواطنين – مغرب المواطنة – ولو في حدوده الجغرافية العميقة .

يقول الملك :“ … إن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة“. فلأول مرة يستخدم ملك البلاد ضمير المتكلم “ أنني“ مما يبرهن بالتمام والكمال حركية الملك واطلاعه التام على الأوضاع الواقعية للمجتمع  بكافة أبعاد رقعة المغرب الرباعية .

السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط بسذاجة موقعه الاجتماعي، وبفرحته من شدة جرأة الملك الثورية ، ما العمل إذا ؟ وما هي الحلول الإجرائية الواجب اتخاذها  ؟ . لا أخفيكم سادتي الكرام ، إنه سؤال وجيه وماكر في نفس اللحظة … لما نقر مسبقا بمكره مادام أن السؤال يتطلع إلى وضعية اجتماعية استشرافية .

 وضعية لا تنعدم فيها الفوارق بتاتا ، وإنما تتقلص بضمان عيش كريم لكل مواطني المغرب ، والحد من كم الفوارق الاجتماعية القاهرة  . عيش ليس بقفة داعمة  وإنما بقيمة مضافة تنقلنا جميعا من موقع الرعية إلى احترام إنسانية المواطن عبر تنمية مستدامة يكون فيها المواطن فاعلا وليس مستهلكا موسميا ببطاقة الاحتياج .

ثمة تباين في توزيع الأنشطة الاقتصادية بين المكونات البشرية للمجتمع المغربي . تباين تكرسه هشاشة معظم جهات المملكة . ثمة انعكاس سلبي لكل وضعية غير سوية على المجالات الإجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية . ثمة ظلم نتيجة استمرار استفادة مسبحة أغنياء المغرب من خيرات الوطن على حساب القاعدة الشعبية الأوسع عمقا واتساعا.

تساؤل الملك عن مآل ثروات البلاد ، وكيف انحرف مقصدها من عموم الشعب بالاستفادة ، خطاب العرش جاء بحجم وصف واقع الفوارق الاجتماعية . وجعل من الملك رمز الثورة على كل أوضاع الوطن غير السوية . فالبحث عن المعادلة العادلة للعيش الكريم  لعموم المواطنين هو في إعادة توزيع فوائد عوائد ثروات البلاد بشكل منصف وعادل. حيث يجب أن يتم الإصلاح المرتجى وفق خطة إستراتيجية تستحضر المغرب العميق في كل تخطيط ، خطة تلتزم بالتمييز الإيجابي لكل الجهات التي تعاني من الهشاشة …  

إنه المشروع الحداثي الشامل الذي يدفع به الملك النخبة السياسية إلى اعتماده . إنه الانتقال من الليبرالية غير المحصنة لكرامة عيش  المواطنين ، إلى إقرار اقتصاد سياسي وطني بمعادلة الكرامة لكل المواطنين في الاستفادة من خيرات الوطن ، والانتقال من البرجوازية “ العائلية “ إلى مفهوم البرجوازية “ المواطنة “ .

نعم المغرب استوطنته برجوازية „عائلية “ استفادت من اقتصاد الريع بلا جهد ولا براءة استثمار في الحوض الاجتماعي الهش. إنها أزمة النموذج التنموي الذي تبناه المغرب منذ الاستقلال . نموذج أدى إلى تكريس الفوارق الإجتماعية وزاد من حدتها ، وزكى كثلة الفئات الهشة بواقع الحال بالزيادة في أعدادها .

القول بإنهاء الفوارق الاجتماعية في المغرب بالتمام هو مذهب مثالي / طوباوي . لكن إحداث وقفة يمكن القول عنها أنها أكثر من تأملية هي المرجعية الأولية التي يمكن من خلالها إحداث ثورة نموذجية تنموية بالمغرب ، تتميز بتقليص الفوارق أوليا في اتجاه القضاء عليها استقبالا بالتدرج . مع الدفع القانوني / الإجرائي  باستفادة كل الشعب من الثروة الوطنية بشكل يلجم الفوارق الحادة ويكبحها من التوسع .

نعيش لحظة سلطة الليبرالية “ المتوحشة “ مع حصولنا على أرقام قياسية – حسب التقارير الدورية للمندوبية السامية للتخطيط والدولية – غير مسبوقة في تضاعف مجموع الفقراء والعاطلين ، والسير السريع نحو إضعاف الطبقة الوسطى  إن لم نقل وأدها  وجرها نحو الإفلاس الاجتماعي بضمها عنوة إلى كثلة الفقراء . إن التقشف المالي الذي تطالب به السلطة التنفيذية من خلال الرفع  من مستوى الأسعار بالمقايسة …  والزيادة في قيمة الضرائب وتوسيع حقينتها، ثم بتجميد الأجور والحد من فرص التشغيل بالتقليص… إنها أسباب وغيرها جعلت من الطبقة الوسطى تقترب قاب قوسين من عتبة الفقر. فيما أصبح الوضع أشد وطأة على الفقراء بازديادهم فقرا مدقعا . هنا زادت الفوارق الاجتماعية، وأعلن ملك البلاد إصلاح السكتة القلبية بتنامي الفوارق الاجتماعية مرة ثانية في تاريخ الوطن.

إعلان الملك عن اتساع محور الفوارق الاجتماعية ، مرجعيته الأولى انكماش الطبقة الوسطى ، وهي المنشفة – أي الطبقة الوسطى – الواقية للصدمات الاجتماعية القاعدية … فالتبعية الإقتصادية والسياسية اللاشعبية – للحكومات المتعاقبة – زكت الفوارق الاجتماعية وجعلت الثروة تتمركز عند قلة من النخب السلالية تحت مظلة  “ المقاولة العائلية “ . نخب استغلت وضعية المغرب في شد الحبل بين القصر والأحزاب السياسية الوطنية ، فكانت مكافأة الإنحناء والخضوع امتيازات ريعية على حساب شريحة المعارضة  ب “ لا “ ولو بالصياح العفوي …

لا نلوم في اللحظة الآنية لا القصر ولا النخب السياسية الوطنية ، ولكن نقر بأن الأمر ضيع علينا أربعة عقود من التنمية الوطنية في حالة التوافق والتناغم .

عدم  رضى الملك على حصيلة المنجزات التنموية للوطن :“ لأنها مهما بلغت، ستظل دون ما نرتضيه لك شعبي الوفي. وإنما نريدها وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل، وطرح الكثير من التساؤلات حول مدى استفادة جميع المغاربة من التقدم الذي عرفته البلاد على كل المستويات خلال الخمس عشرة سنة الماضية“

فإذا كانت فئة المستحوذين على ثروات الوطن بالامتياز هي معروفة وبارزة لنا بالمعاينة ، وهي نفسها من وطنت بالتحنيط مقاسات الفوارق الاجتماعية بالمغرب الحاضر. فإن دعوة الملك إلى ضبط الرأسمال غير المادي لقياس الثروة الحقيقية للوطن أمر ضروي وأولي ، لأن هذا الرأسمال “ يتعلق بمدى مساهمة الطاقات البشرية في الثروة والإنتاج، خاصة فئة الشباب التي تزخر بالعديد من الكفاءات “ . إنها الخطوة الأولى التي أقرها ملك البلاد نحو العناية بالكفاءات البشرية الوطنية …  ثم التنصيص على طرق تقليص الفوارق الاجتماعية بمقاربة جديدة أساسها العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية .

الخلاصة المهمة من خطاب العرش – “ الخامس عشر“ – هو ثورة حقيقية من ملك البلاد على موجهات التدبير غير العادل للثروة بالمملكة ، وإعلان صريح لمن يهمه الأمر… من أن المغاربة شركاء بالتساوي في أحقية العيش الكريم .

 إنه خطاب الغضبة الملكية الصريحة على النخب السياسية… والحقيقة التي تلبسنا جميعا بالإمتنان هي مكاشفة الملك لشعبه بالوضعية الإجتماعية للوطن بفوارقه الصارخة ، وإعلانه الرسمي نحو إرساء أخلاق العناية بعدالة تحقيق الكرامة لكل مواطن مغربي .

 

ذ محسن الأكرمين : mohsineelak@gmail.com

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)