الكتاب الأسود

 

ذ.أحمد الجبلي

إن النظام الإسلامي عندما عمل بالبيعة إنما أراد بذلك أن يكون الشعب راضيا مرضيا، أي أن يكون هو من يحدد ويختار من يحكمه..ومع احترام هذه الإرادة يحصل الانسجام والتوافق الذي تتأسس عليه أي تنمية، وبالتالي يتم التلاحم والتعاون، قيادة وشعبا، من أجل دفع عجلات هذه التنمية نحو تقدم البلاد..فالحاكم المغتصب أو الذي يريد أن يحكم بالقوة..فمنطلقه خاطئ وهو مؤشر على الظلم والفساد الذي ينتظر هذه البلاد ومؤشر على العنف والإرهاب الذي يطال العباد.
إن الهمجية الصهيونية التي يتعامل بها الدكتاتور القذافي مع شعبه تعبر بالملموس إلى أي مدى يتشبث الحاكم المستبد بالكرسي.. حيث يتشبث به إلى درجة أنه يمكن أن يقتل كل الشعب ليبقى حاكما..ولست أدري من سيحكم حينها .. هل يمكن أن نتكلم عن حكم أرض عارية أو حكم بلاد خالية من سكانها أم يمكن أن نتحدث عن حاكم يعيش وحده حاكما على جزيرة مهجورة.. وسيتلذذ بإلقاء خطب على الأشجار والأحجار. وسيعقد مجلسه الواحد الأوحد مع ذاته ليخطط لتنمية الجزيرة وازدهارها..وسيكون هو الحاكم والمحكوم وهو المهندس والعامل والمدير والمقتصد..إنه الحمق الذي ما بعده حمق أن يعمد رئيس دولة إلى قتل شعبه وإبادته دون رحمة ولا شفقة ودون أدنى تفكير، وأن يلجأ إلى تدمير وتفجير آبار النفط التي تعتبر ملكا لهذا الشعب وهي مورد رزقه ومعيشته. ألهذا الحد يمكن أن يصل جنون الاستبداد والفاشية والتعلق بالكرسي..هل يعقل أن يباد شعب بأكمله من أجل الشعور بنشوة السلطة. إن هذا الدكتاتور يجعلنا رغم أنوفنا نضطر لشكر  بن علي ومبارك لأن الجنون الذي وصل إليه لم يصلا إليه رغم طغيانهما..ولهذا يمكننا أن نتحدث عن أنواع متنوعة ومختلفة من الدكتاتوريات..فالدكتاتور هتلر كان يحب شعبه ويجلب له الخيرات ويوسع عليه في داره ولو على حساب الجيران وباقي دول العالم..والدكتاتور بن علي فهم بعد 23 سنة أنه عليه الهروب والفرار بجلده، ورغم فراره ورغم جبروته لكنه ترك تونس للتونسيين، ومبارك لم يستطع المقاومة والصبر ولم يستطع مواجهة إرادة الشعب فتنحى..ولكن الدكتاتور القذافي لعنة الله عليه إلى يوم الدين..اختار أسلوبا وطريقة جديدة ملعونة لم يسبقه أحد إليها في التاريخ وهي الدخول في حرب مع شعبه..وتهديده بالإبادة حتى لا يبقى منه رجل ولا امرأة. فتجند لحرب برية وجوية ضد الأطفال والنساء والشيوخ لا تميز بين صغير ولا كبير..بين سقيم وسليم..ولا بين شاب وشيخ.
إن هذا الدكتاتور الملعون، حق للدكتور يوسف القرضاوي أن يحل دمه، والعالم الإسلامي كله من خليجه إلى محيطه رحب بهذه الفتوى ورأى فيها عين العقل، كما رأى فيها حق الشعوب في الثورة والتمرد ضد كل دكتاتور في حجم القذافي. إن التاريخ ابتداء من 17 فبراير سيبدأ في  تغيير القاموس ويضيف مسميات جديدة منها مصطلح „القذافية“ والتي تعني أبشع أنواع السادية المقيتة التي تجعل الطغاة يقتلون شعوبهم ويبيدونهم ويتوعدونهم بالزحف المسلح..ليبقى لهم الخلود والاستمرار في الحكم ولو في بلاد خالية خاوية على عروشها لا شعب فيها ولا رعية.
إن حكم الشعوب بالقوة قد نجده قديما إذ كثير من الحكام جاءوا على ظهر دبابة، وعلى إثر انقلابات عسكرية عنيفة فوجد الشعب نفسه مبتلا بحاكم عسكري يحكمه بقوة السلاح، والنظام العسكري ألف منهجا خاصا في تكناته العسكرية حيث أن البند الأول من القانون العسكري يقول إن المسؤول على حق، والبند الثاني يقول: إن المسؤول دائما على حق..ولهذا فمثل هؤلاء الحكام لا يمكن أن يفتحوا المجال للديموقراطية في بلدانهم كما من الطبيعي جدا أن يزجوا في السجون والمعتقلات كل من سولت له نفسه التلفظ بكلام يخدش كبرياء الحاكم المستبد ويطعن في ديمقراطيته التي فصلت في معامل تفصيل الملابس العسكرية…وبهذا نفسر كيف أن القذافي استطاع بكل سهولة ويسر التضحية  بكل الشعب من أجل البقاء وحكمه عنوة رغم أنف أبيه. إن القذافي يعتقد اعتقادا راسخا بأنه على حق وأن الشعب الليبي على خطإ وفي ضلال مبين حيث ما كان عليه أن يتمرد أو يعلن العصيان المدني على حاكم عسكري هو العقيد معمر القذافي..إن ما لم يعرفه مثل القذافي من الانقلابيين هو أن بلدانهم ليست ثكنات عسكرية وأن شعوبهم ليسوا جنودا وعساكر..بل هم مدنيون يريدون حكما مدنيا يحكم بالديمقراطية وأن لهم الحق كل الحق في أن يختاروا من يحكمهم ويرضونه حاكما ورئيسا ، ومن حقهم أن يكون لهم هيئات ومجالس تشريع ووزارات وقضاء مستقل، إنهم يرفضون اختزال دولة بكل ما فيها من هيئات ومؤسسات في شخص واحد هو الزعيم الأخضر..إن الشعب ليس له حرج أن يكون له كتاب أسود لكنه كتاب بين مضامينه قوانين بيضاء شفافة تعطي الأولوية للعدل في توزيع الثروات والحق في التعبير والاختيار والانتخابات النزيهة..عوضا أن يكون لهم كتاب ظاهره أخضر وباطنه من قبله السواد والقمع والطغيان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)