شذوذ، إلحادٌ، عُريٌ وتطاول على المقدسات.. أو „موضة“ التربص بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع.. !

r

زايوبريس / المختار أعويدي 

      لعل من القضايا التي استأثرت بالرأي العام الوطني، وشغلته خلال الأيام القليلة الماضية، وأثارت ما أثارت من لغط وسجال ونقاش، هادئ تارة، وحاد بلغ حد التراشق بالإتهامات تارة أخرى، قضيتان بارزتان تصبان في نفس الخانة، وترميان إلى إدراك نفس الهدف تقريبا. موضوعهما المرأة، وهدفهما إقرار المناصفة والمساواة لصالحها تجاه الرجل، ضدا على ما جاءت به الشرائع السماوية من تعاليم، وما أقرته نصوصها الثابتة القطعية من أحكام. أما الأولى، فهي دعوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في تقريره الموضوعاتي، بشأن وضعية المساواة والمناصفة بالمغرب، إلى المناصفة في الإرث بين الذكور والإناث. وأما الثانية، فهي زيارة الناشطة الأمريكية من أصل ماليزي „آني زونفيلد“ للمغرب، بهدف الترويج لفكرة إمامة المرأة للرجال في الصلوات، وحقها في اعتلاء منابر المساجد وإلقاء خطب الجمعة، ناهيك عن إقامة صلوات مختلطة بين الرجال والنساء، إقرارا „للمساواة“ بين الجنسين. وهي الأفكار التي كانت قد لقيت طريقها إلى التنفيذ في بعض المساجد بالولايات المتحدة الأمريكية، على يد الناشطة الأمريكية ماليزية الأصل كذلك، أمينة داوود. كما ترمي الزيارة أيضا، إلى الحصول على دعم الحقوقيين ورجال الدين الرسميين المغاربة، من أجل تحقيق هذه المساعي „لصالح“ النساء المغربيات !!

      وتأتي خرجة/توصية المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذه، في سياق تنامي الحراك النسائي ببلادنا، وارتفاع أصوات الجمعيات والتنظيمات النسائية والحقوقية، المطالبة بإقرار المساواة والمناصفة بين الجنسين، في المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وفق ما يقره منطوق دستور 2011، مدعومات في ذلك ببعض الفاعلين السياسيين، والنشطاء الجمعويين. وبقدرما كانت كل المؤشرات تنحو، إلى أن توصيات المجلس، ستتفاعل وتتناغم مع بعض هذه  المطالب، بقدرما لم يكن أحد يتوقع أن يبلغ سقف توصياته كل هذا المبلغ، ويوصي بالمناصفة حتى في الإرث بين الجنسين، في تجاوز واضح لحدود اختصاصاته كهيئة غير معنية مباشرة بالشأن الديني، ولا تملك الأدوات والوسائل الفكرية لولوجه والخوض فيه. وتطاول على مجال ينظمه نص قطعي، هو داخل في اختصاص أهل الفتوى، من الفقهاء والعلماء والمؤسسات الشرعية الدينية، وليس من اختصاص مجلس أغلب أعضائه من الحداثويين، الذين تعوزهم الدراية بالشأن الديني، وتنقصهم الأدوات العلمية والمنهجية، التي من شأنها أن تمكنهم من ملامسة الموضوع. لا يعدو أن يشمل زادهم وسلاحهم العلمي فيما يتعلق بمعالجة هذا الأمر، الإحاطة بالنصوص الوطنية المنظِّمة وعلى رأسها الدستور، وكثير من النصوص والمواثيق الدولية الوضعية.

      كما تأتي مبادرة الناشطة الأمريكية المذكورة، في سياق حملة خارجية مكثفة، تتعرض لها بلادنا في السنوات والشهور القليلة الماضية، بدعم من بعض الحقوقيين الحداثويين المغاربة، تستهدف المساس ببعض مرتكزات البلاد، أو بالأحرى خلخلة وزعزعة ثوابت البلاد الدينية والأخلاقية، وفسح المجال لتسرب ظواهر مشينة شاذة إلى عمق كيان المجتمع المغربي، كما سنأتي على ذلك لاحقا.

      إن المتأمل في هاتين النازلتين الطارئتين على طبيعة المجتمع المغربي المحافظ، والمتمسك بقيمه الدينية والحضارية والأخلاقية، يُدرك حجم ما يتربص بدعائم تماسكه، وما يُحدق بأسس وجوده من أخطار وتحديات داخلية وخارجية، تهدد بنسف كيانه، ودك حصونه من الداخل، بالعمل على تفكيكها وتفتيتها وطمسها. وإن هذا ليُذكر بمجموع الأحداث والخرجات والدعوات الشاذة، التي شهدتها بلادنا في غضون الشهور القليلة الماضية، ولذلك لا عجب أن تأتي هاتان النازلتان في هذا الوقت بالذات، وفي هذا السياق العام، مُكملة للصورة ومُتممة للمشهد العام.

     فلا يخفى على أحد أن باحة مسجد حسان بالرباط، بما لها من رمزية تاريخية متجذرة، وحمولة حضارية ضاربة في التاريخ، ومعان دينية بالغة الدلالة، قد تحولت منذ بضعة شهور، إلى فضاء يعبث ويعيث فيه الشواذ الجنسيون والملاحدة، فسادا وانحلالا وكفرا. ومنصة يوجهون منها قذائفهم وسهامهم الماكرة، التي تستهدف زعزعة قيم وركائز وثوابت هذا الوطن، وإرسال رسائلهم الخطيرة المسمومة، الرامية إلى نشر الرذيلة والإنحراف في صفوف شبابها، وتصريف قيم العبث والهدم في معتقداتهم الدينية، وبالتالي، زرع أسباب التشكيك والتفكيك والفـُرقة والخلاف.

      فقد شهدت الباحة خلال الشهور القليلة الماضية، توالي أحداث غريبة شاذة عن طبيعة المجتمع المغربي ومعتقداته وأخلاقه، تشي بتفاقم مسلسل الهجمة الشرسة، التي تستهدف دك حصون هوية البلاد، تحت يافطة الدفاع عن الحقوق والحريات الفردية والمدنية، وتـُنبه إلى خطورة نقل هذه المعركة إلى عقر الدار. حيث تجرأت على المكان وقدسيته، „حركات“ تدعي لنفسها الدفاع عن الحريات الفردية، وتزعم مناصرة إقرار الحقوق المدنية، بل وترمي إلى تعديل قوانين البلاد، حتى تتلاءم وتتناغم مع معتقداتها وأفكارها وتوجهاتها تلك.

      فبتزامن مع إقامة مهرجان موازين الأخير بالرباط، الذي أثار ما أثار من لغط وسخط، وغضب واحتجاج عارم لدى أغلبية الشعب المغربي، الذي طالب بإيقافه وإلغاء أنشطته، بالنظر لثقافة العُري والفحش التي يعمل على إشاعتها وتصريفها، والتي بلغت ذروتها مع سهرة المغنية جينيفير لوبيز الماجنة، التي اضطلعت القناة العمومية الثانية 2M، بنقل وإيصال تفاصيلها إلى جميع بيوت المواطنين رغما عنهم، بشكل أثار حفيظة واحتجاج أغلب المواطنين المغاربة. بتزامن مع هذا المهرجان/المهزلة، قامت ناشطتان فرنسيتان تنتميان إلى حركة „فيمن“، بتعرية صدريهما بالكامل، في باحة مسجد حسان، قبالة ضريح محمد الخامس بالرباط. والكشف بالتالي عن نهديهما بشكل واضح فاضح، والإمعان في تبادل القبل الفموية الجنسية السحاقية الساخنة، دونما مراعاة لقيم البلاد وأخلاقها، ولا لقدسية المكان وهالته الدينية، احتجاجا منهما – كما تزعمان – على سجن السلطات المغربية لمواطنين مغاربة من الشواذ جنسيا.

      ولم تمض سوى أياما قليلة على ترحيل الناشطتين الفرنسيتين من طرف السلطات المغربية آنذاك، حتى شهد ذات المكان، أي باحة المسجد، إقدام شابين مغربيين من الشواذ الجنسيين، على تبادل القبل الفموية اللواطية بشكل سافر جهارا نهارا، اقتداء بناشطتي „فيمن“، ونصرة لأفكارهما المدافعة عن المثليين المغاربة، الذين تم سجن بعضهم بمدينة تاوريرت وقتها، تفعيلا لمضمون المادة 489 من القانون الجنائي، القاضية بمعاقبة السلوكات الجنسية الشاذة.

      كما شهد المكان أيضا في وقت لاحق، توافد ناشطة إسبانية، حاولت دعم ناشطتي „فيمن“ المطرودتين، وقد تم طردها هي الأخرى.

      وبحلول شهر رمضان الكريم الماضي، صُدم الرأي العام الوطني، بقيام أحد الشبان المغاربة، ينتمي إلى حركة „ما صايمينش“ في نفس المكان، أي باحة مسجد حسان، بالإفطار العلني جهارا نهارا، „دفاعا“ عن حريته الفردية، كما يزعم، مطالبا بإلغاء المادة 222 من القانون الجنائي، التي تُجرِّم الإفطار العلني في شهر رمضان. وهدد أعضاء حركته من خلال صفحتهم على الفايسبوك „أقليات“، بالقيام بأشكال „نضالية“ حسب اعتقادهم، لتحقيق أهدافهم ومطالبهم. واهمين أن الأمر يتعلق بحق ممارسة والدفاع عن الحريات الشخصية المدنية، ومنها حرية المُعتقـَد والتديّن.

      إن المكان الذي اختير لتمرير مجموع تلك „الرسائل“، أي باحة مسجد حسان، وهو المكان الذي يستمد قدسيته من المعالم الدينية والتاريخية التي يحتويها، ومن كونه فضاء لأداء الصلوات والعبادات، ومختلف الطقوس الدينية والروحية الأخرى، لم يأت بمحض الصدفة، بل إن الأمر يبدو مدروسا بعناية فائقة، ويستهدف ضمن ما يستهدف، التشكيك في قيم البلاد الدينية، والتجرؤ على المساس بها، بل وإثارة البلبلة والإرجاف والقلاقل بشأنها. وإلا فما الذي يدعو حركات تدعي لنفسها الدفاع عن الحريات والمعتقدات والحقوق، إلى التطاول على هذه الأماكن الدينية، ومحاولة التشويش عليها، والعبث بقدسيتها، إن لم يكن الهدف المرغوب هو هدف مُبيّت. وما الذي يدعو مثل هذه الحركات الباحثة عن إقرار الحريات المدنية، حسب زعمها، إلى العزوف عن الإحتجاج في أماكن تواجد مؤسسات القرار)مقر البرلمان – مقر الحكومة ..( إن كانت صادقة وجادة فيما تدعي، والإصرار على تصريف رسائلها ومعتقداتها، من داخل مكان مخصص للعبادة والطقوس الروحية، في اعتداء سافر على مقدسات البلاد، مع ما يعنيه ذلك من تدنيس لهذه الأماكن، وتطاول على حرمتها، وعبث بسكينتها وقدسيتها. وإن هذا الهجوم المخطط له على هذه الأماكن والمؤسسات الدينية، ليدعو إلى الإرتياب والقلق، ويثير أكثر من تساؤل حول دواعي هذه الهجمة الشعواء الممنهجة على قيم البلاد وثوابتها، وفي هذا الوقت بالذات !!

      تأتي هذه النوازل الغريبة على مجتمعنا، في سياق مسلسل طويل ومتفاقم من الحركات والخرجات والنوازل الشاذة، عرفته بلادنا، بدأ منذ بضعة سنوات، وهو مستمر بوتيرة متصاعدة، ويشهد حاليا تفاقما واستفحالا. حركات وخرجات قاسمها المشترك، هو الهجوم على قيم وأخلاق المجتمع المغربي، ومعتقداته الدينية تحديدا، والتجرؤ على قدسية وسماحة تعاليم دينه.  وهو ما يدعو من جهة، إلى القلق على مستقبل شباب هذا الوطن، ومن جهة أخرى، إلى التأمل والتفكير في دواعي بروزها وخروجها إلى العلن، بهذه الجرأة وهذه الكثافة وفي هذا الوقت بالذات.

      بعض هذه الخرجات اتخذ شكلا منظما، هو عبارة عن „حركات“ لها مريدين وأتباعا، ومنابر عنكبوتية، تعمل على نشر وتصريف أفكارها ومعتقداتها، من قبيل :

·       حركة ماليM.A.L.I  (Mouvement Alternatif pour les Libertés Individuelles – Maroc )   ) الحركة البديلة من أجل الحريات( التي ينتصب دُعاتها، وكلهم مغاربة، ويزعمون الدفاع عن جملة من الحريات الفردية، منها حرية المعتقد، والحرية الجنسية، وحرية المرأة، بما في ذلك حرية تصرفها في جسدها، مع ما يعنيه ذلك، من استخفاف بمسألة البكارة، وكذا حقها في الإجهاض العلني، وحرية المثليين الشواذ الجنسية. وقد قامت هذه الحركة بعدة خرجات، رافقتها زوابع إعلامية، استهدفت إثارة الإنتباه إلى „مطالبها“ وأفكارها، من قبيل „حملة الإفطار الجماعي العلني“، خلال شهر رمضان الكريم. وحملة „أوقفوا رُهاب المثلية“، و „لا للمادة 489 من القانون الجنائي“. والحركة تنهل مواقفها من كتب بعض المنظرين لها، كالصحفية المصرية من جنسية أمريكية مُنى الطحاوي صاحبة كتابي: „فلنتحرر من الحجاب“، و“الحجاب وغشاء البكارة Foulards et hymens“ Headscarves and hymens، هذا الأخير، الذي اعتبر تنظيرا ودعوة لثورة جنسية في العالم العربي، باعتبار أنَّ الثورة الجنسيَّة وحدها، كما تعتقد صاحبة الكتاب، يمكن انْ تجعل حريَّة المرأة مُمكنةً.. وكذا شيرين الفقي، وكتابها „الجنس والقلعة“ الذي يدعو إلى ثورة جنسية مماثلة.

·       حركة كيف كيف: وهي حركة أسسها مجموعة من الشواذ، تدعي الدفاع عن حقوق المثلين والمثليات، والمتحولين والمتحولات، ومزدوجي التوجه الجنسي. أصبحت تعقد لها لقاءات لمناقشة „مطالبها“ وحقها، كما تزعم، في تأسيس جمعية قانونية للدفاع عن أعضائها، وإقرار حقوقهم الجنسية الشاذة، ورفع العنف المادي والرمزي الذي يطالهم.

      والبعض الآخر من هذه النوازل، اتخذ شكل تصريحات وخرجات إعلامية غريبة، أو تصرفات وسلوكات فردية، لشخصيات سياسية أو فنية أو إعلامية.. تشترك جميعها، في التطاول على المقومات والأركان الدينية للبلاد، وتشرئب إلى خلخلتها وزعزعتها، وإخضاعها للتغيير الذي يتناغم مع مفهومها الأعرج المبتور للحداثة والإنفتاح والحريات، ومن هذه الخرجات نذكر:

·       خرجة الصحفي المختار لغزيوي الإعلامية، التي دعا من خلالها إلى احترام الحرية الجنسية للمرأة، بل وكشف عن مستوى غير لائق من الدياثة، عندما صرح لقناة لبنانية بإيمانه بالحرية الجنسية لأمه وأخته وابنته، واحترامه لها.

·       خرجة إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي، التي تشتم منها رائحة التوظيف والإستثمار السياسي، الذي اعتبَر نظام الإرث كما أقرته الشريعة الإسلامية، نظاما يشتمل على حيف تجاه المرأة. ولأجل إعادة الأمور إلى نصابها، حسب زعمه، دعا بجرأة وتطاول على أحكام الشريعة الإسلامية القطعية، إلى إقرار المناصفة بين الذكور والإناث في الإرث. كما اعتبر تعدد الزوجات مجحفا بالمرأة، ودعا إلى تحريمه بل وتجريمه، واجتثاثه من مدونة الأسرة. محاولا بذلك توظيف الأمر توظيفا سياسيا، في الوقت الذي تتهاوى فيه أركان حزبه، وتتآكل شعبيته بشكل متفاقم غير مسبوق، منذ مجيئه إلى مسؤولية الكتابة الأولى لهذا الحزب.

·       خرجات المغـنية سينا: التي تعمل على تكريس „فن“ ماجن، يميل إلى البورنوغرافيا، أكثر مما يميل إلى الإبداع والإمتاع. يعتمد الإيحاءات الفاحشة الماجنة، والإغراء الجنسي الفاضح، أكثر مما يعتمد أي شيء آخر. وذلك دون حسيب أو رقيب.

·       خرجة إحدى الفرق المسرحية منذ بضعة شهور، في عرض مُخزٍ لها، نظم في أماكن عمومية، بعنوان „ديالي“ )والمقصود العضو التناسلي للمرأة(، يستهجن ويزدري، بل ويسخر من تقديس المجتمع للبكارة، ويحتفي بحرية تصرف المرأة في عضوها هذا، دون قيود أو سدود أو صدود!

·       خرجة نبيل عيوش الأخيرة في فيلمه „الزين اللي فيك“، التي استهدفت شرعنة البورنوغرافيا، وتوفير المظلة الفنية لعرضها في الأماكن والقاعات العمومية بالبلاد، أكثر مما حاولت إنتاج عمل فني لائق، يقارب ظاهرة الدعارة في البلاد مقاربة فنية موضوعية، ويحاول إثارة الأسئلة المحرجة بشأنها، والبحث عن حلول لها.

·       خرجة مجموعة الروك الغنائية البريطانية Placebo الأخيرة بالرباط، خلال مشاركتها في مهرجان موازين الأخير2015، والتي تدعم الشواذ والمثليين المغاربة، والتي لم يتورع أحد أفرادها، عازف القيثارة Stephan Olsdal في الخروج إلى منصة السهرة، وقد كتب على صدره العاري طيلة العرض، الرقم 489 في إشارة وتنديد منه ومن الفرقة الغنائية، بالمادة الحاملة لنفس الرقم 489 في القانون الجنائي المغربي، المانعة والمعاقبة على إتيان الشذوذ الجنسي.

·       فعلة السفاح الإسباني Daniel قبل مدة، الذي استباح وانتهك أعراض فوج من الأطفال القاصرين المغاربة الأبرياء، في غفوة من الأجهزة الأمنية، وسُبات منظمات المجتمع المدني، وخاصة المهتمة بحماية الطفولة، والمندرجة تحت شعار „ماتقيش ولدي“، والتي لم تستفق من سباتها ومن خطاباتها في الصالونات المكيفة، سوى بعدما  بُرئت ساحة المجرم، بتمتيعه بشكل سافر من العفو الملكي ومن العقوبة السجنية، مما كان له وقتها ردود فعل شعبية عاصفة، سرعان ما خمدت أو أُخمدت.

·       تظاهرة القبلات بالرباط، التي قام من خلالها نشطاء وناشطات حركة مالي M.A.L.I بتبادل العناق والقبلات الفموية في الشارع العام، قبالة قبة البرلمان، بشكل مستفز لمشاعر المواطنين، دعماً لقـُبلة تلميذي الناظور المراهقيْن على الفايس، التي كانت قد جيـّشت الجمعيات والحركات والمنظمات الحقوقية وغير الحقوقية المختلفة، من داخل البلاد وخارجها، تضامنا مع المراهقيْن وتنديدا بردعهما، وعرضهما على القضاء. ودفاعا عن حريتهما الفردية، وحقهما في التعبير عن مشاعرهما بشكل علني. وقد عرفت التظاهرة مواجهات واحتكاكات، كادت أن تكون لها نتائج وخيمة.

·       خرجة جينيفير لوبيز خلال مهرجان موازين الأخير بالرباط، في „بْـروفا“ بورنوغرافية فاضحة، وعرض استعراضي فاحش. بلباس هو أقرب إلى العُري الكامل، ألهب غضب واحتجاج أغلبية الشعب المغربي، خاصة بعدما اضطلعت القناة العمومية الثانية، بإدخال هذا العرض المُخزي قسرا إلى بيوت جميع المواطنين.

·       خرجة فتاتيْ التنورة بإنزكان، التي أعادت سؤال الإخلال بالحياء العام إلى واجهة النقاش، خاصة بعد إحالتهما على القضاء. وما تلا ذلك من وقفات وتظاهرات احتجاجية، لحفنة ممن يصنفون أنفسهم مدافعين عن الحريات، تحت شعار „صايتي حُريتي“ داعمة للفتاتيْن، استقطبت جمعيات، وحركات، وتنظيمات، وتيارات „حداثوية“. ومن ذلك أيضا، ما قامت به الوزيرة السابقة، والبرلمانية حاليا في حزب التقدم والإشتراكية، بدون خجل أو حياء، من مطالبة وزير الأوقاف في سؤالها الشفوي بالمناسبة، بضرورة استعمال المنابر والوعاظ للتوعية في موضوع لبس „الصاية“ و“المايو“، واحترام حرية المواطنين والمواطنات في ذلك. ولا عجب، فقد كانت لها قبل مدة، خرجة مماثلة، يوم كانت تتحمل مسؤولية حكومية، حيث اعتبرت آذان صلاة الصبح يشوش على السواح !!

·       خرجة المِثلي الجنسي لمدينة فاس إلى الشارع العام، متأنقا متزينا في صورة أنثى، وما تلاها من ردود فعل شعبية تلقائية رادعة، كادت أن تودي بحياته.

·       خرجة مليكة مزان وفضحها لعقد النكاح السري، الذي كان يجمعها بعشيقها أحمد عصيد. الذي ادعي فيه هذا الأخير بخط يده، بأنه نكاح يرعاه الإله باكوش )أحد آلهة الأمازيغ قديما(، في استخفاف صارخ بالضوابط الشرعية الدينية، التي تؤطر هذا المجال في البلاد !! كما يؤكد من خلاله ويتبجح، بأنه مثير للفتن، ومشكك في القيم والعقائد. ولا تخفى مقالاته المتهجمة على الثوابت الدينية والأخلاقية للبلاد على أحد.

·       خرجة حوالي ثلاثين شابا مغربيا، منهم مسلمِين ومسيحيان ولا دينيين )ملاحدة( خلال شهر رمضان الكريم الأخير، القاضية بتنظيم مخيم ترفيهي بمنطقة „ويوان“ قرب عين اللوح بإقليم خنيفرة، على خلفية أحداث مِثلي مدينة فاس، وفتيات التنورة بإنزكان، تمارَس فيه، حسب زعمهم، الطقوس الدينية الخاصة بكل واحد منهم، في أمن وأمان، وبشكل يهدف إلى نشر ثقافة التسامح وتقبل الإختلاف. „إيمانا بأن التعايش السلمي، وتقبل الآخر واحترامه واحترام نمط عيشه، شرط أساسي للاستمرار و الحياة السعيدة“. وتعايُش الصائمين منهم، مع „وكالين رمضان“ ومع المثليين. أو بلغة أوضح، العمل على التمهيد لشرعنة الفاحشة والإلحاد في المجتمع عيانا.

·       إذا أضفنا خرجات بعض المنظمات الدولية، وحشر أنفها في هذه النوازل، كما هو حال منظمة هيومان رايت ووتش، الداعية إلى عدم تجريم المثلية الجنسية في المغرب، يصبح المشهد مكتمل الأركان والأضلاع، يدعو إلى الريبة والقلق بشأن ما يتهدد مستقبل هوية هذا البلد من أخطار !!

إن المتأمل في مجموع هذه الظواهر، والأحداث، والخرجات، والنزوعات الشاذة والغريبة عن طبيعة المجتمع المغربي وهويته الدينية والأخلاقية، يدرك سريعا أنها نزوعات تشترك في مجملها، فيما تدّعي وتعتبره دعوة لممارسة الحريات الفردية واحترامها، والدفاع عن إقرارها. ولكن المدقق في أهدافها، يدرك أن الأمر لا يتعلق بحريات فكرية أو سياسية أو إعلامية أو اجتماعية بناءة، تستهدف الإرتقاء بأحوال المجتمع والبلاد، إلى مدارج الرقي والتقدم وتحرير الفكر والإبداع والتعبير الحر البناء بجميع أشكاله.. بل يتعلق في مجمله، بالرغبة والدعوة إلى إطلاق العنان لحريات الأفراد المدنية في القيام بممارسات شاذة، لا يقبلها ديننا ولا أخلاقنا ولا تقاليدنا ولا هويتنا. تنحصر في مجملها في دائرة ثالوث: الشذوذ والإلحاد والعري، والملتقية بالتالي في نقطة التطاول على ثوابت العقيدة، والتجرؤ على تعاليم الدين بشكل سافر مستفز ومقزز. الحرية في إطلاق العنان لمكبوتات مرضية كانت تشتغل في الخفاء، والعمل على محاولة الإنتقال بها من مرحلة السرية والتخفي، إلى مرحلة الصدع والعلنية والجهر. بهدف تطبيعها والعمل على انتشارها وتمددها في أوصال المجتمع. إطلاق العنان لظواهر قبيحة حرمتها الشرائع السماوية، بل وحتى بعض الشرائع الوضعية، يمثل انتشارها في مجتمع ما، مؤشرا دالا على فساد عام يتهدد كيانه واستقراره. حريات ترمي إلى إشهار الفاحشة والإلحاد والعري، في حلة مسميات „أنيقة“، تحاول تغليف هذا الجنوح والإنحراف الأخلاقي والديني الذي تمثله، بغلاف أقل وطأة وتعبيرا عن هوله وحجمه الحقيقي. فيُسمى اللواط والسُّحاق مِثلية جنسية، ويُدعى الإفطار العلني في شهر الصيام حرية للعقيدة، مع أنه يمثل ركنا من أركان الإلحاد. ويُعتبر التبرج والعُري الفاضح، والإثارة الجنسية حرية مدنية شخصية. ويُعد التطاول على كتاب الله وتعاليمه تجديدا وحداثة.

      لقد أصبح سُعار الحريات المدنية الفردية، يمثل „كلمة حق يراد بها باطل“، أصبح مدخلا لكثير من أشكال الشذوذ الأخلاقي والقيمي، والجنوح عن الثوابت التي تجمع مكونات الشعب المغربي، وتقوي لحمته الوطنية.      إنها شروخ تهز قيم البلاد هزاً، وتضرب الهوية الحضارية والدينية للبلاد في العمق، علما أن في مجتمعنا ما يكفي من الندوب وأسباب الإختلاف، التي لا ينبغي تعميقها وترسيخها وتوسيعها، حتى لا ننتج فكرا متطرفا يأتي على الأخضر واليابس.

      إن التسيب الذي يشهده مجال القيم هذه الأيام في وطننا، والعبث والتطاول الذي يطال عقيدة المغاربة، يمثل أخطر تهديد للإستقرار والإعتدال والوسطية المذهبية الذي تنعم به بلادنا، وقد يُحرض على التطرف، بل قد يُمثل حاضنة لتفريخ أجيال جديدة من المتطرفين، المدعين الإنتصاب للدفاع عن سلامة العقيدة واستمراريتها، أمام مثل هذه الهجمات، بحد السيف وقوة الحديد والنار. وما الهجوم الشعبي، على فتيات التنورة بإنزكان. والإحتجاج على ارتداء „البيكيني“ بشاطئ أنزا خلال الشهر الكريم، من طرف مجموعة من الشباب. والردع الشعبي التلقائي لمثلي فاس، والإقتصاص منه في الشارع العام. والهجوم على منزل مثلي الرباط. ورجم منزل مثليي القصر الكبير، إلا تجليات لخطر قادم لا محالة. و“بْروفا“ استعراض تلقائي غير منظم، لردود الفعل التي من المتوقع حدوثها في المستقبل المنظور، في إطار النزوع إلى تغيير المناكر. ويكفي التأمل فيما يفعله التطرف والطائفية، وتنامي روح العداء والإنتقام، وبالتالي صراع مختلف المرجعيات الإيديلوجية والطائفية والدينية، وتأطيرها الفكري للحروب الأهلية والإقتتال والتطاحن، في كثير من البلدان العربية، لإدراك حجم الخطر الذي يمثله تفكك المجتمع، وذوبان لحمة الوحدة فيما بين مكوناته المختلفة، وتباعد هوة الإختلاف والخلاف فيما بينها. ولا يخفى على أحد أن وطننا ليس في منأى عما يعتمل ويحدث في البلاد العربية. فتهديدات التطرف والإرهاب تتربص ببلادنا أيضا من كل جانب وحدب وصوب، وما المحاولات والخلايا النائمة الكثيرة، التي تم تفكيكها في إطار  العمليات الإستباقية الكثيرة، التي أبطلت من خلالها أجهزة الأمن، مفعول كثير من خلايا التطرف الإرهابية، الساعية إلى „تغيير المناكر“ و“نصرة العقيدة“ سوى خير تجلي لذلك. ولا زال الشعب المغربي يتذكر بكثير من الوجع والألم، هجمات مقهى أركانة ، و16 ماي، وأطلس آسني..

      ولا يمكن لمثل هذه الإنحرافات العقدية والقيمية التي يشهدها وطننا هذه الأيام، إضافة إلى ما يعرفه خطاب التخويف والإتهام بالداعشية، من تصاعد وتأجيج من طرف التيارات الحداثوية واليسارية المحتضنة لها، سوى أن تساعد على توفير أسباب حضانة وتفقيس هذا الفكر الداعشي فعلا على الأرض، وترفع بالتالي من وتيرة هذه التهديدات التي تحدق بوطننا من كل جانب.

      إن هذا الخروج المكثف لمختلف هذه الظواهر الشاذة إلى العلن، وارتفاع أصوات المطالبين „بحقوق“ الشواذ الجنسيين والسحاقيات، و“وكالين رمضان“، وحق ارتداء التنورة والبيكيني والعُري، والمناصفة في الإرث بين الذكور والإناث، والحرية الجنسية، وحق الإجهاض للمرأة، وإمامة المرأة للرجال، ومحاولات إبطال مفعول كثير من النصوص الدينية القطعية، تحت ذرائع وحجج واهية…  كل هذا يمثل تهديدات خطيرة تمس الجانب الثقافي والأخلاقي والعقدي للمجتمع، وتشي بزعزعة استقراره وأمنه، وربما الدفع به إلى بلورة تقاطبات حادة، قد تنتج التطرف بكل أشكاله. ما قد يجعل تماسك الجبهة الداخلية للبلاد، أكثر هشاشة وتهديدا بالتعرض للخطر، في وقت تشهد فيه الساحة العربية والإسلامية، انزلاقات مفجعة ومدمرة نحو السلاح، كأداة لتأطير وحسم الخلافات، والتقاطبات، والتموقعات الفكرية، والإيديلوجية، والطائفية، والسياسية، والدينية..

      وإن منتهى الخطورة في هذا الأمر، هو انخراط المنظمات الحقوقية والمدنية، والتيارات الحداثوية عامة، بل وحتى بعض المؤسسات العمومية، من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بشكل مستفز، وإصرارها على تكريس وتصريف هذا الجنوح القيمي والديني والأخلاقي، ليطال مجموع المغاربة، بل وانتصابها للدفاع عن مثل هذه الإنحرافات والإنزلاقات، والإنتصار لها بشكل سافر، فيه الكثير من التحدى واللامبالاة بالشعور الديني والأخلاقي العام للمواطنين، ما قد يهدد بإحداث „محو ثقافي“ وحضاري  لهوية المجتمع بتعبير سعيد يقطين.

      إن ما يثير الحيرة حقا فيما يشهده وطننا من إرهاصات هذه الدعوات والحركات الغريبة والشاذة، هو كيف يستقيم لشعب لا زال أكثر من نصف سكانه من الأميين، وأغلبهم يعيش فقرا وهشاشة، وأكثرهم يعاني من مشاكل البطالة والمرض والسكن.. ناهيك عن معاناتهم من القمع والتسلط، وتزوير الإنتخابات وسوء توزيع الثروة الوطنية، والفوارق الطبقية العميقة والواسعة. شعب يستشري فيه الفساد بكل أشكاله، الإنتخابي، والسياسي، والإداري، والإقتصادي، والإجتماعي، والأخلاقي.. ويعاني من تسلط المفسدين وجبروت رجال السلطة. كيف يستقيم له، مع أن فيه ما يكفيه من أعطاب اجتماعية وسياسية واقتصادية.. أن ينهض حفنة من أبنائه، للمطالبة بحرية اللواط والإلحاد، والحرية الجنسية، وانتهاك قدسية الشهر الكريم، وحرية العُري والفحش، وإقرار „المناصفة“ في توزيع الإرث بين الجنسين، وإباحة الإجهاض.. حتى أن النقاش السخيف، الذي يُثار بشأن هذه القضايا، وارتباطها بمسألة الحريات المدنية والفردية، قد أصبح يُغطي أحيانا، على النقاش الذي من المفروض أن يُلامس هموم الناس، ويضع الأصبع على مكامن الخلل الحقيقية في هذا الوطن العزيز. إنه أمر يدعو حقا إلى الإستغراب والمرارة والغضب. ففي الوقت الذي تهدر فيه الطاقة في معارك خاسرة من أجل إقرار „حقوق“ الفاحشة والعُري والإلحاد وغيرها من الإنحرافات. كان الأولى أن توجه هذه المعارك والنضالات نحو إقرار حرية التفكير والتعبير، والديموقراطية، والكرامة الإنسانية، والتعليم، والصحة، والعدل، والشغل، ومحاربة الفساد والمفسدين..

      ولعل من غريب الأمور، أن بعض الفاعلين في وطننا يصرون على إدراج مثل هذه الحريات الشاذة وهماً وظلما، ضمن خانة الإنفتاح والحداثة. وهو ما يدعو حقا إلى التعجب بشأن هذا الربط الأعرج. إذ كيف يستقيم ربط مفاهيم الحرية والإنفتاح والحداثة، بهذا المستنقع الآسن من القيم والسلوكات الفاسدة التي يبشرون بها، والتي لا تعمل، سوى على دك وهدم ثوابت الهوية الدينية والأخلاقية والحضارية للبلاد، والدفع بها إلى حافة الفوضى الهدامة، وأحرى أن تعمل على تحديث البلاد وانفتاحها البناء. والحال، أن هذه المفاهيم المذكورة أي الحداثة والحرية والإنفتاح، تؤشر في سيرورة التاريخ البشري، على محطات تطورية إيجابية كبرى، مرت منها حضارات الشعوب المعنية، وقدمت لأجل إدراكها الكثير من التضحيات، من أجل الإرتقاء بالإنسان إلى مستوى إدراك إنسانيته، عبر تحرير طاقاته وقدراته الخلاقة البناءة الإيجابية، وليس إطلاق العنان لغرائزه البهيمية الحيوانية. مفاهيم تـُحيل على منعطفات ثورية في تاريخ بعض الأمم والشعوب. ففي أوربا، كانت معارك الحرية فتيلا لمجموع الثورات الفكرية والسياسية والدينية والأخلاقية والتكنلوجية الكبرى، التي نقلت بلدانها وشعوبها من حالة التخلف والتأخر، إلى مستوى عال من التقدم والتطور والديموقراطية. ولم تحصر هذه الشعوب مدلول الحرية، كما هو حال من يصنفون أنفسهم „حداثيين“ عندنا، في الرغبة في إقرار حرية ممارسة اللواط والعري، وإشباع حاجتي البطن والفرج بطرق شاذة.

      إن الحرية والحداثة في أوروبا، تحيل على مجموع التحولات الكبرى التي شهدتها، والتي عصفت بالتخلف والتأخر، وجميع الأنماط التقليدية المتحجرة والمتكلسة داخل مجتمعاتها في مختلف المجالات، مجموع التغييرات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والفكرية والدينية، التي يؤرخ بعض المفكرين بداياتها الجنينية الأولى، باختراع غوتنبرك للطباعة عام 1436 وبداية دمقرطة القراءة والكتاب. وآخرون بالثورة اللوثرية البروتستانتية على الكنيسة الفاسدة، كنيسة صكوك الغفران سنة 1520. ورجال الدين المتسلطين. بل منهم من يؤرخ لذلك، بالثورة الفرنسية على المَلكية المستبدة، وإقرار حقوق الإنسان والمواطن، وآخرون بالثورة الأمريكية 1776 على السياسة الإستعمارية للتاج البريطاني، بل يذهب بعضهم إلى اعتبار صدور كتاب „تفسير الأحلام“ لفرويد بداية لذلك.

      وفي الوقت الذي دخلت فيه شعوب الأرض المتطورة حاليا لعصر ما بعد الحداثة، يحاول „دعاة الحداثة“ عندنا، ولوج عصر الحداثة والحريات الفردية من بابه الضيق المُخزي، باب اللواط والمثلية الجنسية، والعري والإلحاد.. ما سيجعل التأريخ لبواكير الحداثة عندنا ربما في زمن لاحق، لا يرتبط، كما شعوب الأرض الأخرى، بمنجزات وثورات رائدة، حررت الإنسان من العبودية والتسلط والقمع والتخلف.. بل يرتبط „بالثورة اللواطية، وثقافة أو بالأحرى „موضة“ العُري والإلحاد..

      وإن الإنفتاح بمفهومه الحقيقي البناء الثوري الإيجابي الهادئ، هو ما جسدته تاريخيا دولة اليابان، في أروع مثال يمكن أن يُقتدى ويُحتدى، ساهم في بناء نقلتها العظمى، من أمبراطورية إقطاعية متخلفة، قائمة على الإستبداد والإستعباد لمواطنيها، وتأليه الحاكم، إلى دولة صناعية جبارة يُهاب جانبها، دولة حديثة لكنها أصيلة. وضعت لنفسها ولمواطنيها مكانا محترما بين الدول العظمى وشعوب الأرض المتقدمة.

      إن خروج اليابان من عزلتها الطويلة، وانفتاحها على العالم وخاصة على دول أوربا الغربية، لم ينطلق بالتفريط في ثوابت الأمة اليابانية، ومقومات هويتها الحضارية والثقافية والدينية وتقاليدها العريقة. ولم يهدف إلى استيراد قمامة الحضارة الغربية، وثقافة ما يحدث في مراحيضها ووراء جدرانها،  بل انفتحت على العلم والفكر والهندسة الغربية، لكنها تمسكت بمقومات وثوابت حضارتها بالنواجد والأسنان. وبرغم ما بلغته اليابان اليوم، من تقدم ورقي وشأن كبير جدا تـُحسد عليه، وبرغم غزو التكنلوجيا المتطورة جدا لكل جوانب الحياة فيها، لازالت ومواطنيها متشبثين بأصالتهم وتقاليدهم وثقافتهم، وكل مقومات حضارتهم الأصيلة.

أما عندنا في المغرب، فمنذ فشل الإنفتاح الذي دشنه السلطان الحسن الأول، والذي كان متزامناً تقريبا مع مرحلة انفتاح اليابان على الغرب، في نهاية القرن 19 بسبب تركيزه على الجانب العسكري، اعتقادا منه أن الآلة الحربية هي سر تقدم أوروبا. منذ هذا الفشل الذريع، تكبد وطننا النتائج السيئة لبقائنا في ركب التخلف، وسيادة الأنماط التقليدية السلبية في كل شيء، ما جعل بلادنا تدفع ذعيرة غالية لذلك، قدرت بحوالي أكثر من نصف قرن من الإحتلال الأجنبي. لينتهي بنا المطاف بعد الإستقلال دولة في مصاف الدول المتأخرة كثيرا عن الركب الحضاري لباقي أمم الأرض. دولة تابعة، تحوم في فلك مستعمرها السابق، حتى أن أبناءها اليوم في إطار انفتاحهم الأعرج موضوع حديثنا، ينهلون من هذه التبعية العمياء، ويستوردون مِن مِكب نفاياتها الحضارية، ما استجد وفضل من قيم شاذة، وسلوكات غريبة منافية لخصوصيات ديننا وحضارتنا وتقاليدنا، ويعملون بذلك ،على الإجهاز على مكونات هويتنا وثقافتنا الأصيلة بشكل أعمى، واهمين أنهم إنما يناضلون من أجل تكريس الحريات الفردية والمدنية في أوصال المجتمع.. !!

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)