على هامش ما يقع داخل الاتحاد الاشتراكي:

1

الآن فقط اتضح  لغز شعار „استقلالية القرار“ الذي رُفع في السباق نحو الكتابة الأولى

محمد إنفي

 

لقد استفزني (وحز في نفسي) مع وقع في الفريق الاشتراكي بمناسبة افتتاح الدورة الحالية للبرلمان، فعادت بي الذاكرة إلى الوراء وطفا على سطحها بعض مما علق بها في مناسبات مختلفة ومتباينة؛ لكنها تشهد كلها على الاستهداف الذي يتعرض له الاتحاد الاشتراكي حتى من بعض أبنائه.  

 لقد سبق لي أن عبرت عن حيرتي (من خلال مقال بعنوان“ لهذه الأسباب، استعصى علي فهم ما يقع داخل الاتحاد الاشتراكي وعلى هامشه“) مما يحدث داخل حزب المهدي وعمر من وقائع تستعصي على الفهم سواء من حيث طبيعتها أو من حيث بعض المساهمين فيها.

لكن اليوم حصلت لي القناعة بأن „اللعب كبير“ وأن ما روجته الصحافة المشبوهة عن المؤتمر الوطني التاسع وعن تدخل جهات أجنبية في اختيار الكاتب الأول للحزب وما إلى ذلك من الكلام المسموم والملغوم، لم يكن الهدف منه سوى التغطية على التدخلات الحقيقية للجهات التي لا تريد أي خير لهذا الحزب؛ بل ولهذا  الوطن. فالعمل على إضعاف حزب من طينة الاتحاد الاشتراكي (والذي يضع، دوما، مصلحة الوطن فوق مصلحة الحزب) لن يكون إلا في صالح  المتربصين بالبلاد ومؤسساتها؛ ومهما حاولوا إخفاء هذه الحقيقة (بالتستر وراء مبررات وذرائع  تتخذ، ظاهريا، صيغة الحق، لكن المراد بها، في الواقع، هو الباطل)،  فإن الأمر لن ينطلي إلا على المغفلين.     

لا شك أن المشاهدين، وبالأخص الاتحاديين منهم، يتذكرون كيف أن الأخ „أحمد الزيدي“ أقحم، بشكل غير منتظر، بما يشبه إلقاء الشعرة فوق الحساء (comme un cheveu sur la soupe)، شعار „استقلالية القرار“ في البرنامج التليفزيوني „مباشرة معكم“ الذي تبثه القناة الثانية، والذي خُصِّص، في سابقة هي الأولى من نوعها، للمتنافسين على الكتابة الأولي للاتحاد الاشتراكي . وقد كان لافتا أن ينفرد „أحمد الزيدي“ (القادم إلى الاتحاد من بوابة المؤسسات المنتخبة ومن مدرسة سياسية وإعلامية، نعلم من كان متحكما فيها في عهد الحسن الثاني) بالحديث عن استقلالية القرار داخل الاتحاد الاشتراكي أمام منافسين من عيار ثقيل، تربوا في مدرسة هذا الحزب وخبروا النضال في صفوفه في سن مبكرة واعتلوا سلم المسؤوليات التنظيمية „دَرْجة دَرْجة“ إلى أن وصلوا، نضاليا وديمقراطيا، إلى أعلى الهرم التنظيمي في الحزب… لذلك، لم يترك الأخ „الحبيب المالكي“، الذي التقط المغزى الحقيقي للإشارة، الفرصة تمر دون رد، منبها إياه، في التو واللحظة، بأن قرار الاتحاد كان دائما مستقلا.

 وقد كان هدف اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب من البرنامج، هو إشراك المواطنين في التمرين الديمقراطي الذي عاشه الاتحاد الاشتراكي، سواء خلال مراحل التحضير أو خلال أطوار المؤتمر. وكان على كل مرشح للكتابة الأولى أن يقدم برنامجه الانتخابي الذي سيدافع عنه أمام المؤتمرين؛ ومن ضمنه  تصوره التنظيمي الكفيل بإخراج الحزب من الوضعية التنظيمية المتردية التي كان عليها، وكذا تصوره السياسي لمواجهة التحديات المطروحة على الحزب وعلى البلاد.

لا أحتاج أن أذكر بموقع الاتحاد في الخريطة السياسية الوطنية والدولية، سواء في الماضي أو الحاضر. ولا أحتاج أن أؤكد بأن ما يتعرض له الاتحاد الآن من هجمات من كل الجهات (أليست الأشجار المثمرة هي التي تُقذف بالحجارة؟) ما هو إلا دليل على شروع الحزب، على يد قيادته الجديدة، في استرجاع بعضا من عافيته وقوته التي أنهكتها سنوات تدبير الشأن العام والأنانيات المريضة التي لا ترى العالم إلا من خلال مصالحها الضيقة.

      ليس في نيتي أن أستعرض أحداثا مؤلمة (ذكرني بها ما يقع حاليا في الحزب وعلى هامشه)، عاشها الاتحاد الاشتراكي في فترة تدبيره للشأن العام والتي تميزت بانشقاق „الأموي“ ومن معه (أو الأموي و“شعبه“) و“الساسي“ ومن معه؛ تلك الأحداث التي لم تنجح إلا في إضعاف الاتحاد، ولم يحقق أصحابها والمنظمات التي أنشئوها أي كسب سياسي يستحق الذكر.

ما يهمني الآن هو ما يقوم به „أحمد الزيدي“ ومن معه، والذي يسير على خطى „الأموي“ في الانشقاق، رغم ما يدعيه (بما يشبه „لعب الدراري“) بعدم الرغبة في ذلك. فإصراره على خلق تيار داخل الحزب ضدا على قرارات المؤتمر وضدا على القواعد الديمقراطية، لدليل على عدم سلامة الطوية وبرهان على أنه يعمل من أجل أهداف غير تلك التي يُصرح بها. والقرار الأخير للتيار بمغادرة سفينة الحزب ما هو إلا تنفيذ لمخطط خطير يستهدف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي بدأت تدب فيه الحياة التنظيمية والمؤسساتية بعد المؤتمر الوطني التاسع.     

شخصيا، حضرت المؤتمر المذكور وترشحت لجهازه التقريري، لكن صناديق الاقتراع لم تمنحني شرف العضوية في هذا الجهاز؛ وتتبعت، بعد ذلك، ردود الأفعال التي تلت هذا المؤتمر والتي عملت على تشويه الحقائق واختلاق أحداث لم يشهدها المؤتمر بهدف التنقيص من قيمة التمرين الديمقراطي الذي انخرط فيه الحزب، وبهدف تحويل النجاح الذي حققه المؤتمر إلى فشل.

لقد عملت ما في وسعي للرد، من خلال بعض المقالات المتواضعة، على المتحاملين على الاتحاد الاشتراكي، سواء كانوا من داخله أو من خارجه. ولم أأبه لا بالعلاقات الخاصة التي تربطني ببعض من انساقوا، لأسباب أجهلها، مع طرح „الزيدي“، ولا بالتأويل الذي يمكن أن يعطي لموقفي ولكتاباتي. ولن أتوان في رفع صوتي ضد كل مساس بشرعية مؤسسات الاتحاد الاشتراكي.

 وإذا صح ما راج بالصحافة من كون „تيار الزيدي“ قد قرر مغادرة سفينة الاتحاد الاشتراكي، فإن ذلك لن يكون إلا تحصيل حاصل. لكن ليعلم „الزيدي“ ومن معه بأنهم ليسوا بأفضل ولا بأقوى مما كان عليه „الأموي“ ومجموعة „الساسي“، يوم قرروا مغادرة سفينة الاتحاد الاشتراكي وركبوا سفينة الأنانية والغرور، فغرقت بمن فيها. لكن سفينة الاتحاد نجت من الغرق رغم الأعطاب الإرادية والمتعمدة التي أُلحقت بها.

    إن الشعارات المرفوعة، حاليا، لاستدرار عطف المناضلين الغاضبين منهم والغائبين عن الساحة لهذا السبب أو ذاك، لا تختلف عن الشعرات التي رفعها من سبقهم إلى محاولة تدمير الاتحاد. ولن تنجح  الشعارات الرنانة في إخفاء الأهداف الحقيقية التي عبر عنها „الزيدي“ بدون قصد خلال البرنامج التلفزيوني الذي أشرنا إليه والذي حاول، من خلاله، تسويق صورة له، مخالفة تماما لما يضمره في نفسه. وقد فضحه الشعار الذي اعتقد أنه سيكون نقطة قوة في خطابه. ولذلك تصدى له „المالكي“، في الحين، كما أسلفنا.

والآن، فقد ظهرت الحقيقة ساطعة للعيان. فحديثه عن „استقلالية القرار داخل الاتحاد الاشتراكي“، هو تعبير غير ذكي عن مخطط سري، لا يعلم الجهة أو الجهات التي تقف وراءه إلا لله وحده والمعنيون بتنفيذه. فلإصرار على تقسيم الحزب (أو على الأقل التشويش، من الداخل، على انطلاقته الجديدة) لا يمكن أن يكون قرارا مستقلا لمتزعم „التيار“؛ وربما يتجاوز الأمر حتى من يستشيرهم فيما يكون مقدما عليه من مواقف. لقد أظهرت الأحداث أن حديثه عن „استقلالية القرار“، كان بمثابة سبق إسرار وترصد  لإعدام استقلالية القرار داخل الاتحاد، لو قدر له أن يصل إلى الكتابة الأولى. لقد أراد استباق الأحداث، فكان كذاك الذي قال لصاحبه: „إلى عرفتي شنو في قبي نعطيك منو تفاحة“. لذلك، أعتقد أن ما يقوم به حاليا، ليس إلا من باب إثبات الذات من أجل التدليل على أنه „عند الكلمة“.

بالرجوع، قليلا، إلى الوراء، أي إلى ما قبل المؤتمر، ندرك الكثير من الأشياء التي توضح  بعضا مما يقع الآن. فترشيح „أحمد الزيدي“ لم يكن واردا في البداية. فمن كان يتحرك لحشد الدعم لنفسه هو „أحمد الشامي“ إلى أن تم تنبيهه بأنه لا يتوفر على الأهلية لدخول سباق الكتابة الأولي لعدم توفره على الأقدمية المطلوبة. عند ذلك تم البحث عن البديل ولم يكن غير „أحمد الزيدي“، لأهداف بدأت تتضح، الآن، شيئا فشيئا.

وهذا لا يعني أن كل من يساند طرح „الزيدي“، فهو يشترك معه في نفس الدوافع ونفس الأهداف. فهناك من لا  يحركه إلا الحقد على „إدريس لشكر“؛ وهناك من يحركه فقط التمسك بالموقع (إذ يرى في إحياء التنظيم تهديدا لموقعه)؛ وهناك من يجعل من المزايدة (والأصح الابتزاز) وسيلة لضمان التزكية في دائرته الانتخابية؛ وهناك من هو غاضب من عدم  تمكنه من الفوز بمقعد إما في اللجنة الإدارية الوطنية أو في المكتب السياسي؛ وهناك من شعر بانتهاء „صلاحيته“ السياسية مع القيادة الحالية؛ وهناك من تحركه الرغبة في الانتقام؛ الخ. لذلك، قلت في مقال سابق بأن أصحاب „الزيدي“ شعوب وقبائل“. فهم ليسوا تيارا واحدا، بل تيارات؛ ما يوحد بينها، ظاهريا، هو العداء للكاتب الأول،“إدريس لشكر“؛ وباطنيا، الله وحده يعلم سر كل واحد منهم. لكن، بفعلتهم هذه، فهم لا يخدمون إلا مصلحة أعداء الاتحاد الاشتراكي؛ وما أكثرهم !!!         

خلاصة القول، لو كان ما يهم „أحمد الزيدي“ هو استقلالية القرار داخل الاتحاد الاشتراكي، كما ادعى في حملته الانتخابية، لشكل معارضة داخل الجهاز التقريري للحزب لمواجهة كل توجه يراه لا ينسجم وقرارات المؤتمر. وكان هذا سيعطيه، بقوة القوانين والأنظمة الداخلية، شرعية ومشروعية لممارسة حقه في النقد والانتقاد. أما ما يقوم به حاليا، فلن يقنع به أي مناضل ليس له من حسابات إلا حساب مصلحة الحزب…  

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)