دخول مدرسي مكسر…

m

زايوبريس/ذ محسن الأكرمين

فإذا جاز لنا أن نسمي المملكة المغربية بأحد منتجاتها – (الثروة غير المادية ) – فإنه يحق لنا استيفاءها حقها بتسميتها ب “ مملكة الأزمات “ ، لسنا في قولنا هذا من مدمني العدمية ، لسنا ممن تلبسه السلبية جهارا تجاه الوطن ، ولكننا نسعى إلى تعرية أسباب الإخفاقات التي تركب مجموعة من القطاعات الحيوية الشعبية ، نسعى إلى ضبط مصفوفة الاختلالات المؤدية إلى الأزمة التي تكسر مستقبل أجيال بين أيدينا ….

بعد العودة من رحلة عطلة قليلة الأيام إلى مدينتي مكناس ، من جهتها الغربية للطريق السيار . وفي المدار الطرقي المؤدي إلى السوق التجاري . استوقف انتباهي أن الأثمان مكسرة في ممر الدخول المدرسي . ابتسمت لحال التعبير- “ وهي محصلة دعوة نور الدين عيوش من عملية التعبير بالدارجة “ – ، ثم تداخلت في مخيلتي مجموعة من الافتراضات لبناء جملة رديفة بدلالات مغايرة . فاهتديت إلى جملة شدت تفكيري بقوة ، حتى أنني سمعت منبهات السيارات بقوة تطلب مني الاستمرار في السير لعدم وجود علامة “ قف“ . وبعد أن „فقت “ من سهوي بإتمام عودتي ، وقولي باسم الله مرساها بمدينتي المهمشة ، والتي حتى مشعل قيادة الجهة سحب منها عنوة وألقي به إلى غريمها التقليدي … كانت الجملة البديلة للإشهار المشع الأنوار قد اكتمل بناؤها بنفس ركاكة التعبير الاشهاري ، فأصبحت بعد حذف الحواشي والتقديم والتأخير “ دخول مدرسي مكسر “ .

لما استوطنت جملة “ دخول مدرسي مكسر “ مخيلتي بثبات وفرضت نفسها بقوة الوضع . هل مرد الأمر إلى الأزمة المزمنة التي كسرت أسس المنظومة التربوية ، وطوحت بها إلى احتلال المراتب الأواخر من الترتيب العالمي ؟ هل للأمر علاقة بوضعية منتوج المدرسة العمومية “ المكسر “ بالعطالة والتعطيل ؟ هل أننا ألفنا مصطلح الأزمة وبات يلازمنا في جميع قطاعاتنا الحيوية ؟ هل هو خوفي مما اقترحته الحكومة من تكسير لعملية تنظيم التقاعد بالزيادة فيه هو الآخر؟ هذه أسئلة وأخرى تناسلت بالتناوب والتتابع وأخذت تأخذ موقعها الترتيبي للإجابة عنها .

هل حقا أن هذه السنة ستعرف دخولا مدرسيا مكسر الجوانح ؟  هنا اجتمع الإيجاب والقبول في القول ب “ نعم “ . فوضعية المدرسة المغربية سكتتها القلبية أعلنت جهارا، وبالتوافق المجتمعي التام مع مدبري القطاع .

فحتى الاستشارة الموسعة حول المدرسة العمومية والتي قام بها المجلس الأعلى للتربية والتكوين مسبقا ، ولحقت به وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني  بنفس الغايات . استشارات أخذت حجمها الموضعي من تداخل السياسي والمذهبي (…) في كل إصلاح مرتقب لقطاع التربية والتكوين . فرغم الدعوات المتكررة باستبعاد التأثير السالب للخلافات السياسية والمذهبية عن الحقل التعليمي ،فإننا آثرنا غير ما مرة تكريسها على مساحة بلاط المدرسة العمومية “ المكسر “ بحجة البحث عن عناصر التوافق الوطني ، والذي يمكن أن ننعته بالتوافق المصلحي /النفعي …البحث عن التوافقات السلمية „النفاقية “ بسكونية السطح وانضغاط القاعدة غير المستقر ، هو ما يدفع بنا إلى الشك في النوايا المبيتة للإصلاح الاستشرافي المرتقب . هل سنقوم بعملية تجميلية لما أفسدته تراكمات الإخفاقات المتتالية ؟ أم سنعرج على عطار مغربي خبر لعبة“ التسويق “ ، أو إلى خبير دولي „بدفتر تحملات يساوي الملايير“ لسد تجاعيد بؤس شيخوخة المدرسة العمومية ؟ أم سنعمل يدا في يد على تجفيف كل بقع الفساد والمفسدين من قطاع التربية والتكوين ، واعتباره قطاعا للتنمية البشرية الحقة ؟

الأغلبية تقول بالعودة – الحنينية – إلى دعامات الميثاق الوطني للتربية والتكوين الخاص ب (العشرية الوطنية للتربية والتكوين 2000 – 2009) وسحبه من الأرشيف الوزاري ، وتنميق ديباجته في حلة أنيقة منقحة حسب الطلب ، وكفى المغاربة شر التجديد والتطوير . لكننا نرى أن أمر الإصلاح قد تجاوز ما ورد بين الدعامات (19)  للميثاق الوطني للتربية والتكوين ، من تسنين للمرتكزات الثابتة للقيم ، إلى الغايات الكبرى وحقوق وواجبات الأفراد والجماعات ، فالتعبئة الوطنية لتجديد المدرسة العمومية يجب أن تكون بمقاييس ومواصفات جديدة ، ثم بمؤشرات دقيقة تحمل بين طياتها مصداقية الواقع ، مع ضرورة استحضار التحولات الوطنية والدولية المتلاحقة .

 تجاوز تم بفعل تسارع مجموعة من التحولات الداخلية والعالمية في كل المجالات (الاجتماعية ،الثقافية ،السياسية ،الاقتصادية … ) . إنها نقلة العولمة الاليكترونية التي لا تضع حسبانا لأي تأشيرة لتجاوز الحدود التربوية الدولية …إنها كذلك النقلة الدستورية 2011 لمغرب ما بعد الحسن الثاني .

 فإذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين – مثلا – يقول ب:“… مع الاستئناس في البداية – إن اقتضى الأمر – باللغات واللهجات المحلية “ (الدعامة 4). فان دستور المملكة 2011 اعتبر اللغة الامازيغية “ لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء“(الفصل 5) فرغم أن الصياغة اللغوية في ديباجة الدستور الأخير أوردت اللغة الامازيغية بدون تعريف (ال) وأفردت اللغة العربية بالتعريف (ال) … فإن أمر التعبير في هذا الموضع لا يغير من بنية التوطين للغة الامازيغية . ويمكن اعتبار الإقرار والاعتراف الدستوري  نقلة نوعية في إطار الدمقرطة اللغوية بالمغرب .  فالمساحة الزمنية – “ 15سنة “ من حكم الملك محمد السادس –  والتحولات العميقة في كل المجالات – (الاجتماعية ،الثقافية ،السياسية ،الاقتصادية …) – التي شهدها المغرب ، فضلا عن اجتماع مجموعة من الأسباب الملازمة بتقابلاتها وتبايناتها الداخلية والخارجية ، فإننا نقر أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين لم يعد يف في دعاماته بالحاجيات الداخلية والخارجية المستجدة لإصلاح قطاع التربية والتكوين  ، والبرهان البليغ حتى في عزعشريته لم يطبق منه إلا ما خف وقل وزنه المادي والبشري  ، وحتى البرنامج الاستعجالي قفز عليه بتنزيل مجموعة من المشاريع الأكثر جرأة مما حمل الميثاق بين دفاته . لكن القول بالاستئناس بما ورد فيه من “ تنصيص للمرتكزات الكبرى للقيم الوطنية “ هو قول لا يجانب صواب موجهات الإصلاح الاستشرافي المرتقب.

فإذا جاز لنا أن نسمي المملكة المغربية بأحد منتجاتها – (الثروة غير المادية ) – فإنه يحق لنا استيفاءها حقها بتسميتها ب “ مملكة الأزمات “ ، لسنا في قولنا هذا من مدمني العدمية ، لسنا ممن تلبسه السلبية جهارا تجاه الوطن ، ولكننا نسعى إلى تعرية أسباب الإخفاقات التي تركب مجموعة من القطاعات الحيوية الشعبية ، نسعى إلى ضبط مصفوفة الاختلالات المؤدية إلى الأزمة التي تكسر مستقبل أجيال بين أيدينا ، نطمح وبأضعف مسلك وهو الحلم “ النهاري “ إلى المطالبة بإقرار إصلاح بمقاربة „شمولية „عادلة ، وبمصداقية أخلاق العناية التي نص عليها الدستور(2011)  في مجال التضامن الوطني بمتتالية الكرامة والإنصاف لكل أبناء الوطن  .

لا أخفيكم كذبة  “ أثمان الدخول المدرسي مكسرة “ فهي لإفراغ ما بجيوبكم  ، لا أخفيكم صدق حجم الأزمة الهيكلية التي يتخبط فيها القطاع التعليمي وما على شاكلته من القطاعات الحيوية الإجتماعية … فموسم الدراسة قد حل وقته بنفس معايير الأزمة الماضية ، وباشتداد ضغطها عبر ارتفاع الأسعار نتيجة „مقايسة “ الحكومة .  والآن يمكن أن نجمل بعض أسباب المكسرة للدخول المدرسي:

  • رفض المكاتب المدرسية التعاقد مع المؤسسات التعليمية في إطار “ المبادرة الملكية مليون محفظة “ لعدم تسوية الوزارة الوصية للملفها المادي مع الكتبيين لموسم الدراسي : 2013/2014.
  • أثمان متضاربة في اللوازم المدرسية نتيجة تباينات في النوعية والجودة.
  • خوف دور الطبع من تغييرات مرتقبة تلحق البرامج والمناهج ،مما جعلها تقلص من النسخ المطبوعة إلى الحدود الدنيا .
  • الخصاص البين في الموارد البشرية … حيث يتم معالجة الأمر بالضم المفضي إلى الاكتظاظ …
  • الحالة البئيسة لمؤسسات التعليم العمومي نتيجة انسداد ميزانية الهيكلة والإصلاح .
  •  إقلاع الوزارة عن تزويد جمعية دعم مدرسة النجاح بميزانية القرب والأولويات مما جعل ألوان طيف “ جيل مدرسة النجاح “ تفقد بريقها وتعيد المؤسسات المدرسية العمومية إلى بؤسها القديم .
  • عدم الأخذ بمعطى مشاركة نسبة كبيرة من رجال ونساء التعليم في عملية الإحصاء ، مما سيربك الدخول المدرسي … ومواعيد الفروض المحروسة ، وإدخال النقط في “ برنامج مسار “ .
  • التحالف النقابي “ الحق“  ، فيما يعود إلى تنزيل الحكومة للقانون التنظيمي للتقاعد غير العادل لعموم الموظفين .
  • الإجهاز على القدرة المعيشية لموظفي القطاع …والدفع بالطبقة الوسطى نحو الإفلاس … وتجميد الأجور…
  • ثورة هيئة الإدارة التربوية في آخر بلاغات „مكتب الجمعية الوطنية لمديرات ومديري التعليم الابتدائي بالمغرب“ ، لعدم التزام الوزارة الوصية بما تم الاتفاق عليه وخاصة  مسألة “ الإطار “ وكذلك على الوضعية المأساوية التي تعيشها المدرسة العمومية في كفاف منتوجها  التخرجي .
  • المحالون على التقاعد والمرسوم الوزاري الذي كبل تقاعدهم إلى نهاية السنة ، فالحيف في استعمال السلطة أصابهم ،رغم أن تعاقدهم الأولي مع الحكومة كان بمتم 60 سنة . ثم بالله عليكم كيف ستكون مردود يتهم التعليمة وهو (ي) مكره (ة) داخل القسم لا بطل (ة).

إنها روافد نهر أزمات المنظومة التعليمية الرعدية المدوية جهارا ، والتي فصلها سينطلق مع بداية الموسم الدراسي . روافد لا يحد من تدفقها “ المكسر “  أي سد ولو علا ، فالسيل حجمه يزيد سنويا ومعالجته تتطلب الوطنية الصادقة من الأطراف الشريكة بالقطاع بدون إقرار لقرارات مركزية بالفوقية ،والقواعد ترفضها جملة وتفصيلا …  ثم الحسم في تحديد مرتكزات ومواصفات المدرسة العمومية في أي إصلاح مرتقب .

الأزمة تسكن كل القطاعات الحيوية للمملكة وتكسرها ، فمن قطاع العدل والفساد الذي يهز أركانه …، إلى الصحة والمتاجرة بصحة المواطنين… ، إلى التعليم ونكوص إشعاعه الإنتاجي بالتسرب وبامتلاك الحد الأدنى من الكفايات المعرفية والمهارية …، إلى السياسة و“ الشعبوية “ التي استوطنت أمناء أحزابنا ، ودفعت بنا إلى كره السياسة والسياسيين  …، إلى الاقتصاد وقول الملك : „… لا نريد مغربا بسرعتين.. أغنياء يزدادون غنى وفقراء يزدادون فقرا…“ …

إنها الأزمة حاضرة وبقوة ، ونعايشها كرها يوميا في حياتنا الفردية والجماعية ، وزاد كرهنا لها بافتقادنا لأمل الإصلاح الوجيه  . بالمقابل أحبها المنتفعون الوصوليون وأسسوا لها ناديا أعضاؤه  من اللوبي المصالحي / والانتهازي /النفعي …

كيف يكمن أن نحارب الأزمة “ الغول “  بجميع القطاعات و لها زبانية غلاظ شداد ، النوم لا يلازمهم البتة ، وطرف عيونهم لا يرتد … الأمر لا يخيفنا ولن يفزعكم ، فالدفع بالحرية إلى الأمام ، وحماية القانون بالمطالبة بالعدل والمساواة والكرامة … ثم بالأيادي النظيفة …، وبالفكر المستنير بالحداثة الكونية والثوابت الوطنية … كل هذه الأمور هي من جند الحرية التي لا نراها بالعين المجردة  ، والقادرة بالعزيمة والإخلاص الوطني على هزم زبانية حماية الأزمة .

 

ذ محسن الأكرمين : mohsineelak@gmail.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)