النساء „الحمّالات“ .. مغربيات يتحدين الموت من أجل لقمة العيش

 

إسماعيل الطالب علي

تجدهن مصطفات في طوابير طويلة ينتظرن دورهن، لأجل شراء سلع وحملها على ظهورهن في أغلب الحالات، ليعدن بها مساء كل يوم عبر معبر حدودي بما حملناه من بضائع.

تجد عددا منهن قادمات من مدن مختلفة يدخلن معبر باب سبتة، لأجل شراء ما لذ وطاب من سلع أقل ثمنا، وفي المساء تجدهن مصطفات أيضا في تلك الطوابير اللامنتهية لأجل الخروج متوجهات إلى مدنهن لبيعها بثمن يربحه إياهن بعض الدريهمات.

إنهن تلك النسوة اللواتي يطلق عليهن اسم „حمالات البضائع المهربة“، أو „حمالات السلع“، أو حتى „النساء البغال“ كما أطلقت عليهن صحيفة „ذا غارديان“ البريطانية، ولكن هن في الأصل حمالات لمآسي لا يمكن معرفتها إلا إذا غاص المرء في خباياها وعاش تجربتها.

معاناة بطعم المرارة..

قبيل فجر كل صباح، يجد المرء عددا كبيرا من النساء يسابقن الخطوات، في جو أحيانا يكون باردا أو ممطر، باعتبار تطوان مدينة ساحلية، أو آتيات من مدن آخرى، قاصدين بذلك محطات الأوتوبيس، متوجهات إلى مدينة سبتة التي تبعد عن تطوان بـ36 كيلومتراً.

حافلات تلو الأخرى، تحمل نسوة أهلكهن الاستيقاظ كل فجر حاملات معهن آمال أسر بكاملها لأجل توفير لقمة عيش تقيهن وأسرهن التشرد والضياع، فعند الوصول إل معبر سبتة „الديوانة“ كما يسميها الكثير، يصطفن في طوابير تعودن عليها ليدخلن عبر „تاراخال“، إلى سبتة المحتلة.

الزهرة الملالية تحكي لـ“مواطن“، أنها في كل صباح تسابق الزمن لأجل الذهاب إلى سبتة لأخذ مكان في ذلك الطابور الطويل الذي لا ينتهي، وذلك حتى يمكنها الدخول بسرعة، ولكن بالرغم من ذلك تجد أناسا كثرا سبقوها إلى هناك، حيث في كل مرة يتحتم عليها أن تنتظر طويلا لتدخل، تقول الملالية.

بعد دخولهن تجدهن يملأن فضاء سبتة، لشراء بضائع وسلع، يحملنها مساء، في جو أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه „غير إنساني“، خصوصا عندما يحصل التدافع الذي يؤدي إلى سقوط ذوات الجسد „الضعيف“ أمام أرجل الرجل.

الزهرة ذات 46 عاما والمنحدرة من مدينة بني ملال، والقاطنة بمدينة تطوان، تضيف بكون ظروف إخراج السلع من سبتة في الآونة الأخيرة أصبحت صعبة جدا، خصوصا أمام التشديد الذي تقوم به المصالح الأمنية.

وهي تحكي، بنبرة مستاءة “ لم يعد لي جسد يتحمل مشاق حمل السلع الكثيرة على ظهري، لكن في مقابل ذلك لزام علي أن أوفر „طرف ديال الخبز لوليداتي“.

معبر الموت..

مدينة سبتة المحتلة، معبرها أضحى ينعت بـ“ممر للموت“ في الآونة الأخيرة، نتيجة حدوث وفيات متتالية لسيدات يعملن حمالات للسلع والبضائع التي يشترينها من سبتة بأسعار رخيصة، ثم يعدن إلى „الداخل“ ليبعنها بحثا عن لقمة عيش تسد رمقهن وعائلاتهن.

في كل مرة وحين، تطلع علينا حالات نساء يلقين حتفهن على إثر التدافع والزحام الشديدين قرب معبر باب سبتة، أو ما أصبح يصطلح عليه، بمعبر الموت، أما عن حالات النساء اللواتي يتعرضن لإصابات بجروح متفاوتة، فلا يمكن عدها ولا حصرها.

نساء كثر يسقطن تحت الأرجل، ويتعرضن للدهس والاختناق، ما يفضي بهن إلى الموت المحقق.

تقول فاطمة التي امتهنت هذا العمل خلال فترة قصيرة، „حنا „النسا“ لينا الله وصافي، خصك تشوف ملي كايوقع الدحاس وشد لي نقطع ليك، وملي كتشوف كل مرة كتموت شي وحدة، راه فأي لحظة كانقول نقدر نكون وحدة من النسا اللي ماتو فهاد الديوانة“.

تكرار حوادث الموت والتدافع الشديد بين النساء الحمالات في معبر سبتة، جعل من العديد والهيئات الحقوقية تعرب عن غضبها من جراء الوضع التي تعاني منه النساء في المعبر، خصوصا الاستخفاف وخرق حقوق الإنسان الذي يطالهن والذي بات أمرا معتادا في معبر الموت هذا.

إغلاق „تارخال“..

أمام استمرار الأرواح التي تُحصد نتيجة عملية الازدحام والتدافع الذي تشهده بوابات العبور إلى سبتة، ما تزال المدافعون عن حقوق الإنسان يطالبيون بإغلاق المعبر الذي يحط من كرامة الإنسان، وبالتالي تنمية المنطقة لأجل أن لا يبقى نساء „التهريب المعيشي“ دون بديل.

بتاريخ الإثنين 15 يناير من السنة الحالية، يستحضر المرء آخر حالة وفاة لسيدتين نتيجة التدافع بالمعبر، لتكون الحصيلة بذلك 6 وفيات لهؤلاء النساء في ظل سنة واحدة.

وفاة كل من الضحية سعاد زنيتر ذات 27 عاما، والضحية إلهام بن الشريف البالغة من العمر43 سنة، دفع بوزير الخارجية الإسبانية أن يعلق على الحادث قائلاً إن „الوضع غير مرض، وعلى كل من المغرب وإسبانيا التحرك لتحسين الأمر“.

الحادث „الأليم“ دفع بالعديد من الهيئات إلى المطالبة بإغلاق „معبر الذل“ كما عبرت عن ذلك فيدرالية رابطة حقوق الإنسان، تفاعلاً مع الواقعة، والتي أعربت عن „الاستنكار والتنديد باستمرار استرخاص والمساس بحياة النساء في هذا المعبر المشؤوم رغم الوفيات والحوادث المتتالية في صفوف النساء“.

ناشطات الفيدرالية وجهت بذلك دعوة إلى الحكومة والقطاعات الوصية، بالكف عن „التماطل في حل هذا الملف بشكل يقي حياة وسلامة النساء الباحثات عن لقمة عيش وضمان كرامة العابرات وإنصافهن“، مطالبة بـ“تقديم بدائل حقيقية لهؤلاء النساء المهمشات اللواتي يكابدن الويلات من جراء استمرار غض الطرف عن عواقبه“.

من جانبه، يطالب مرصد الشمال لحقوق الإنسان، بإغلاق المعبر بشكل نهائي، على اعتبار أن „ما يحدث به يحط من كرامة الإنسان ويضر بالاقتصاد الوطني بشكل كبير“.

وتتحدث الأرقام عن كون أزيد من 15 ألف مغربية يرتدن المعبر من أجل توفير قوتهم اليومي. 

وما تزال حوادث التدافع على مستوى معبر „الموت“ تتكرر،  فإلى متى سيظل هذا الوضع على ما هو عليه؟

زايوبريس.كوم/zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)