„الإسلاميون استوعبوا أن القرآن لا يمكنه حل كلِّ القضايا“

 

خرج حزب العدالة والتنمية المغربي منتصرًا من الانتخابات، فما هي التحديات التي تواجه حكومته؟ وهل هناك آفاق أمام حركة „20 فبراير“؟ الحوار التالي مع الناشط الحقوقي المغربي فؤاد عبد المومني يسلط الضوء على هذه القضايا وغيرها

 



سؤال: للمرة الأولى يتبوأ فيها إسلامي منصب رئاسة الحكومة في المغرب التي أسندت إلى عبد الإله بن كيران. فهل فوجئت في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بنتيجة الانتخابات البرلمانية التي أتت لصالح حزب العدالة والتنمية ؟

فؤاد عبد المومني: كان حزب العدالة والتنمية جذابًا وذا مصداقية لكثير من المغاربة وما زال. وهو على أية حال أكثر مصداقية من الأحزاب الأخرى التي فقدت شرعيتها بسبب ارتباطها الوثيق بالحكم. ولكن علينا أن نعرف أنَّ حزب العدالة والتنمية لم يحصل سوى على رُبع مقاعد البرلمان وأنَّ نسبة المشاركة الحقيقية في الانتخابات كانت متدنية جدًا، حيث لم يكـُن سوى 13 مليون ناخبٍ مُسجلٍ على لوائح الناخبين من أصل 24 مليون مواطنٍ مغربيٍ راشدٍ، ولم يتوجه إلى صناديق الانتخاب فعليًا سوى 6 ملايين، ومن هؤلاء لم يضع سوى 4.5 مليون ورقة اقتراع سليمة. ناهيك عن أنَّ مغاربة كثر قاطعوا الانتخابات أو وضعوا أوراق اقتراعٍ غير صالحةٍ عن قصد.

ما هي التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في المغرب؟ وما هي أهم المهمات من وجهة نظرك؟

لم يحصل تقدمٌ حقيقيٌ يستفيد منه جميع المواطنين خلال العقود الأخيرة سوى على صعيد التزويد بالماء العذب والكهرباء. أما فيما عدا ذلك فقد ظلَّ المغرب متراجعًا ولم يستفد من الإمكانيات المتوفرة لديه. كما أنَّ تراتبنا على لائحة الأمم المتحدة الخاصة بالتنمية البشرية تراجع باضطراد على مدى سنوات. وإلى جانب الخلل القائم في النظام الصحي والضمان الاجتماعي هناك مشكلة كبيرة بخصوص جودة التعليم المدرسي.

لطالما تم الاستثمار في قطاع التعليم، لماذا لم يتحسن الوضع بالرغم من ذلك؟

المغرب لم يكن بعيدا عن رياح المغرب لم يكن بعيدا عن رياح „الربيع العربي“، والإسلاميون حصدوا النتائج حقًا تم تشييد مدارس كثيرة جدًا، لكنَّ جودة التدريس لم تتحسن. لا بل على العكس لقد أصبحت أسوأ، وهذا أحد أسباب نسبة البطالة التي ما زالت مرتفعة جدًا وتصل إلى أكثر من 10 بالمائة. لذا نجد أنَّ المقتدرين يرسلون أطفالهم إلى مدارس خاصة. وقد تضاعفت أعداد تلامذة المدارس الابتدائية الخاصة في السنوات الخمس الأخيرة. بينما نجد الكثير من اليافعين ممن أنهوا تعليمهم المدرسي ولكنَّ مؤهلاتهم لا تكفي متطلبات سوق العمل.

وبالرغم من ذلك تبدو بيانات الاقتصاد العامة في المغرب جيدة في السنوات الأخيرة؟

يمكن النظر إلى هذا الأمر بالشكل الذي ذكرته أو بشكلٍ معاكسٍ تمامًا. الواقع هو التالي: بالكاد نستطيع أنْ ننافس على المستوى العالمي. وفي الموازنة التجارية نجد أنَّ نسبة الصادرات لدينا تعادل نصف نسبة الواردات. وتكمن أهم الأسباب في عدم وجود قاعدة صناعية لدينا. المنافسون أقوى منا، ولا أقصد هنا الدول الأسيوية فقط إنما تركيا ومصر وتونس أيضًا. وفي ذات الوقت تستهلك الدولة مبالغ مهولة – القصر والأحزاب السياسية وجهاز الإدارة المتضخم، والجيش الذي يستهلك سنويًا 7.1 بالمائة من إجمالي الدخل القومي، وهذه النسبة عالية جدًا مقارنة بمتوسط النسبة على الصعيد العالمي وهي 1.9 بالمائة. وهناك الصحراء الغربية، حيث نهدر المليارات. وكذلك العلاقة المقطوعة مع جيراننا في الجزائر التي تكلفنا سنويًا نحو 2 بالمائة من إجمالي الدخل القومي تقريبًا. نحن نعيش في نظام غير فعالٍ نهائيًا!

كلُّ ذاك تمَّ إخفاؤه في السنوات الأخيرة من خلال نهضةٍ اقتصاديةٍ لم تشهدها بلادنا من قبل قطّ، بفضل الاستقرار السياسي والطقس الجيد والاستثمارات الأجنبية الضخمة وتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج المرتفعة بشكلٍ غير معهود وازدهار السياحة، كما أنَّ المحاصيل الجيدة ومشاريع بناء المنازل الكثيرة وكذلك مشاريع البنية التحتية أدت لزيادة توفير فرص العمل. لكنَّ جل الاحتياطي تم استنفاذه وتراجعت الاستثمارات المباشرة بشكلٍ كبيرٍ. حيث اعتزمت شركة رينو أنْ تنسحب فعليًا ولم تبقَ تمارس عملها في المغرب إلا بعد إقناعها عبر تقديم تسهيلاتٍ كبيرةٍ جدًا لها. وإذا أمعنا النظر سنلاحظ أنَّ اسم رينو فقط هو ما تبقى بينما جل رأس المال مغربي أصلاً. أما سكك القطار السريع بين طنجة والدار البيضاء فليس سوى هدية لرئيس الوزراء الفرنسي ساركوزي من أجل أنْ تستمر فرنسا بالتصويت في مجلس الأمن لصالح المغرب عندما يتعلق الأمر بالصحراء الغربية. هذا فسادٌ محض.

بين شهري فبراير/شباط ويونيو/حزيران 2011 تظاهر عشرات الآلاف في مدن كثيرة في المغرب ضد الفساد وطالبوا بمزيدٍ من الديمقراطية. أما اليوم فبالكاد نسمع شيئًا عن حركة „20 فبراير“، فهل هناك مستقبل للحركة بعد؟

الإسلاميون حصدوا نتائج ثورات التغيير، فهل يتكيفون مع المتغيرات الجديدةالإسلاميون حصدوا نتائج ثورات التغيير، فهل يتكيفون مع المتغيرات الجديدة نعم، أعتقد ذلك، فحركة 20 فبراير تقول „لا“ واضحة للاستبداد والفساد، كما أعتقد أنَّ لهذه الحركة أهمية تاريخية عظيمة. السلطات استخدمت كل الوسائل المتاحة من أجل إضعاف الحركة، من قمعٍ وعنفٍ جسدي وتعميم شائعات، ولكنها في نفس الوقت قدَّمت تنازلات مادية وسياسية كتوفير أماكن عملٍ للمتخرجين الجامعيين الشباب ورفعت الأجور وليس آخرًا تعديل الدستور وإطلاق سراح معتقلين سياسيين. جرى كلُّ شيءٍ بسرعةٍ فائقة، حيث تمَّ تغيير الدستور والاستفتاء عليه وأجريت انتخابات مبكرة وشـُكلت حكومة جديدة. كان سبقًا مع الزمن لم يستطع الشارع و/أو حركة 20 فبراير اللحاق به. بيد أنَّ هذا السعي لكسر شوكة المعارضة لن يؤدي إلى إحداث تغييرات حقيقية. وسوف نرى أنَّ الإصلاحات السياسية لن تغيِّر شيئًا في المعضلات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.

ينتمي إلى حركة 20 فبراير يساريون وكذلك إسلاميون وبخاصةٍ من خارج البرلمان مثل „جماعة العدل والإحسان“. فهل فاجأ حضور الإسلاميين في المظاهرات وفي الإنترنت الديمقراطيين والديمقراطيات من العلمانيين والليبراليين وعطـَّل حشدًا عريضًا؟

أجدُ من وجهة نظري أنَّ السلطات استخدمت دور جماعة العدل والإحسان للإساءة للحركة الاحتجاجية، إذ جرى السعي لنزع المصداقية عنها وتعميم الخوف منها. شخصيًا أجد أنَّه من الصحيح أنْ يكون الإسلامويون جزءًا من الحركة لأن مجتمعاتنا آخذة بالانفتاح على الديمقراطية والتنوع. والتطور الذي حصل منذ 20 فبراير يدعو للرضى، إذ للمرة الأولى يجري نقاش صريح في السياسة والدين وفي الإسلام والدولة وفي إيجابيات وسلبيات أنظمة الحكم المختلفة. والإسلاميون يتعاملون بشكلٍ لافتٍ بانفتاحٍ مع الآخرين أكانوا حداثويين أو علمانيين أو ماركسيين أو اشتراكيين أو ممن يتعصبون للأمازيغية. إنَّ ما نعيشه هو دمقرطة تحدُث داخل التيارات السياسية.

ولكن ألا يجب أن نتوقع أنْ يسعى الإسلاميون لاستغلال اليساريين والعلمانيين بغية تحقيق مآربهم السياسية؟ وأنْ يلغوا الديمقراطية بعد أنْ يصلوا إلى سدّة الحكم؟

رئيس الحكومة المغربية، من حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيرانرئيس الحكومة المغربية، من حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران إنهم آخذون في استدخال وتذويب المفهوم الديمقراطي. هذا لا يعني البتة أنهم سيتخلون عن خطهم المحافظ جدًا أو أنْ يغيِّروا توجههم بخصوص الهوية. لكن العمل السياسي يتم على مستويين، أولاً مستوى المشاريع والبرامج حيث يكون على الفاعلين أنْ يبلوروا خطًا واضحًا خاصًا بهم لكي يستطيعوا أنْ ينافسوا، وثانيًا مستوى „السياسة الكلية“، وأقصد بذلك القواعد السياسية الأساسية مثل سيادة الشعب، والمنافسة بين الأفكار والبرامج، وواجب المُساءلة، وتبادل السلطة، والفصل بين السلطات. هذه القواعد أصبحت اليوم ملزمة تمامًا كالالتزام بالحقوق الأساسية وخوض الصراعات السياسية بأدوات سلمية. أفهم وجود مخاوف، لكني أعتقد أنه من الغباء الثقة بحاكمٍ استغل حكمه على مدى عشرات السنين أكثر من الثقة بهؤلاء الإسلاميين الذين لم يتبوءوا سدة الحكم أبدًا.

ما أهمية ذلك بالنسبة للحكومة التي يترأسها الوزير الأول عبد الإله بن كيران؟

على الحكومة أنْ تقرر الموازنة العامة الآن. وهنا يجب تقليل المصاريف بشكلٍ كبير. ما يعني أنَّ كثيرًا من الوعود الانتخابية كتخفيض ضريبة القيمة المضافة على السلع الأساسية مثلاً لن يتمَّ الإيفاء بها، وربما ستكون هنالك ضرورة لخفض دعم الدولة لسلع أخرى. وهناك مشكلة إضافية تكمن في أنَّ سوق العمل في المغرب لا يستوعب سوى 80 ألف موظفٍ وعاملٍ جديدٍ سنويًا، بينما يصل عدد الخريجين من المدارس إلى 250 ألف تلميذٍ في السنة ممن يبحثون عن عمل. عندما تدق ساعة الحقيقة سيعود الناس للتظاهر في الشوارع، عندها قد يضع الناسُ تمركز السلطة السياسية والاقتصادية في القصر موضعَ التساؤل من جديد.

يبدو جليًا أنَّ جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين المتعصبين سوف يحققون نجاحًا ساحقًا في الانتخابات البرلمانية في مصر. ما هي الذي تستخلصه من ذلك بوصفك يساريًا علمانيًا يناضل من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية؟

يميل البعض اليوم للتشكيك بجدوى الديمقراطية. أما أنا فأرى في نتائج الانتخابات المصرية حجم خسارة الليبراليين والعلمانيين الكبير لمصداقيتهم السياسية، لأن الناس كانوا يرون فيهم أدوات التسلط، ولكنني رغم ذلك مفعمٌ بالأمل بخصوص المغرب ومجمل المنطقة.

لم يعُد الإسلاميون كما كانوا قبل 20 عامًا، فقد استوعبوا أنَّ التصور القائل بأنَّ القرآن يمكنه حل كلِّ القضايا خاطئ. كما تجلى أنَّ وحدة الإسلاميين المزعومة ما هي إلا وهم، والحقيقة أنَّ الفجوة القائمة بين التيارات الإسلامية تكون أحيانًا أعمق منها بين الإسلاميين وغير المتدينين. ربما لن يتحالف الإخوان المسلمون في مصر مع السلفيين في نهاية المطاف، إنما مع الليبراليين. سوف نرى كيف ستتطور الأمور.

أجرت الحوار مارتينا صبرا
ترجمة: يوسف حجازي
مراجعة: هشام العدم

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)