لحن الحياة … وسر الوجود…

8

زايوبريس/ ذ محسن الأكرمين

… الحب ليس نطفة تلقى في رحم الأم …الحب ليس شعورا بالانتماء إلى الصنف الدموي …الحب سطوته في حياتي أقوى من الإبحار بسفينة والشعور أن الوصول محال إدراكه …

توالت الأيام وتوالت بينها فواصل تكبح بشدة مسار الحياة العادية ،مقاطع الحياة نجهل ما خبأه المستقبل لها . رجعت لنفسي وأحصيت سبحة حياتي … سلتي الآن ليست بالفارغة …لكن كسبها اللامادي خف وزنه …كانت سلتي الأولية تحمل عبق العطر وتتزين بالابتسامة . رعايتها تشبكت بالأصابع إلى أن أينعت …لحظة ، وفي غفلة ليلة مظلمة حان قطافها… قطافها طوح بنا نحو افتحاص الأيادي الفارغة من هول المصيبة … ألقي بنا حيث لا ندري عنوة أو طوعا  في الفراغ العاطفي و الموضعي …لا ألوم القدر بعلوه … ولكني قد سكنتني أوجاع القهر والنكبة … الإشفاق لحالي بوضعي المأزوم أصابعه تلاحقني في كل مستند شمل وجودي ولو بالحضور اللحظي … ركنت حياتي جانبا لا أسائلها البتة  ، ووقفت أرقبها لا أقول لكم من قريب أو من بعيد . ولكني الآن فقدت قيمة الزمان بتوالي الأيام وبعد المكان بالاتساع والعمق … يوم يسبقه يوم ،لا أحصي ليله ولا نوره . أسحب خيوطي كشعرة معاوية من العجين … في حين وجدتها تكسرت بالتلف والتقطع …ولم أستطع لم الكبة مرة ثانية … عيناي يا من كان الدمع لا يلازمهما ،الآن احتل المقلة عنوة وأعلن الحداد بمطر ليس في فصله الطبيعي … فيما العقل تحصن بالألم وألقى بظله الأخطبوطي على الشعور والإحساس العاطفي…

أسهل الكلام أستنجد به ،وكأني أضمد الجرح …أسحب مفرداتي من الحمد إلى الإيمان القطعي مرورا بالصبر …وحين أتم سبحتي لا ألوي على شيء إلا إعادة الكرة كنملة هرقل… إنه الآلام الساكن في محيط حياتي …إنه هو الحاضر الماثل أمامي بقوة واجب الوجود …طيفه لا يفارق مكاني …حسه رائحته تسكن سمعي ومسامعي … الحب ليس نطفة تلقى في رحم الأم …الحب ليس شعورا بالانتماء إلى الصنف الدموي …الحب سطوته في حياتي أقوى من الإبحار بسفينة والشعور أن الوصول محال إدراكه …

الأيام تلوي القبض على المستقبل وتطوح به إلى الماضي بقوة . وأنا منتصب القامة لا أمشي إلا إلى المدفن … يقوم جليسي بالوعظ والإرشاد ويستحضر أمثلة تغطي مساحة الحديث … أستمع ثم يحدث الانفلات بالسهو نحو دوائر ملتفة بشدة حدة حس الموت ، ثم تتعدد محاور الحياة بدون علامات تشوير ، وتنتهي بخط رنين لا يتموج …. يلقي جليسي رزمة من المأثورات على مسامعي ،ويسحبني بخفة من سيولة تفكيري الجانبية الى واقع الحال الذي صفاؤه لازال لم يتم …

حملت جسمي المتهالك بالأزمة فوق مقعد سيارتي وتحركت … لم أشغل المذياع  لكنه هذه المرة عاكسني وأعلن أغنية سمعت منها :“ كنت لي أيام كان الحب لي، أمل الدنيا ، والدنيا أملي … وكنت عينى ، وعلى نورها لاحت أزاهير الصبا والفتون … وكنت روحى ، هام فى سرها قلبى ولم تدرك مداه الظنون  … “ أغنية سمعتها قبل هذا أكثر من مرة بالتكرار …لكنها الآن استوقفتني بالسمع والتفكير …ربطتني إليها وفكت عني حزام أمان السائق … الحب والأمل والدنيا … ثلاثية البنية بمتوالية الترابط ، في حين لم أعد أملك نسقها الكلي …لا الحب يغطني …ولا الأمل يفرحني …ولا الدنيا تمتلكني … لحظة قررت مغادرة مباهج الحياة … تراءت لي أطياف سراب عدة مسالك من التصوف إلى الانزواء إلى صيام القول والإيحاء بالتسبيح بكرة وعشية … في موقف إجباري بعلامة „قف „، أعادت عيني نفس الكرة بالدمع …إنها أصبحت تعلن جوابها عن ألم القلب بالخدش …عن ألم فراق زينة الحياة الدنيا … أعرفكم قبل إتمام الجملة أنكم جميعا تسائلولنني عن متم القول  فيما ورد بالقران الكريم „… والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا …“الآية 46 من سورة الكهف… سمعت منبهات السيارات بالتحرك ، أدركت حينها أنها سنة الحياة التي لا تتوقف عجلاتها إلا بالواقعة وما أدراك ما الواقعة ،حين تكون ليس لوقعتها كاذبة …تحركت عجلات سيارتي بالدوران والسيران … لكني لا أدري من أين جئت بتاتا ،وحين أبصرت نور سند الحل مشيت وركنت السيارة جانب الطريق . ارتجلت في مشيتي عدة خطوات وقبل الابتعاد عن موقف سيارتي لاح لي بابتسامة ساكتة وكأنه يحاورني ويناجيني بالتوقف الفوري … توقفت عن المشي ،ولم أدر أنني وحيدا في الدرب أمشي … أناديه بصوت لم يسمعه حتى الداني مني …حركت نظراتي ذات اليمين والشمال فلم أجد غير الأفق المنحدر بأشعة شمس تغيب وطيفها لا يفارق كبد مغربها …هنا سحبت من تفكيري شريحة آلامه الممتلئة وجثوت على ركبتي مناديا مناجيا الله بصوت لا يسترق سمعه … حينها أحسست بلمسة لا أجهل ملمسها إنها رفيقة دربي تمسح دمعي بدمعها …وتحضنني وهي تردد الحمد لله ،ولله الحمد ،ولا قوة إلا بالله العلي العظيم … هنا أخرجتني من قوقعة ظلمة اللحظة إلى واقع الوضع …رفعت رأسي إلى السماء ،فيما يدي تشد على تراب الأرض ،غبار اللحظة كنس التفكير في الارتداد إلى وضعية المأتم ، وإنشاء صبح بقوس قزح الغروب .

 وأنا مقرفص الجلسة لا ألوي على شيء . تمثل لي طفل شديد البياض البياض …لا يراعى عليه أثر السفر …وضع كفه بخطوطه الأزهرية فوق ركبتي وأطلق لحن الحياة “ أعطني الناي و غن فالغنا سر الخلود… و أنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود… هل تحممت بعطر و تنشفت بنور… و شربت الفجر خمراُ في كؤوس من أثير… أعطني الناي و غن فالغنا خير الصلاة… و أنين الناي يبقى بعد أن تفنى الحياة… هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب… و العناقيد تدلت كثريات الذهب… هل فرشت العشب ليلاُ و تلحفت الفضا… زاهداُ في ما سيأتي ناسياُ ما قد مضى… أعطني الناي و غن فالغنا عدل القلوب… و أنين الناي يبقى بعد أن تفنى الذنوب… أعطني الناي و غن و انس داء و دواء… إنما الناس سطور كتبت لكن بماء…“ (مقتطف من  قصيدة المواكب لجبران خليل جبران) .

لملمت لساني وحركته بمتابعة اللحن بينما الطيف الأبيض يبتعد رويدا رويدا …حينها انشرح قلبي بالاطمئنان وصحت بأعلى ما أملك من قوة الصوت …فإذا بابنتي نوارة عمري توقظنني بالسحب إلى نور صباح يوم جديد….

ذ محسن الأكرمين : mohsineelak@gmail.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)