الإنترنيت والديمقراطية.. إنعاش وتجديد أم تقويض وتأزيم؟

 

هل خمد نسبيا جموح تكنولوجيا الإعلام والاتصال، واتضحت نسبيا مشارف امتداداتها، واستقر نسبيا إيقاع مستجداتها بما يوفر إمكانية الاستشراف ويتيح الفصل بين خطابات الدعوة والتبشير وخطابات التحذير والتهويل؟ وهل حققت الدراسات بشأن أثر هذه التكنولوجيا على الاقتصاد والثقافة والسلوكات الضروريَ من التراكمات المنهجية والمعرفية على درب تأسيس مقاربات علمية تكبح الخطابات الإيديولوجية وتؤطر الإسقاطات الاعتباطية والتنبؤات الاستيهامية؟

هذه بعض الأسئلة التي يتوقف عندها بالتفصيل الكاتب عبد النبي رجواني في كتاب حديث الإصدار ويحمل عنوان: الإنترنيت والديمقراطية.. إنعاش وتجديد أم تقويض وتأزيم؟، والصادر مؤخرا عن منشورات „الزمن“ المغربية. (طبعة 2011).

برأي المؤلف، من المؤكد أن الأنترنيت أحدث ثورة في أشكال وأساليب الاتصال، ورسخ الأفقية واللحظية والتحرر النسبي من إكراهات الرقابة والكلفة، وأسهم في توسيع فضاءات حرية الرأي والتعبير، وتجديد آليات تشكل الرأي العام داخل فضاء عمومي مفتوح ييسر مبادرات المجتمع المدني، كما وفر إمكانيات حقيقية للحد من هيمنة المؤسسات الإعلامية المسنودة إلى قوة المال وتبادل المصالح بين الأقوياء، وأصبح بالتالي حاضرا بأشكال ومستويات مختلفة في الاتصال السياسي والاستقطاب الحزبي والحملات الانتخابية وتنظيم الاقتراعات.

ولكن، يضيف المؤلف، هل يسهم الأنترنيت في تجديد الديمقراطية كثقافة تستوجب الاهتمام بالشأن العام، وتثمن التعددية والاختلاف والتداول… وكممارسة ترسخ حقوق وواجبات المواطنة في كل جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية… وكمؤسسات تعكس تنوع انتظارات واختيارات الناخبين، وتُوسع دوائر الإشراك في اتخاذ القرار، وتخضع للمراقبة والتقييم والمحاسبة؟  وهل يسهم الأنترنيت في تقليص العزوف الانتخابي، وتجديد النخب السياسية والإعلامية على أساس الالتزام والكفاءة والمصداقية؟ وأخيرا وليس آخرا، هل يؤثر في الممارسات التنظيمية والتواصلية للأحزاب في اتجاه إرساء الديمقراطية الداخلية، وتطوير اتصال سياسي تفاعلي منتج، وتعزيز قيم الانتماء والالتزام؟

ينطلق المؤلف في كتابه هذا من التأكيد على أن غياب أي تفكير حقيقي في مسألة ذاكرة الانترنيت في علاقتها بسياقات وشروط إنتاج المعرفة يطرح أسئلة ثقافية مقللة، خصوصا مع التطور الحثيث لـ“معلوميات الضباب“ هل سيعدم البريد الإلكتروني كل الممارسات التي تولدت عن الطباعة لتعود البشرية إلى ما يشبه أول عهدها، حيث كان الاقتصار على الصوت والرموز البدائية المنقوشة؟ الصوت لا يخلف إلا صدى سرعان ما يندثر أو يضيع داخل جلبة متعددة الأصوات، فاقدة للمعنى والمبنى… وتعوض الصورة الرمز، وقد أصبحت يسيرة التزوير حتى أضحت المقولة „ليس من رأى كمن سمع“ غريبة عن الحقيقة.

كما يعتبر المؤلف أن الانترنيت يوفر بعض الشروط لتصور ديمقراطية „مباشرة على الخط“ تستمر فيها حملات الانتخابية دون توقف. ولا تقفل فيها صناديق الاقتراع إلا لتفتح تحت ضغط نتائج استطلاعات الرأي الإلكترونية المسترسلة، والعرائض الإلكترونية المحملة بالمطالب المتجددة. إذاك سيتحول كل زمن للاستشارات، وكل مؤسسات القرار إلى مجرد صناديق بريد إلكتروني. ويتحول المنتخبون إلى وسطاء مستنزفين لا يتغيون سوى الالتصاق بالمتموجات المتلاحقة للرأي العام „الافتراضي الديمقراطي“. لكن هل هو ديمقراطي، أي تعددي تداولي على الأقل.

ويتوقف الكاتب مليا عند الرهانات والآمال الكثيرة المعقودة على الشبكة والعالم الافتراضي لإنعاش وتعبئة الرأي العام المحلي والوطني والعالمي، وتيسير أساليب التصويت في الانتخابات للحد من العزوف المتزايد، وتجديد آليات اشتغال المؤسسات المنتخبة لتفعيل دور المواطن في الاقتراح والاستشارة والقرار والمراقبة خارج لحظات الاقتراع. إنها رهانات وآمال كثيرة معقودة على مميزات الانترنيت كوسيلة وفضاء للإعلام والاتصال لتشكل الجماعات الافتراضية المسئولة، وتجديد الممارسات الحزبية، وتجويد شروط ممارسة الديمقراطية في عصر المعلومات الموسوم بالتعقد والسرعة. عصر أضحى يستلزم مقتضيات مواطنة جديدة، تحد من تزايد القلق الاجتماعي والوجودي، وتوفر شروط الاطمئنان والأمل.

وعموما، يخلص المؤلف إلى أن الانترنيت ومهما كانت مميزاته التكنولوجية، يبقى خاضعا لجدلية الثنائيات، وموضوع تقاطبات وصراعات موجودة بالفعل في المجتمع الحقيقي حيث المصالح متباينة ومتناقضة. وكأي تكنولوجية للإعلام والاتصال، فالانترنيت يحمل الشيء ونقيضه، يدعم الإرادة والإرادة المضادة. قد يسخر لتضخيم خطابات التطرف والإقصاء، وقد يفتح آفاقا حقيقية لحرية التعبير والتعددية السياسية والتنوع الثقافي… وقد تغدو هذه الآفاق مجرد أوهام على أرض الواقع /شبكة يكون فيها النصيب الأوفر والأكثر منظوريه لأقوياء ماليا وإعلاميا. فوراء الأفق الديمقراطي المبشر به على أساس فرضية ترسيخ وتعميم الاتصال الأفقي التفاعلي دون تكلفة كابحة أو رقابة ملجمة، من المحتمل أن يعاد إنتاج التفاوتات الناجمة عن سوء توزيع وامتلاك الرساميل الاجتماعية الثقافية والمالية التكنولوجية في العالم الواقعي.

مما لا شك فيه، أن التكنولوجيات الرقمية يسرت إنتاج وترويج واستهلاك الإعلام الشعبوي والمتملص الذي يركز على الحيوات الخاصة للسياسيين وانفلات المنتخبين استرخاءا أو زعيقا ومناطحة، ويهمل الواقع الجدية. وهي معقدة، عديمة الفرجة والإثارة، لا تستهوي الفضوليين وقناصي الهفوات. لكن، وإن رافق الانترنيت الإعلام الشعبوي وطور أدوات اشتغاله واستهلاكه، فهو لم يولده. شعبوية الإعلام تتولد بالأساس عن شخصنة السياسة وميل السياسيين إلى عرض واستعراض حيوا تهم الخاصة بدل بسط أفكارهم ومقترحاتهم والتواصل التفاعلي بصددها، بالإضافة إلى غلوهم في الرهان على التسويق الإعلامي بصورهم وحميميتهم وجملهم القصيرة المشفرة وتهجماتهم القدحية على المنافسين، مضيفا أن الأنترنيت ليس مجرد أداة، قد تخدم الإرادة والإرادة المضادة، الأغورا والسوق والكنيسة، السلطة والمعارضة، الشفافية والتعميم، الانفتاح على الاختلاف والدوغمائية، الإدماج والإقصاء. فهل سيتوفق الإنسانيون نسبيا في الحفاظ على جزء من الشبكة خارج دوائر التسليع والتمييع، الاحتكار والتضليل؟ وهل سيفلح السياسيون المتنورون في تطويع تكنولوجيا الإعلام والاتصال لتحقيق تواصل سياسي تفاعلي وتداولي يسهم في إحياء ديمقراطية قوية المشروعية والجاذبية والفاعلية، وترسيخ مواطنة متيقظة ومسؤولة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)