دروس من الصين‏

az

محسن زردان

من المفيد جدا تأمل هذا الحدث الآتي من جمهورية الصين الشعبية، التي غدت دولة تخيف العالم باقتصادها المتقدم ومواردها البشرية الضخمة، لقد أقدمت مؤخرا على القيام بحملة تطهيرية على عوالم الأنترنت، تستهدف محاربة المواقع التي تبث أفلاما وصورا وألعابا، تحمل مضامين إباحية، حيث أقدمت على إغلاق حوالي 110 من المواقع والقنوات الإباحية، وكذا 3300 من المنتديات المخصصة للدردشة، فضلا عن أكثر من 7000 رابط إشهار يحمل مضامين إباحية، حتى أن الشركات المتخصصة في إنتاج وتسويق ألعاب الفيديو، اضطرت إلى عدم إظهار المناطق الحميمية بشكل فاضح لأجساد الشخوص والأبطال المؤتة لتلك الألعاب.

إنه حدث فعلا يثير الانتباه، ويجعلنا نتساءل، ما الذي يجعل دولة كالصين الشعبية تتخذ هذه الخطوات، التي هي بالمنظور الغربي للأمور هي خرق وتعد على الحقوق والحريات الإنسانية، وهي للإشارة لا تسلم من هذا النقد في كثير من الأحيان، قد نجزم بأن ذلك نابع من التشبع بالفكر والحكمة البوذية التي لها نظرة حول العالم تقتضي بأن الحياة ما هي في حقيقتها إلا معاناة مستمرة لكون كنه الأشياء قدره انتفاء الديمومة، فضلا على أن أصل هذه المعاناةمصدره الرغبة والشهوة والسعي الدائم إليهما، مما يستدعي مجاهدة النفس للابتعاد عنهما قصد إدراك الخلاص.

قد لا يبدو الأمر مقنعا، إذا ما نبشنا في مسار الفكر السياسي الشيوعي الذي كان وما يزال تحكمه أيديولوجية مادية صرفة، تجعل منه نظاما شموليا يعلي من قيمة الجماعة على قيمة الفرد وينحو إلى الحفاظ على التماسك المجتمعي، وهذا ما يفسر تدخل الدولة الصينية كسلطة تثبت وجودها وتمارس سيادتها من أجل محاربة المد الإباحي، الذي من دون شك له تداعيات مدمرة على الأفراد والأسر والجماعات، فهو مد يقضي على قيم الحشمة والوقار ويساهم في اتساع دائرة الفساد والاتجار فيه، ويفضي إلى استسهال هذا المد الفضائحي، ليصبح اعتيادا بين مكونات المجتمع، حيث سيودي به إلى انتشار ممارسات شاذة، وكذا إفراز نسبة كبيرة من الأطفال مجهولي الهوية، يتم التخلي عنهم، حيث يخرجون للوجود نتيجة علاقات جنسية غير مشروعة تتم خارج إطار الزواج، مما يجعلهم ضحية الفقر التهميش والعلل النفسية الدائمة.

هذه الخطوة التي أقدمت عليها الصين تؤكد بالملموس استقلال سياستها وعدم انصياعها للضغوطات الغربية التي تحمل دوما سلاح حقوق الإنسان لزعزعة استقرارها، لكن واقع الحال يبين أن النجاح الاقتصادي للصين قد أخرس الألسن وجعل كل تلك الانتقادات تفقد جانبا كبيرا من مصداقيتها، حتى أن نموذجها أصبح يتم استلهامه من العالم برمته ومن الغرب بنفسه.

 

عند الإحالة على سياقنا العربي، نجد أن غالبية الدول العربية لا تملك خططا و استراتيجيات واضحة المعالم، حول مخاطر المضامين الإباحية في الشبكة العنكبوتية، وكيفية التصدي لها بغلقها ومنع تداولها، وكأننا غدونا ملزمين باتباع النمط الغربي الذي هو صاحب الفضل والسبق في إخراج هذا العالم التواصلي للوجود بحسناته كما بسيئاته

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)