انفلات الحقل الاجتماعي بالمغرب، وأفق تحصين المستقبل.

زايوبريس.كوم

ثمة ملاحظات رزينة تشدنا لمساءلة سياقات الحركات الشعبية المتنامية بربوع المملكة. الحراك الشعبي الذي أصبحت سيولته التراكمية تتدفق من ثوب أكفان الموتى في سبيل نيل كرامة عيش سليم للأحياء.  إنها ثقافة صدمة الموت و تحرك الشارع للبحث عن مبدأ العدالة الاجتماعية. ليكن وصف المنطلق بمملكة الفوارق الإجتماعية أن هذه المرحلة التي تمر منها الدولة يمكن اعتبارها بجدية القول عسيرة، بعد شبه الإقرار العلني بفشل النموذج التنموي

كفاف تجديد النخب السياسية النظيفة بالتراكم، ومساهمة يد المخزن الخفية في تفتيت الأحزاب السياسية وإضعاف الفرقاء الاجتماعيين، هو من أساسيات سياق انفلات الحقل الاجتماعي من بين أيدي الدولة ووسائط النخب السياسية. لكن حينما نقتصر عن ذكر تلك الأسباب الظاهرة بالبيان، فإننا لن نستصغر من شأن مجموعة من الفجوات المميتة والممتثلة في وجه الفساد الذي يحارب منذ الاستقلال ولا زال حاضرا و متجددا، وعناوين إقامته متغيرة على الدوام

سؤال مستفز و ماكر في حد الإجابة عنه سواء بالنفي أو القبول، ويتحدد هذا السؤال بمؤشر واصف، هل يمكن أن نقول بأن المغرب دخل مرحلة الانفلات العفوي في الحقل الاجتماعي؟ . تدفق كلمات الجواب بالرفض أو الإيجاب سنقوم بفرملة آلياتها حينا، وسنحاول الكشف عن بعض الأسباب والتي لزاما ستحيلنا للمرة الأولى إلى سلطة المخزن الثابتة في ضبط وكبح كل متحولات مد قوة وجزر الأحزاب السياسية. فمن المتغيرات الثانية ما تتوسط الماضي غير البعيد عن سنوات الاستقلال، من حيث أن النخب السياسية كانت تتبنى مطالب الجماهير الشعبية، كانت لصيقة وملتصقة بهموم الشعب ومعاناته، كانت برامجها السياسية تحمل ظل مطالب قوى القاعدة الشعبية و تتأسس عليها، كانت الأحزاب الديمقراطية تتفاعل مع قضايا المجتمع  وتمارس أدوارها الدستورية في تأطير الجماهير فكريا وإيدولوجيا. الآن، انفصمت الأحزاب عن قواعدها الشعبية / الإجتماعية. قولنا هذا مرده الحصين عند معاينة حركية الأحزاب حين إجراء كل استحقاء انتخابي، تلك الأحزاب التي تشتغل وفق „مول الحانوت“ الدكاكين الانتخابية الموسمية . تلحظها تدغدغ المشاعر وعقول الناخبين بسلة أماني وبلغة شعبوية رديئة. لكنها ما تنفك تتخلى عن كل برامجها ووعودها بمتم إعلان النتائج، وتصطف ضمن كوكبة خط انطلاق نيل كعكة الكراسي الوزارية

حين نتحدث عن انفلات الحقل الاجتماعي عند كل مستجد „موت كرامة“، فإننا نشير بصريحة العبارة إلى شكل من أشكال الفوضى السياسية غير المبرمجة بالتأطير، شكل يكون خارجا عن تكهنات الدولة واستخباراتها. فيما الموجه الخطير بالملاحظة حين يتلون الحراك الشعبي بمطالب عرقية أو إثنية /عشائرية. وهو الضابط السلبي الذي نعلي فيه ورقة حمراء، في ظل عنصر الحفاظ على القواسم المشتركة للهوية المغربية التوليفية

هل أصبحت الدولة مستعدة لإرضاء  مطالب أي حراك شعبي مستجد ب“موت عمل الكرامة“ وغير مخترق لا في المكان ولا في الزمان؟. في ظل معاينة الانفلات الاجتماعي، فإننا نلاحظ أن كل حراك شعبي يلفظ الأحزاب السياسية بكل رموزها المتنوعة، حتى وإن توددت بالهرولة إليه. نلاحظ أن الثقة في النخب السياسية والنقابية مفقودة حتى وإن وجد الإستثناء فهو معوم. نلاحظ  أن كل حراك شعبي يرفض كل الوساطات حتى و إن كانت في شكلها الدستوري. نسجل أن الحراك الشعبي أصبح يتحدث ب“ الشعب يريد…“، أصبح الشعب يريد الحديث بشكل مباشر عن معاناته المتفاقمة وبحثه عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية

من المقايسات غير السوية تقاطر خواطر الاستثمارات والمشاريع المسكنة و الــ“ بريكولاج“ على منطقة „موت الكرامة“. و ما حضور الوزراء إلى مدينة “ أحداث موت“ ببهرجة الموائد والبذخ إلا لتوقيف عقارب زمن الاحتجاج ولو بمشاريع ( آخر فرصة / تريبورتور)

 ومن المفارقات العجيبة أن التنمية التفاعلية مرتبطة بتحسين حياة الأحياء!، لكن رائحة توابل التنمية لا تأتي بالمال العام إلى المدن المنسية إلا بعد إعلان „حالات الموت“، و إعلان الانفلات الاجتماعي، وهو ذا  الرهان الخاسر من منطلق المركز. إن إخماد النار الحارقة للمظاهرات لن تتم وفق اختصاص عمل رجال الإطفاء ، بل بعمل حكومة وطنية تحمل رؤية تنموية مندمجة عادلة مع أبعد نقطة في المغرب العميق

هل لدينا الجرأة التامة لمعالجة الإشكال الحالي قبل تفاقم (الحراك الشعبي) نحو المشكلات القائمة بالتعدد؟، هل ممكن أن تستعيد الدولة ضبط الحقل الإجتماعي وتحصين هيبتها القانونية؟ . نقول نعم، بالموازاة مع سد منافذ الفساد، بالتصالح مع الأحياء، في ترشيد سياسة شعبية وطنية، في صنع نخب سياسية نظيفة الأيدي و مأسسة حكامة المسؤولية والجزاء. نقول نعم، في التوزيع العادل لثروات الوطن، و في احترام كرامة عيش وعدالة اجتماعية بلا إحسان ولا قفة

 

محسن الأكرمين (مقال رأي).

zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)