شخص يحاول قتل طفلته برميها من سطح عمارة بعد أن شكك في نسبها إليه

 

تجمهر سكان الحي  بتاوريرت بداية عشية يوم صائف من شهر يوليوز ، عند باب العمارة وأغلقوا منافذ الطريق من الاتجاهين والتحق بهم المارة والفضوليون وساهموا في الازدحام والتدافع وكثرة السؤال والتساؤل. كانت الأعناق ممدودة والأعين مشدودة والأفواه مشدوهة والأنفاس مقطوعة. كانت الرؤوس المسحوبة إلى الأعلى تميل ذات اليمين وذات الشمال في حركة متكررة كمن يتتبع  قذفات لاعبين في مباراة لكرة التنس. لكن المشهد كان غير ذلك بحيث كانت حركة الرؤوس تتبع خطوات « العيد » الذي كان يسير على حافة سطح عمارة من أربعة طوابق على بعد 15 عشر مترا من الأرض. كانت « اللعبة » خطيرة ولم يكن أحد من المتفرجين على المشهد يفهم سببها ولا دوافعها ولا دواعيها. كان « العيد » يحمل بين ذراعيه طفلة رضيعة مثل دمية في يد طفل غير مسؤول ولا آبه بخطر موشك الحلول، لكن كان هو بالخطر واعيا ويعرف موقعه في اللعبة جيدا ويظهر دوره في الواقعة جليا. لم يكن يبدو عليه هلع ولا فزع  وكان ينظر إلى هؤلاء تحته بكل عجرفة وكبرياء في الوقت الذي كانت الأجساد تتصبب عرقا  والقلوب تتلوى حرقا والأعصاب تفتت تمزقا. كانت حرارتها تفوق حرارة ذلك اليوم القائظ من فصل الصيف، كلما لَوَّح « العيد » بقذف الطفلة الرضيعة إلى أسفل. كان يشد عليها  بيده اليمنى ويلوح بسيف باليد اليسرى ويصيح بعبارات لم يكن أحد يسمع كلماتها التي كانت تتبخر في الهواء على سطح البناية العالية الملتصقة بوجه السماء. « يا لطيف، يالطيف، يا حفيظ ، يا ستار » و » هذا هبيل أو لا مريض؟ عيطو لبومبييا ولبوليس » و »مالو مسكين؟ علاش بغا يرمي البنت؟ » كانت عبارات تتردد بين المتفرجين العاجزين عن القيام بأي عمل  ولا أي فعل…
حلم الهجرة إلى إسبانيا
كان « العيد » يحلم كباقي أقرانه بالسفر إلى إسبانيا بل ب »الحريك » إلى الديار الأوروبية. كانت الغيرة تأكله كلما عاد أحد المغتربين يمتطي سيارة بصفائح أجنبية ويتأبط خليلة أو صديقة أو زوجة  ويتجول بها بين أسواق المدينة وشوارعها. كان يستشيط غضبا   ويشتعل نيرانا كلما حل موسم الصيف وامتلأت مدينة تاوريرت بالشبان العائدين من بلدان أوروبا. كانت أحاديثهم تزيده شوقا ل »الحريك » ومقتا لواقعه المعيشي التقليدي مع زوجته وطفلته وسط عائلته تحت كفل والديه. كان شابا يافعا في الثلاثين من عمره، طويل القامة قوي البنية جميل الهيئة. كان يرفض واقعه بشدة ويطلب من عائلته أن توفر له مبلغا ماليا يمكنه من تحقيق حلمه الأمر الذي كانت يرفضه  الوالد بحجة أنه متزوج وأب لطفلة وصاحب مسؤولية بالإضافة إلى أن المبلغ المالي غير متوفر. كان الرفض يزيد « العيد » تعاسة وشقاء ويأسا. وتحول الحلم إلى كابوس لا يبرح مخيلته. كان الوالد يحاول أن يقنع ابنه بالرضا بقضاء الله وقدره وقبول واقع ليس بسيئ. لم تكن تلك الكلمات تصل إلى لب « العيد » وكان صوت واحد يناديه من دواخله ويدفعه للعثور على وسيلة للوصول إلى مبتغاه وكان يرى في أقرب الأقربين حاجزا لذلك…
مفاوضات وترقب
كان والد « العيد » يتتبع تطورات ابنه وكان يعلم جيدا « داءه » ومكمن جراحه. كان الحاج المختار يتصور بوضوح نهاية المشهد  بل كان متيقنا نهاية تراجيدية لمسرحية واقعية بطلها ابنه « العيد » المتزوج وأب الطفلة الرضيعة « حياة » ذات السنتين التي كان يحتضنها بين ذراعيه ويعتزم الإلقاء بها ككرة من أعلى سطح العمارة ومصمما على اللحاق بها  بالقفز  من نفس المكان في عملية انتحارية. كان كبد الوالد يتمزق بل كان الكبدان الاثنان يتقطعان، ابنه وابنة ابنه. لم يكن في مقدوره فعل شيء اللهم إخبار عناصر الشرطة بقرار ولده الذي اعتبره فاقدا لعقله.
هرعت إلى عين المكان المكدس بالسكان، عناصر الأمن الإقليمي تحت رئاسة رئيس المنطقة ونائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتاوريرت وباشا المدينة كما استنفر مركز الوقاية المدنية مصالحه وجهز عتاده لمثل هذه الوقائع الغريبة والاستثنائية. اتخذ رجال الوقاية المدنية مكانهم بأسفل العمارة في محاولة لإيجاد حَلَّ آخر ساعة بل حلّ آخر دقيقة دون أن تغفل نظراتهم المركزة على « البطل » فيما حاول رئيس الشرطة الدخول في حوار معه.
« أنا غادي نرمي هاذ البنت أللي ماشي بنتي. أمها بغات تنسبها لي وأنا  ما حملهاش. هاذ البنت ماشي من صلبي. غادي نقتلها ونرمي راسي حتى أنا. » بهذه العبارات ، كان العيد يحاول أن يبرر أفعاله وأعماله. كانت مبررات قراراته، بالنسبة له ، مرتكزة على يقين لا جدال فيه وكان يرى في الطفلة الرضيعة وصمة عار مرغت شرفه ولطخت نسبه. كان اعتقاده أقوى من كلمات مخاطبيه الذين كانوا يحاولون إقناعه بخطإ حكمه الذي تم بناؤه على هواجس ووساوس. « حياة ، بنتك ومن صلبك. البنية كتشبهلك. ويمكن نعملولها التحليلات… » وفي الوقت الذي اقترب رجال الشرطة من « العيد » أقسم بإلقاء الطفلة واللحاق بها الأمر الذي جعل المحاورين المجادلين يتراجعون  إلى الوراء  واستبدلوا الحديث بالمهادنة لتهدئة حالته النفسية وتجنب  فعل في انفعال يؤدي إلى مأساة…
جهود وجهاد وحياة
طال الحديث واستمرت الوضعية أكثر من ثلاث ساعات وتَعِب الكُلُّ وبدأ « العيد » يفقد قواه ويتشتت تركيزه. فكان يقعد تارة ويقوم أخرى في الوقت الذي كان يمسك دائما  بالطفلة التي بدأت تصرخ من فرط الحر ولا شك من شدة الجوع. جف حلق « العيد » وثقل لسانه وأحس  بالعطش  الشديد  يتملك جوارحه الأمر الذي جعله يُعبِّر عن رغبته في حاجته إلى قليل من الماء من يد أي أحد إلا من طرف رجل شرطة. تطوع أحد الأقرباء لمناولة « العيد » كأس ماء شروب بعد أن تبادل بعض الكلمات مع رئيس رجال الأمن حيث دار بينهما ما دار .استوعب القريب التنبيهات وفهم التوجيهات وأسرع في الخطوات عازما على إنقاذ حياة. اقترب « حميد » من قريبه بطل الواقعة فَحيَّاهُ وسلم  ثم نطق وتكلم وناوله كأس الماء. توقفت غدد « العيد » من إفراز اللعاب ولم تَعُدْ له قوة الكلام بل كانت رغبة واحدة تحركه هي إطفاء عطشه وإنعاش عروق جسده المهدود. تقدم حميد بكأس الماء وفي الوقت الذي انقض  العيد على الكأس ووجهه إلى فمه، انقض القريب « حميد » على الطفلة وفي لحظة غفلة من أبيها نزعها من ذراعه بالقوة  وسلمها إلى رجال الشرطة حيث نقلت إلى المستشفى .
إحالة من أجل محاولة القتل العمد
فقد « العيد » مفتاح قوته وانعدمت لديه وسيلة ضغطه وفاض غضبه وهدد بتنفيذ قراره الانتحاري مما جعل المفاوضات تنطلق مرة أخرى، وهذه المرة بطلب منه مع اختيار المحاور  الذي كان ضمن عناصر الشرطة الإقليمية بتاوريرت. دار الحديث بينهما ولم يطل وفقد « العيد » الأمل في تحقيق ما خطط له وفسل في تنفيذ ما رسم له واستسلم للقدر بل لم يكن ذلك قدره…
أعلنت الساعة السادسة مساء حين قرر « العيد » تسليم نفسه إلى رجال الأمن وتنفس المتفرجون على  « شريط مطول هوليودي » حقيقي دام أكثر من ثلاثة ساعات ونصف انتهى بإنقاذ الضحية واعتقال الجاني وتمت إحالته على ابتدائية تاوريرت من أجل محاولة القتل في حق أحد الأصول قبل أن تقرر  النيابة إجراء خبرة طبية لمعرفة ما إذا كان هذا الشخص يعاني من اضطرابات نفسية أو عقلية لتحديد مسؤولياته في الواقعة

عبد القادر كثرة


ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)