بين مدينة الحسيمة و مكناس، مدن أخرى تحتاج إلى وفد حكومي.

زايوبريس.كوم/  ذ محسن الأكرمين 

للحراك الريفي بالحسيمة حيثياته المباشرة بمقابل مقتل محسن فكري ضحية سياسة اجتماعية واقتصادية غيرعادلة. وله كذلك امتدادات في التاريخ غير البعيد لمغرب ما بعد الاستقلال. حراك الريف نشمل قوله في مطلب واحد العدالة الاجتماعية.

حراك عفوي جماهيري أبان بحقيقة سقوط هالة مبدأ المصالحة وجبر الضرر بمنطقة الريف، أبان بقوة على أن المجتمع المدني قادر على صنع حدث ديناميكية النضالات الشعبية السلمية ، أبان على أن سياسة مواكبة الإصلاح في ظل الاستقرار السياسي لا تزال هشة المنافذ وقابلة في أي لحظة من خروج الجماهير إلى الشارع للمطالبة بمستلزمات الحياة الإنسانية الكريمة.

فلم تكن مطالب الريف الآنية وليدة حدث طارئ متمثل  فقط في “ مقتل سماك الحسيمة“ بل تم الحراك الشعبي بوعي شمولي وحضاري، وتم تضمينه في ملف مطلبي ثقيل. ملف حصر الإكراهات و الإختلالات  واقترح البدائل العادلة لساكنة الحسيمة. إنه الملف المطلبي الذي ألزم وفدا وزاريا بأن يحل بالحسيمة على وجه السرعة و بمستعجل الحال. وفد أنيط به إطلاق مشاريع اقتصادية وتنموية على أرض الواقع .

شرارة هذا الحراك تسعى الدولة إلى تحجيم تداعياته عن باقي أقاليم وجهات المملكة، من تم كان الرضوخ لسماع صوت الساكنة سيد الحكمة، والتفكير العقلاني بإيجاد الحلول السليمة لمطالب الجماهير الشعبية وسيلة أولية لفرملة الحراك النضالي بالحسيمة كليا،  واستباق وقف التنفيذ من اتساع رقعته بعموم الوطن.

أولى الملاحظات الوجيهة في الحراك الإجتماعي بالحسيمة، هو بروز تيار المجتمع المدني المهيكل الذي استغنى عن كل اللغات التسويفية للأحزاب السياسية والنقابات العمالية ، هو غياب كلي أو جزئي للأحزاب الوطنية التي كانت فيما مضى الرافعة الأساسية لأي حراك شعبي/ اجتماعي ، هي تكمش الفعل النقابي كليا حيث فاق سقف مطالب مناضلي الحراك بالحسيمة ما هو مكنش بدفاتر مطالب النقابات المركزية.

هنا نشد على أيدي كل من ساهم في تأثيث وعي حراك الحسيمة السلمي وجر عنوة وفدا وزاريا“ وازنا“ إلى الجلوس على طاولة الحوار التفاعلي، مع الشروع في التنزيل الحقيقي لكل التصورات التنموية لجهة الريف على أرض الواقع لا على الماكيت المزين.

لكن، نأسف سلفا عند مناقشتنا للموضوع ومحاولة استيعابه وتقليبه بجميع القراءات الممكنة، لما نأسف ؟ . لتكن مسلمتنا الأولية تحييد من نقاشاتنا كل المدن المحضية بالرعاية الفضلى في التنمية والمعروفة لدينا بالتواتر. هنا نصل في افتراضاتنا الحوارية و نتساءل، هل مدينة الحسيمة هي الوحيدة بالمغرب التي تعاني الهشاشة ؟ هل جميع المدن المغربية استفادت من المال العام الوطني في برامجها التنموية ؟ ما محل خبر هوامش المملكة وجوانبها من التنمية الموعودة ؟ ما هي صيغ التضامن الوطني لأجل مواطني المغرب العميق ؟.

هي الأسئلة المفزعة لنا بالتناسل والتوالد غير المحدود. نعم ، نعرف أن مغرفة التنمية بالمغرب لها ضوابط  تحكم، ضوابط تحركها من أعلى السلطة الحكومية إلى أبعد نقطة جغرافية ،  نعرف بأن لها فواصله موضعية ، نعرف تمركز الأيادي التي تحرك أو تسد صنبور التمويلات، فليس من العدل في أن تكون أمك في العرس ولا تستفيد مما لذ وطاب بالوليمة.

ثاني ملاحظة وجيهة عندنا، هي التي ستنقلنا بالمباشر إلى مدينة مكناس التي تجابه مقدمة الريف فقط . مكناس التي طيحت بها الأيادي الخفية إلى الإلحاق بجهة فاس. مكناس التي تفرغ يوميا بالقسر من كل ملامح المدينة الناهضة. رحل مجلس الجهة إلى فاس، رحلت الاكاديمية الجهوية للتربية والتكوين ، الآن تستعد شركة العمران للرحيل بعيدا عن مكناس بعد أن كست المدينة “ آجورا “ أحمرا.

الحقيقة التي لا يمكن تلافيها بالقفز عنها، هي أن مكناس أصبحت سلعة كاسدة حتى عند شركة العمران، أصبحت عملة مضروبة في التنمية الجهوية والجوارية. وحتى لا نكون من المصفقين الكاذبين على الحركة التنموية الحالية بمكناس، فإننا نقول بأن جل الترميمات والإصلاحات التي تباشر بمكناس ما هي إلا  لسد الأفواه المعارضة والتي تنادي بتنمية تشاركية فعلية تغطي المدينة بشموليتها لا بأحياء الواجهة.

نعم مكناس تفتقد إلى تنمية كاشفة تنقل المدينة من منغلق أسوارها إلى الإنفتاح الجمالي للمدينة ببهاء المتسع ، إلى تكريس العدالة الإجتماعية في كل القرارات التي تهم بنية المدينة المادية ، إلى احتلال مفهوم كرامة المواطن المكناسي هدف السبق في الإرضاء والإرساء، من خلال بوابات التشغيل و إصلاح الإدارة وتبسيط مساطرها، من خلال توفير السكن اللائق والتعليم الموفور الجدوى والجاذبية ، من خلال ولوجيات التطبيب الصحي بقيمة أخلاق العناية التي تلف عنق الدولة بالرعاية الصحية لكل المواطنين.

ممكن أن تعلن في أي لحظة جل المدن المغربية أنها الحسيمة، وهي الإشكالية التي ستفرض على الوفد الوزاري “ الحكومة المصغرة “ من التحرك عبر الخريطة الجغرافية للمغرب .  إنها الإشكالية البعبع التي بدأت تقض مضجع حكومة السيد العثماني، إنها المعادلة البئيسة التي تروم إلى التعميم والنمذجة غير المفيدة لمغرب المؤسسات. فمن أجل تحريك فعل التنمية بأي مدينة،  فهل لا بد أن يتحرك الشارع برفع ملفات المطالب ؟.

لا نرتضي حراكا شعبيا من أجل مطالب واجبة الوجود و أقرها الدستور علانية ، هو ذا المعتقد السوي الذي ندفع به إلى الأمام. نعم، هناك مناطق بمملكة الفوارق الاجتماعية أشد فقرا وبهدلة من الحسيمة، هنالك مناطق تعيش الكفاف توجد في الهوامش والجوانب ، هناك مثلث الجذب يعيش بذخ الرفاه. في المقابل هناك دولة المؤسسات الدستورية التي تدير وتدبرالشأن العام الوطني. فلغة الديمقراطية إن آمنا بها كالقدر خيره وشره ،  تقتضي التضامن وتوسيع دائرة التفضيل الإيجابي، تقتضي استفادة كل المدن المغربية من المال العام على السواء، تقتضي ترشيد الإمكانات والدفع إلى تفعيل أدوار الجهوية المتقدمة بعدالة التدبير لا “ أنا أمكم ، من حقي أكلكم“.

لنعد صوب مدينة مكناس ، فقد صرح سابقا رئيس مجلسها الجماعي السيد عبد الله بوانو. بأن مكناس من حقها الإستفادة من المال العام لخلخلة البنية التنموية الراكدة بها منذ الزمن الغابر. لحد الساعة لم تتململ الأيدي  الحكومية لدعم مسار التنمية بمكناس . إنها المفارقة العجيبة التي تربك التفكير المنطقي حين نؤيد  استمرار الإصلاح في ظل وضعية الإستقرار الاجتماعي والسياسي .  فهل كل مدينة خرجت إلى الشارع العام تنال حظها من التنمية و المال الوطني العام ؟ هل الحراك الشعبي يحرج الحكومة ويدفعها للاستجابة الفورية إلى مطالب الشارع ؟ .

سقف النقاش سيزيد حدة إن تابعنا التحليل وتفكيك المتناقضات . ولكن لنجمع شمل تحليلنا و نقول إن سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما هي إلا نزرا قليلا لأثر تدبير يسكنه الخلل من المركز المفكر فينا بالتغييب. والحل العادل يكون في مصالحة رسمية مع المواطنين، مع الجهات، مع الأقاليم و العمالات ، مع البوادي والقرى و مدن الهوامش. مصالحة تعترف بحق  الشعب في العدالة الإجتماعية  ، وتضع كرامة المواطن المغربي فوق كل الاعتبارات السياسية والإثنية. مصالحة استباقية تكون المشعل المنير لأية تنمية قبل الخروج إلى الشارع العام وإعلان المطالب بسقف ممكن أن يتسع في أي لحظة.

zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)