التضامن السياسي في المغرب

 

ذ.أحمد الجبلي
اتهمت عمدة مدينة استكهولم السويدية وعضو برلمانه وأمين عام أحد أهم الأحزاب  بالفساد الإداري حين أقدمت على ملء خزان وقود سيارتها الخاصة واستقطاع الثمن من دفتر بطاقات حكومية، فاندلع زلزال إعلامي كبير ومدوي من حولها..والكل تساءل أي حق وأي قانون يخول لعمدة المدينة أو العضو البرلماني أن يملأ سيارته الخاصة بالبنزيل ببطاقات حكومية؟ والكل تساءل لماذا تصرفت في ملكية عامة لشأن خاص؟ لماذا خانت الأمانة وهي حاكمة المدينة؟!. وتحركت الجمعيات ونشطت الصحافة بجميع أنواعها وعقدت التجمعات والندوات والمحاضرات ..الكل يتحدث عن هذه الخيانة العظمى التي لا تغتفر وعن الأضرار التي لحقت من جرائها بسمعة البلاد والمواطن السويدي النزيه والشريف. وامتثلت السيدة العمدة أمام المحكمة كأي ابن من أبناء الشعب..وقامت بشرح الملابسات بأنها لم تكن تملك نقودا فأدى بها الاضطرار إلى فعل ذلك..ولم تكن تقصد لا السرقة ولا استغلال المنصب ولا الحصانة
. ولكن كلامها لم يكن ليقنع القاضي فخاطبها بلهجة شديدة: هذا لا يبرر فعلتك وبما أنك لم تكوني تملكين نقودا فأحرى بك أن تركبي الحافلة كباقي الناس. وقد انتهت المحاكمة بالإدانة الشديدة على إثرها اضطرت السيدة العمدة إلى دفع استقالتها وسحبت منها عضويتها في البرلمان وعلقت جميع مناصبها مما دفع بها دفعا لأن تكون كأي واحد من أيها الناس لا تملك وظيفة ولا منصبا بل مجرد سيدة قابعة في بيتها كآلاف السيدات.
فلو قمنا بمجرد مقارنة بسيطة بين ما قامت به هذه السيدة وما هو الشأن عندنا، لقلنا بأن السيدة العمدة لم تفعل شيئا على الإطلاق..لأن ما فعلته يعتبر خطأ بسيطا جدا لكونه عملا اضطراريا يمكن أن يتعرض له أي إنسان مهما كان منصبه أو شأنه. ومن من الناس لم يتعرض لنسيان نقوده أو محفظته ببيته، ومن لم يسافر دون أوراق سيارته..
ولكن عندنا نحن، الحمد لله لا يمكن أن تقع مثل هذه الأخطاء لأن الشخصيات البارزة عندنا لا يمكنها الحديث عن مجرد البنزيل التافه..ولا عن شيء خاص وآخر عام..لأنهما يجتمعان بشكل طبيعي لدينا فالخاص والعام متحدان لا ينفصلان منذ قرون وبالفطرة. كما أن مما يميزنا هو التضامن الاجتماعي المستميت. فلا يمكن للحزب أن يترك رئيسه أو أحد أعمدته الكبار يواجه مشاكل من مثل ما وقع للسيدة العمدة..فحتما هناك لدى الحزب الكثير من المبررات والتخريجات التي تخرجه من مأزقه كالشعرة من العجين. فنحن نختلف جملة وتفصيلا عن باقي بلدان أوربا التي ليس بها تضامن ولا تضافر ولا تفكير جماعي لإيجاد مخرج لقياداتها عندما تختلس أموالا أو تسرق صناديق أو تتهرب من الضرائب..
لازلت أذكر عندما حل أمين عام لأحد الأحزاب المغربية ضيفا على الجزيرة إبان الانتخابات التشريعية الماضية فكان السؤال الأول الموجه إليه هو سؤال حول قضية من أهم قضايا القرن المتعلقة بتوفير مناصب شغل مزيفة ذهب ضحيتها آلاف الشباب. فمباشرة بعد هذا السؤال المعضلة توحدت جميع صفوف وهياكل الحزب، وتضافرت جهود مناضليه في وحدة نضالية لامثيل لها وتكافل اجتماعي لا نضير له فرفع الجميع شعار: “لا جزيرة لا مريكان”..هكذا نحن يساند بعضنا بعضا في جميع الأزمات عفوا الاختلاسات والانتكاسات. ولكن نسي مناضلو هذا الحزب أن في المنطق القرآني يعتبر الجميع مذنبا عندما يقوم بتزكية فعل مشين..لأن الله تعالى اعتبر قوم صالح كلهم مذنبين فقال ( فعقروها) ولم يقل (فعقرها) وإن كان الفاعل واحدا منهم فقط. ولكنهم بسكوتهم عن هذا المنكر وتواطئهم الجبان أخذوا جميعا بجريرة الفاعل.
فعمدة استوكهلم لم يشفع لها أحد، ولم يدافع عنها أحد، ولم يبادر حزبها بطمس القضية وتلوينها بألوان أخرى، أو بإنكار القضية أصلا وجلب شهادة تثبت بأن السيدة كانت حينها تعالج في أمريكا. كما لم يفكر مجرد التفكير في الاتصال بأصحاب النفوذ الكبار وتمرير الملف في صمت حتى ينسى ويمر مرور الكرام. إننا نحن المغاربة منذ أن خرج الاستعمار ونحن نحلم بمشاهدة محاكمة علنية لأحد الكبار عندما يتلاعب بأموال الشعب أو يستعمل نفوذه لممارسة الضغط على مواطن ضعيف أو يمتثل للقانون كباقي إخوانه عندما يوقفه شرطي المرور وهو يجري بسرعة 180 في الساعة في الطريق السيار. فمن غرائب الأمور أن كاميرات المرور لا تمسك هؤلاء كأنهم أشباح لا يمكن رؤيتهم بنفس الكاميرات المبرمجة فقط لترى أبناء الشعب، أو يدخل السجن وتسحب منه أوراقه بعد قتل مواطن مسن كان يهم بقطع الطريق..أو يحاسب عن ممتلكاته وضيعاته وفيلاته الشاطئية التي صار يمتلكها بعد سنة من نجاحه في الانتخابات التشريعية.
كنا نحلم أن نرى محاكمة الذين سرقوا صندوق الضمان الاجتماعي وصندوق القرض الفلاحي وصندوق التقاعد والبنك الشعبي..وباقي الصناديق التي ثقبت من تحت وليس من فوق. حتى يتحولوا إلى عبرة لمن يعتبر. قرأت في إحدى الجرائد أن رئيس بلدية في مدينتي سرق ما سرق ونهب ما نهب واستولى على الكثير من العقارات والدكاكين. ولما حوكم عوقب بألف درهما كدعيرة وبالسجن لمدة ستة أشهر. فقلت في نفسي إنه عمل رائع ومشجع على السرقات والنهب وأكل أموال الشعب..فمن من الرؤساء اللصوص لا تغريه هذه المحاكمة بالسطو والسرقة والاستيلاء على أراضي وأموال الغير..أليست محاكمة من هذا النوع محاكمة صورية كاريكاتورية لا تحقق ردعا ولا تبعث رسالة؟؟ وبالتالي لا داعي للاستغراب إن استمر الفساد المالي والإداري تتوارثه الأجيال تلو الأجيال.
في الأمس القريب كان الحديث جاريا عن  مدونة السير، والحديث عنها هو حديث في العمق جميل جدا لو تتوفر شروط تطبيقها كاملة دون نقصان وتطبق على الجميع. فالإنسان الضعيف المغربي ( ولد الشعب)دائما على استعداد أن يؤدي ما عليه حتى ولو كان قضاء مدة معينة في السجن عندما يعلم أن الجميع سواسية أمام القانون. وسيؤدي أي ضريبة يحاكم بها جراء مخالفة ما وهو مسرور جدا لشعوره بأن حتى السيد الوزير نفسه لو كان مكانه لأدى هذا الحق ولما تملص منه ولما وجد من يتستر عليه أو يشفع له. ولكن أن يكال بمكيالين وأن يطبق هذا القانون فقط على الخضار صاحب الشاحنة المسكين، ويطبق على السائق المأجور، وعلى مالكي سيارات رونو 4 و رونو 12 وسيمكا وإير 18. ولا يطبق على السيارات السوداء الشبح المخيف التي أول من يخاف منها هو الشرطي نفسه الذي أحيانا حماية لنفسه ولمهنته يدير لها ظهره ( عين ما شافت وقلب ما وجع) وأخيرا نقول: هنيئا لأوربا بمجتمعها وبصحافتها وبمسؤوليها الذين يهرعون للاستقالات فورا حياء من سوء تقديرهم للأمور، وعلى الأقل فيهم حياء أما من عندنا فلا حياء له فإنه لا زال ينهب وينهب إلى أن يعمل على توريث هذا النهب لعائلته من بعده،هذا إن كان قد ترك لعائلته من بعده ما ينهبون.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)