”ورشة ثقافية وفنية ورياضية خلف القضبان” .. بهذه الخلاصة يخرج الزائر للسجن الفلاحي بزايو

زايوبريس.كوم/ عبد القادر بوراص

”ورشة فنية متكاملة خلف القضبان”، بهذه الخلاصة يخرج الزائر للسجن الفلاحي الواقع بدوار بني وكيل التابع لجماعة أولاد ستوت الترابية  على بعد حوالي 18 كيلومتر شرق مدينة زايو بإقليم الناظور ، فهذه المؤسسة النموذجية اتخذت الفن وسيلة يحلق عبرها النزلاء من واقع الاعتقال إلى سماء الإبداع الراقي ، يفجرون ما تختزنه دواخلهم من طاقات لتتحول إلى تحفة فنية عبارة عن شعر معبر ومسرح جاد هادف وموسيقى راقية .. هذا ما شاهدناه بعين اليقين ونحن نشارك النزلاء احتفالهم باليوم العالمي للمسرح الذي احتضنته الساحة الرحبة للسجن المحلي ، مساء يوم الخميس 29 مارس الجاري ، حفل يندرج في إطار تكريس انفتاح قطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج على المجتمع، وترسيخ التواصل والتفاعل الإيجابيين بين الرأي العام والسجناء بما يحقق الإصلاح والتأهيل، وكذا لتثمين الجهود المبذولة من طرف مختلف الشركاء حول تكريس المؤسسة السجنية كفضاء فعلي لتهييء السجناء للإدماج

الحفل البهيج افتتحه المسؤول عن الشؤون الاجتماعية محمد بوغرارة بكلمة تلاها نيابة عن مدير المؤسسة إبراهيم أزلماظ ،بلسانه الفصيح وصوته الجَهْوَرِيّ ذي الطابع الحماسي ، رحب فيها بالحضور النخبوي المتنوع ، قبل أن يوجه رسالة نقل بين سطورها صورة واضحة للرأي العام عن دور المؤسسات السجنية في صقل مواهب نزلائها ، مؤكدا في الوقت ذاته على أهمية الفن باعتباره مدخلا أساسيا للرقي بالذات والروح ، وللتواصل مع المحيط ، ومجالا خصبا لانتقال السجناء من الاعتقال إلى سماء حرية الإبداع الراقي ، انتقال يعكس الرغبة الملحة في الإصلاح والإدماج ، من أجل المصالحة مع الذات والمجتمع لتوقيع صفحات بيضاء خالية من الجرم والحقد والانتقام، صفحة تملأها ألوان إبداعية تبعث نورا يتجدد عبر مرور الأيام ويبقى ما بقي الزمان ، لينقل لنا رسائل واضحة مفادها أن السجن لا يمكنه أن يحول دون حرية الفكر والإحساس والإبداع ، مما يستوجب ضرورة تغيير الصورة النمطية عن المؤسسات السجنية 

وفي هذا الإطار ، يقول محمد بوغرارة ، تم تسطير برنامج حافل بالأنشطة خلال هذا الموسم، ومفعم بالحياة بفضل نهج تربوي نشيط يجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى التعلم الذاتي والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي ، أنشطة مفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المؤسسة السجنية والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن ، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المؤسسة السجنية وفضائها المجتمعي والثقافي والرياضي ، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات والحاجات المحلية للمؤسسة ونزلائها ، وذلك بهدف تحسين فعالية المؤسسة ونجاعة خدماتها ، والرفع من جودة برامجها ، تنفيذا للاستراتيجية الكبرى التي تنهجها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج التي جعلت من السجين محور مخططاتها بغية الارتقاء بالمقاربة الإدماجية إلى مقاربة مواطنة تجسيدا للإرادة الملكية السامية 

وأكد محمد بوغرارة ، المسؤول عن الشؤون الاجتماعية بالسجن الفلاحي لزايو ، في ختام كلمته، على أن تثمين الفضاء السجني وتنشيطه مسؤولية مجتمعية متقاسمة، تتولاها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى جانب شركائها، وفي مقدمتهم فعاليات المجتمع المدني، إذ إن المقاربة التي اعتمدتها المندوبية المذكورة تمكن المؤسسات السجنية القيام بمهامها الإصلاحية والنهوض بادوارها الإدماجية بالشكل المطلوب ، مقاربة مبنية على النتائج ، تروم تمكين السجناء من ممارسة هواياتهم وتنمية قدراتهم وإكسابهم مهارات جديدة ، وتشجيعهم على تهذيب سلوكهم وصقل مواهبهم ، وترسيخ مبادئ الإسلام المعتدل وروح المواطنة وتقويم السلوك من الانحراف، وإرساء قواعد الدين الصحيح وفق العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي وإمارة المؤمنين

الحفل الذي أحيته مجموعة لعوافي بأغانيها الملتزمة ذات المواضيع الاجتماعية والقومية المختلفة التي تلامس واقع الإنسان المغربي ، وبموسيقاها العذبة التي تردد صداها ليغمر المكان طربا وترنيما انتشى النزلاء من نغمه الزلال وردد عدد منهم كلمات مقاطع غنائية يحفظونها عن ظهر قلب ، ونجح أفراد مجموعة لعوافي برئاسة المايسترو رشيد سعيدي من إلهاب حماس النزلاء الذين لم يتمالكوا أنفسهم فانخرطوا في غناء جماعي لتتحول أسوار السجن إلى عرس حقيقي ، لحظات فرح وسعادة غمرت القلوب وظهرت علاماتها بجلاء على الوجوه 

وعاش النزلاء ، يوم الثلاثاء 27 مارس ، فعاليات أمسية شعرية باذخة احتفاء باليوم العالمي للشعر ، نظمتها جمعية أصدقاء الشعر بشراكة مع مؤسسة السجن الفلاحي بزايو ، وبدعم من مجلس جهة الشرق ، تحت شعار ” الإبداع مشتركنا الجميل” ، بمشاركة نخبة من ألمع الشعراء والزجالين ، بينهم عبد العزيز أبو شيار ، الحسن درويش ، محمد مهداوي ، بنعمرو ميعاد وأميمة رجاء في الله ، الذين هاموا بالحضور في بحور الشعر الراقي ، معبرين عن حسهم الإبداعي المرهف المرصع بصدفات الكلمات الرقيقة المعبرة في زمن التكنولوجيا والمعلوميات ، رافقتهم في ذلك تقاسيم أوتار العود الذي داعبتها أنامل الفنان المتألق كمال سعيدي ، رئيس نادي التربية الموسيقية بدار الشباب لزايو ، قبل أن تقدم أعضاء فرقته كشكولا متنوعا من الأغاني الشرقية والمغربية والأمازيغية . كما زودت الجمعية المذكورة مكتبة المؤسسة السجنية بمجموعة من الكتب المختلفة لمؤلفين ينحدرون من الجهة الشرقية 

وأسدل الستار على هذه الأيام الثقافية والفنية الناجحة بامتياز ، بتكريم مجموعة من أطر التكوين المهني والفلاحي وقسم محاربة الأمية . وكانت مناسبة أيضا كرمت فيها كل من جمعية أصدقاء الشعر ومؤسسة التكوين المهني مدير هذه المؤسسة السجنية الفريدة من نوعها إبراهيم أزلماظ ، وهو تكريم مستحق لمسؤول خدوم يعمل ليل نهار للارتقاء بمؤسسته نحو الأفضل وخدمة نزلائها 

جدير بالذكر أن السجن الفلاحي المذكور يقع بدوار بني وكيل التابع لجماعة أولاد ستوت الترابية ، على بعد 18 كيلومتر شرق مدينة زايو في اتجاه رأس الماء ( قابوياوا ) بإقليم الناظور ، يمتد على مساحة 109 هكتار و90 آر ، ويأوي حوالي 530 نزيلا أغلبهم قاربت مدة عقوبته الحبسية على نهايتها ، وتم استقدامهم من سجون وجدة ، الناظور ، تازة ، بركان والحسيمة .ويستفيد عدد منهم بتكوين مهني بشعبة الأشجار المثمرة ، إضافة إلى شعب الحلاقة ، الإعلاميات ، كهرباء البناء ، الصباغة ، الترصيص الصحي والبناء 

ويبقى أن نقول ــ دون مجاملة ــ بأن السجن الفلاحي بزايو أصبح مؤسسة نموذجية بكل المقاييس ، ببنايتها ومديرها وموظفيها ونزلائها ، وستكون ، دون شك ، مضرب المثل لما يجب أن تكون عليه باقي المؤسسات السجنية ببلادنا 

zaiopress.com

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)