أحـوال النــــــــاس : أيـن الخـلـل ؟

 

حرقة هذا العام دفعتني لأكتب  ليس للشكوى او التذمر من النمط الذي يسود حياة المجتمع الذي ولدت و ترعرعت فيه ، لأن ذلك تحصيل حاصل و بمثابة وضع الملح على جرح مفتوح  كبير متصل ، و إنما لدي وجهة نظر مختلفة لتحليل بعض المواقف و التصرفات التي قد تكون من المؤثرات الأساسية التي  في نظري تقف عائقا أمام تطور السلوك النقدي و الفكر التحليلي لأفراد المجتمع المغربي و ايضا بشكل عام أمام تحررهم الأخلاقي و الاقتصادي و السياسي.

و في هذا المقال ارتأيت أن أقف على أهم الأمور التي أثارت انتباهي بشدة في زيارتي الأخيرة للوطن و أنا من المغاربة المواضبين على زيارة المغرب كل سنة و من الغيورين على وطني و انتمائي الأول بقوة و بحرارة.

ربما يكون الاختلاف الكبير بين الحياة بأمريكا و المغرب عاملا أساسيا في رسم تصوراتي الحالية للواقع بموطني الأصلي و أيضا في نكون هذا الاعتقاد العنصري الذي أستنكره دوما على نفسي بتخلف نمط التفكير و رجعية السلوك الاجماعي السائد ببلدي الأول . هذا النمط الذي جعل حياة الناس هناك أكثر تعقيدا و صعوبة  في الأمور  المعيشية البسيطة و المعقدة على السواء .

وقوفي الشخصي على بعض من هذه التعقيدات هو الذي دفعني الى الاعتقاد بأن تحميل المسئولية للحاكم أو الحكومة فقط قد يكون أحيانا حكما غير عادل بالمرة و إنما وجب تعميمها على الجميع .

ففي بعض السلوكات التي رأيتها بنفسي أو سمعت عنها من أصدقائي تكونت لدي قناعة راسخة بأن موطن الخلل و العائق الذي يقف أمام تطور المجتمع المغربي يوجد في جسد هذا المجتمع و في قلبه و رئته و عينيه و قد توجد أسباب خارجية  تبطئ عجلة سير هذا المجنمع لكن تأثير ها  يبقى نسبيا و ضعيفا و انما الداء الذي أصاب جسد هذا المجنمع جاء من ثقافة الناس و تربيتهم و نكوينهم النفسي و الأخلاقي داخل المجتمع و ليس خارجه و هذا يظهر جليا في طريقة المعاملات بينهم و في طريقة النقاش و الدعابة و في بعض السلوكات على الطرق و في الحافلات و القطارات و غير ذلك من التجمعات التي تتطلبها الحياة الاجتماعية المعاصرة ،  بعض هذه السلوكات منطرفة و صبيانية عديمة المسؤولية و بعيدة على مجتمع يوصف بأنه مسلم و ذو تاريخ قوي و مشرف جدا .

عندما كنا نجلس في المقهى فيثار مثل هذا الموضوع ، بعض أصدقائي كان يناقش و يدافع على فكرة أن الخلل الموجود هو في النظام القائم و بعضهم كان يناقش و يرجع السبب الى القصور الموجود في القانون . لكن وقوفي في بنفسي على بعض السلوكات دفعني و بقوة الى إعادة النطر في كل هذه التحليلات ، فعدم تطبيق أو تجاوز  القاضي أو الشرطي للمسطرة القانونية لا يعني قصورا في هذه المسطرة و انما هي مسؤولية أخلاقية للشرطي أو القاضي أو الموظف بالعمالة أو المحكمة أو المقاطعة  أو كل من سمحت له نفسه بمخالفة القانون و العرف و الدين و الخلق و باع ذمته و كرامته بثمن بخس دراهم معدودة .

فبطبيعة الحال أن الملك أو الوزير الأول أو الحكومة ليسوا بإلاه يرى و يعرف كل ما يفعله كل مواطن في سره و علنه في بلد شاسع كالمغرب تعداد سكانه يزيد عن 32 مليون نسمة و انما السلوكات التي يخالف فيها أصحابها القانون و الدين و العرف هم وحدهم من يتحملون مسؤوليتها أمام الله و أمام الناس فلا أحد يجبر الشرطي  أو الفاضي على الظلم أو أخد الرشوة  من أجل عدم تحرير مخالفة أو من أجل تزوير حكم  و حتى الطرف المدني يتحمل مسؤولية أخلاقية في هذا عندما يأخد ما ليس من حقه أو يرفض دفع ثمن للخطأ الذي ارتكبه تماذيا و استكبارا منه . و هذه الأخطاء تحدث بكثرة سواءا من المواطنين العاديين أو من المواطنين المسؤوليين الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون و لا يعترفون بسلطته و قدسيته كونه الضامن الوحيد لمجنمع منمدن متحظر و منظم. و انما في في الفكر المتحظر الراق يعتبر احترام القانون  هو المميز الأول للحياة الراقية، كون القانون  ينظمها و يجعلها راقية و يدفعها للتطور و التميز عن الحياة البدائية التي كانت تسودها الفوضى و الظلم  ، و رفض القانون أو الرغبة في  تجاوزه إنما  هو دليل على نزعة بدائية في الانسان حتى لو كان وزيرا أو واليا أو وكيلا للملك أو مواطنا عاديا.

هذه اللخبطة التي يعيشها المجتمع المغربي مند فترة  و التي رمت بالمواطنين البسطاء في بحر الشك و انعدام الثقة و الاحترام لبعضهم البعض  هي بسبب الثقافة السائدة  و بسبب تراكم الأخطاء و التغاضي عنها أو معالجتها بشكل غير صحيح و واقعي و في بعض الأحيان انعدام التصور الواضح للحياة  الناجحة و المنظمة و نفس هذه اللخبطة التي تسير بها الأمور بالاضافة الى انعدام الثقة  هما اللذان يؤثران على راحة المواطنين النفسية و على طريقة معالجتهم لمشاكلهم الاجتماعية في ما بينهم مما يؤدي الى ظهور سلوكات شادة و متطرفة و عنيفة كقتل الزوج لزوجته او العكس أو الأم لأبنائها أو الابن لأمه أو قطع الطريق و كل هذا بسبب الانحرافات الشخصية و انعدام الضمير و المسؤولية لبعض الناس الذين تغلب على حياتهم المصالح المادية فيدفعون بالأمور الى الأسفل و بحياة بعض الناس البسطاء الى الهاوية.

يحكي لي أحد أصدقائي وقائع قصة تلخص بشكل جلي تفاصبلها التحليل الذي سبق: فبسبب بعض المشاكل النفسية و الإجتماعية داخل أسرتها اظطرت فتاة الى ترك بيتها دون أن تعرف وجهتها و انما ركبت الحافلة و طلبت من الكورتي ورقة ، و الصدفة أن ما تملكه من مال لم يكن كافيا لإيصالها للمدينة المتوجهة اليها فأنزلها صاحب الحافلة في مدينة صغيرة و هنا أتفادى ذكر الأسماء تفاديا للحرج ، فقد كان لديها 45 درهم و هذا الثمن بالكاد يوصلها الى مدينة و….. فركبت الفتاة و هي تأمل ايجاد المساعدة على متن الحافلة ، لكن لسوء حظها لم يكن هناك من شهماء أو محسنين على متن الحافلة فاجبرها صاحب الحافلة على النزول  أو الدفع ، فنزلت في مكان ليس بمحطة و إنما هو مجموعة مقاهي تدفع لصاحب الحافلة و ذلك للإستفادة من وقوف الراكبين بالمكان لبيع منتجاتهم .

عند وقوف الحافلة بهذه المدينة كانت الساعة تقريبا تشير الى الثانية بعد منتصف الليل  و كان المكان شبه خال من المارة . فقط بعد بضعة دقائق من مغادرة الحافلة للمكان وجدت الفتاة نفسها محاطة ببعض شباب المنطقة الذين أرادوا جرها لمكان بعيد من أجل الاعتداء عليها جنسيا ، ضلت تقاوم الى أن تدخل أحد المواطنين الذي تصرف برجولة و شهامة فدفع عنها الشباب و أخد بيدها و أخدها الى مخفر للشرطة كونه المكان الوحيد الذي يمكنها الاحتماء فيه الى أن تجد حلا لمشكلتها .

لكن الحظ  هذه المرة لم يحالف لا الفتاة و لا الرجل الذي ساعدها فعند وصولهم الى مخفر الشرطة كان رجل الأمن المسؤول الوحيد الموجود بالمكان و كان نائما ، ثار غائضا بعدما قطعا عليه نومه و ازداد غضبه لما سمع قصة الفتاة فنظر الى الرجل الذي معها و صرخ في وجهه أأيقضتني من نومي من أجل هذه الساقطة . فكتب بالاثنين محضرا متهما كلاهما بالدعارة و وضعهما في الحجز كي يقدمهما اليوم الموالي للمحكمة . حلت المشكلة بعد تدخل بعض السكان الذين شهدوا الأحداث، لذى وكبل الملك فأطلق سراح الرجل الذي قضى ليلة في السجن من أجل شهامته و قضت الفتاة ليلة بالسجن كذلك ظلما .

مثل هذا الحدث يقع و هو ليس مسؤولية الملك أو الحكومة  أو القانون و إنما هو بسبب الجهل و الظلم الذي زخرف حياة المجتمع المغربي المسلم و خصوصا فئة المخزن الذي صار معروفا بالانحراف و الظلم من أجل المال .

عن تازةسيتي

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)