الخط الأحمر: الفساد بالمغرب: ذلك الجرح الذي لا يندمل

زهر الدين طيبي

لماذا لا زال المغرب متأخرا في مؤشر إدراك الرشوة؟ لماذا لم نستطع محاربة الفساد رغم كل الآليات الموضوعة؟ متى نخرج من خانة “الرشوة المزمنة”؟

بداية لا بد من فهم هذا المؤشر، مؤشر إدراك الرشوة هو مؤشر يعني أساسا القطاع العام والادارة والمرفق العمومي، وقد تم تحديد السلم من 1 ويعني المستوى العالي للفساد و100 التي ترمز للمستوى العالي للنزاهة. وقد ربح المغرب ثلاث نقط في مؤشر إدراك الرشوة لسنة 2017، حيث وصل إلى 40/100 بينما كان خلال سنة 2016 في حدود 37/100 وخلال 2015 وصل إلى 38. نقطة 40/100 التي حصل عليها المغرب بوأته الترتيب 81 خلال سنة 2017 فيما كان في المرتبة 90 سنة 2016 ب 37 نقطة. وتندرج المملكة بهذا التصنيف في خانة تسمى “بالرشوة المزمنة”. ومقارنة مع نتائج الدول العربية احتلت الامارات الرتبة 21 تليها قطر حيث احتلت الرتبة 29 والعربية السعودية 57و عمان 59 وتونس 68.
وكان رئيس الحكومة سعد الدين العثماني قد أعرب عن قلقه من تدني رتبة المغرب في مجال محاربة الرشوة، وأكد العثماني في كلمته الأسبوع الماضي خلال افتتاح المنتدى البرلماني الدولي الثالث للعدالة الاجتماعية بأن رتبة المغرب في مجال محاربة الرشوة “مازالت متدنية، ولا تزال تقارير وطنية ودولية تدق ناقوس الخطر بالنسبة لهذا الورش الذي لم يتحقق فيه التقدم الكافي”. حسب تعبيره
صحيح أن العثماني أعلن عن متابعة عشرات المسؤولين بتهمة الفساد، خصوصا الذين عرضت ملفاتهم على القضاء، كما أن عددا من المسؤولين يخضعون حاليا للتحقيق، وهناك عشرات القضايا معروضة أمام القضاء، انطلاقا من شكايات المواطنين المباشرة، أو عن طريق الرقم الأخضر لوزارة العدل، وتقارير المفتشيات العامة، أو استنادا إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وصحيح ما صرح به الناطق الرسمي باسم الحكومة نهاية الأسبوع الماضي، بأن عدد قضايا الرشوة المبلغ عنها انتقل من 7 آلاف إلى 13 ألفا سنويا، وحكم بسجن أغلب المفسدين، وذلك منذ إطلاق الرقم الأخضر لمحاربة الرشوة من لدن وزارة العدل والحريات في 2015، لكننا في المقابل ومنذ سنة 2000 لم نستطع تجاوز 40 نقطة في مؤشر إدراك الرشوة، وهو ما يعني أننا فشلنا في محاربتها كما فشلنا في محاربة الفساد
لقد صرح العثماني فيما قبل آخر مجلس حكومي بأن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ستعقد اجتماعها في غضون شهر، وذلك بعد أن أنهت كافة اللجن الفرعية إعداد تقاريرها، مشددا على عزمه إعطاء هذا الورش الأهمية البالغة، باعتبار أن عدم ربط المسؤولية، بالمحاسبة، والإفلات من العقاب سلوكات شجعت بقاء الفساد مستشريا داخل المجتمع. ولكن المؤكد أن تفعيل الخطة الوطنية لمحاربة الرشوة أضحى ضروريا، كما أن الرقابة والمحاسبة يجب أن تكون دورية وليست مناسباتية، ما دام الفساد السياسي والاقتصادي لبعض المسؤولين والمنتخبين لا يزال متفشيا في كل جهات المملكة، حيث تصبح مؤسسات الدولة قطاعا مباحا للنهب، في غياب تام للمراقبة والمساءلة والعقاب.

المؤكد أنه لا داعي اليوم للتساؤل لماذا تنهار العمارات السكنية عندنا وتودي بحياة المواطنين الأبرياء؟ ولا لماذا تنهار الأسوار في مدننا وتقتل المواطنين؟ ولا حتى لماذا تغرق طرقاتنا بزخات مطرية قليلة، وتنهار القناطر والجسور؟ ما دام الجواب يصبح بسيطا للغاية. نعم، هو الغش والفساد الذي بات ينخر كل المجتمع، ويظهر في المشاريع الصغرى كما في الكبرى، وهو ما يؤكد أن المفسدين في جميع القطاعات والمجالات، لا يهمهم المواطن ولا مصلحة الوطن، بقدر ما تهمهم مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم التي من أجلها، هم على استعداد لمقايضة الوطن
هل يعقل في مغرب القرن الواحد والعشرين أن تصبح آثار تساقط قطرات مطرية في الطرقات الرئيسية في قلب كبريات المدن المغربية، شبيهة بما يخلفه الإعصار في بعض الدول الكبرى؟ هل كل ما نستحق كمواطنين هو عمارات مغشوشة تنهار بسكانها وأسوار متآكلة يتسبب انهيارها في مقتل ضحايا أبرياء؟ أين هي المصالح المعنية ومصالح التعمير التي رخصت وأنجزت هذه البنايات، ألا يهمها غير الاستثناءات؟ وإلى متى سوف يظل المسؤولون بلا حساب ولا عقاب؟ إذا كانت لدى الحكومة إرادة سياسية للتقدم في مؤشر إدراك الرشوة وفي كل المؤشرات الأخرى، فعليها أن تدرك أنه قد حان الوقت لمساءلة مكوناتها عن التأخر في تنزيل محاور استراتيجية محاربة الفساد والتي تخص تحسين خدمة المواطن، والإدارة الإلكترونية، وتكريس الشفافية، والوصول إلى المعلومة، وتعزيز الأخلاقيات في الوظيفة العمومية، وتقوية الرقابة والمساءلة، وتقوية المتابعة والزجر، وتعزيز إدارة وتدبير الطلبيات العمومية، وتحسين شفافية الفاعلين الاقتصاديين في القطاع الخاص، وتحسين التواصل…. الخ
لا يختلف اثنان أن انتشار الفساد يؤثر سلبا على اقتصاد البلاد، ولأن دولة الحق والقانون يجب أن تحمي الموطن كما تحمي الشأن العام والأمن العام والمال العام والأخلاق العامة، فإنه يفترض فيها أيضا حماية الاقتصاد الوطني والدولة من الفساد والمفسدين، عن طريق تفعيل القوانين الزجرية وتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة في إطار احترام الدستور والقوانين، بشكل يجعل المواطنين على بينة من حقوقهم وواجباتهم، ويرفع كل حصانة أو هالة عن كافة الموظفين الكبار والوزراء وكل المسؤولين، الذين يعيثون فسادا ضد القانون في دولة الحق والقانون
لقد حان الوقت للقطع مع مفهوم المنصب الذي يكون رديفا للمال السهل والامتيازات دون حسيب أو رقيب، فمغرب اليوم لم يعد قطاعا خاصا لناهبي المال العام، وبات يضع الجميع تحت مجهر المتابعة، والمساءلة، والحساب

زايوبريس.كوم/zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)