لمحة تاريخية عن التطور الدستوري بالمغرب..بقلم عزالدين شملال

زايوبريس.كوم

 عزالدين شملال : باحث في الدراسات الدستورية والسياسية

مقدمة : ترجع أصل كلمة ” دستور” إلى اللغة الفارسية، وهي كلمة مركبة من جزأين ” دست ” وتعني قاعدة، و ” ور” التي تعني قانون، وبالتالي فإن كلمة ” دستور ” تعني قاعدة القانون والأساس الذي تُبْنَى عليه جميع القوانين، ودخلت إلى اللغة العربية منذ أوائل العصر العباسي عن طريق الأتراك . هيمن العرف الدستوري ( دستور غير مكتوب ) في الحضارات القديمة حيث يعود أقدم دستور عرفي إلى كونفيشيوس بالصين القديمة مرورا بالديمقراطية اليوناية وحقب مختلفة من العصرين الروماني والبيزنطي، كما عرفه العرب في جاهليتهم فكانوا يتفقون على اختيار رؤساء القبائل وإعلان الحروب وتوقيفها وقبول المصالحة بالعرف . وبمجيء الإسلام وظهور مفهوم الأمة مكان مفهوم القبيلة تم سن بعض قواعد وضوابط التعامل بين الجماعات والأفراد كما تم تنظيم بعض المعاملات الاجتماعية والمالية بين ساكنة يثرب وزائريها من المسلمين واليهود والنصارى والوثنيين ….في إطار ما عُرِفَ ب (وثيقة المدينة) التي مثلت أول دستور مكتوب في تاريخ العرب والمسلمين ، وتضمنت 71 مادة أوردها ابن إسحاق ونقلها عنه ابن هشام في سيرته . فالدستور كما عرفه أغلب الفقهاء الدستوريين هو ” القانون الأساسي أو مجموعة القواعد الأساسية التي تقرر نظام الحكم للدولة ، وسلطة الحكومة ، وطرق توزيع السلطة ، وكيفية استعمالها، كما تبين حقوق الأفراد والجماعات ” وقد ظهر هذا النوع من الدساتير عند العرب والمسلمين في عهد الملك العثماني عبد الحميد الأول سنة 1835 ثم في عهد عبد الحميد الثالث سنة 1908. ويرجع الفضل في إقرار معظم دساتير العالم إلى الثورة الفرنسية والدستور الفرنسي الأول والذي سبقته حركة فكرية واجتماعية وسياسية عميقة أطرها كتاب كبار” كمونتسكيو” صاحب كتاب (روح القوانين ) وجان جاك روسو صاحب كتاب (العقد الاجتماعي) وكانا من أوائل المفكرين الذين طرحوا نقطا لا زالت متداولة في معظم الدساتير كفصل السلط والتوازن بين حرية الفرد و ومقتضيات الحياة الاجتماعية والسياسية … وفي المغرب شكل مشروع دستور 8 أكتوبر 1908 الذي قدمه علماء وأعيان مدينة فاس للمولى عبد الحفيظ أثناء بيعتهم المشروطة له، والذي نشرته جريدة لسان المغرب، التي كان ينشطها سوريون ولبنانيون بمدينة طنجة، أول محاولة حقيقية لإقامة نظام دستوري ديمقراطي في المغرب، تفوض فيه السلطة التقريرية إلى مجلس منتخب، ويحتفظ السلطان من خلاله بصلاحية التصديق على القرارات. غير أن هذا المشروع أقبر وأزيح من التداول بعد تنازل المولى عبد الحفيظ عن الحكم لفائدة أخيه المولى يوسف إثر ثورة الجنود بفاس ضد نظام حكمه. لكن أهمية هذا المشروع برزت في كونه سلم فكرة الدستور إلى رواد الحركة الوطنية من أجل تبنيها والدفاع عنها، بل وجعلها مدخلا للاستقلال عن فرنسا، وهو ما تبلور فعليا في ورقتي ” مطالب الشعب المغربي ” المؤرخة بتاريخ 1 ديسمبر 1934 ، و ” المطالب المستعجلة للشعب المغربي ” في 25 أكتوبر 1936، اللتين تقدم بهما قادة الحركة الوطنية برئاسة علال الفاسي و محمد بلحسن الوزاني و أحمد بلافريج لسلطات الحماية الفرنسية. لكن بعد فشل المحاولتين السابقتين في إقناع سلطات الحماية بدسترة البلاد، غيرت الحركة الوطنية أولويات نضالها من أجل الاستقلال، من المطالبة بالدستور كمدخل للاستقلال إلى المطالبة بالاستقلال كمدخل للدستور، وهذا التغيير في الأولويات كان سببا في ظهور أول انشقاق حزبي، حيث خرج محمد بلحسن الوزاني المعارض لخطوة تأجيل المسألة الدستورية من “كتلة العمل الوطني ” التي أسسها رفقة علال الفاسي وأحمد بلافريج، وأسس ” الحركة القومية” التي تحولت فيما بعد إلى “حزب الشورى والاستقلال”. العهد الملكي : وبعدما أحرز المغرب على استقلاله النسبي، ظهرت إلى العلن التناقضات الداخلية التي كانت كامنة بين مكونات الحركة الوطنية في مرحلة ما قبل الاستقلال، وظهر توجه قوي لدى حزب الاستقلال نحو إقامة نظام الحزب الوحيد بالمغرب، وسط معارضة شديدة من أحزاب: الشورى والاستقلال الخصم اللذوذ لحزب الاستقلال، والحركة الشعبية التي كان وزير الداخلية في الحكومة الائتلافية الثانية الاستقلالي إدريس المحمدي يضايقها، والأحرار المستقلين المتهم من طرف حزب الاستقلال على أنه صنيعة القصر، وأخيرا حزب الوحدة المغربية. ولكون الملك الراحل محمد الخامس، لم يكن هو الآخر، راضيا عن محاولة الاستقلاليين الهيمنة على المشهد السياسي المغربي، فقد قام بإفشال مسعاهم عبر خطوتين: أولا إصداره لأول وثيقة دستورية تحت اسم ” العهد الملكي ” في 8 ماي من سنة 1958، والتي حدد فيها طبيعة نظام الحكم على أنه ملكية دستورية، ذات نظام سياسي تعددي، وثانيا عبر إصداره لقانون الحريات العامة في 15 نوفمبر 1958 الذي وضع الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية. دستور ديسمبر 1962 وفي عام 1960 عين الملك محمد الخامس مجلسا دستوريا مكونا من جل ألوان الطيف السياسي المغربي، باستثناء حزبين رفضا الدخول فيه مطالبين بانتخاب مجلس تأسيسي للدستور عن طريق الاقتراع العام وهما: الحزب الشيوعي المغربي المحظور آنذاك منذ 1959 والإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان قد انفصل لتوه عن حزب الاستقلال، وأوكل لمجلس الدستور المُعين مهمة وضع دستور دائم للبلاد، وتقديمه للملك قصد المصادقة عليه قبل شهر دجنبر 1962، لكن المجلس فشل في مهامه بعد انسحاب الكثير من أعضائه المحسوبين على أحزاب الحركة الشعبية بقيادة المحجوبي أحرضان، والدستور الديمقراطي بقيادة محمد حسن الوزاني، والأحرار المستقلين بقيادة أحمد رضى اكديرة، وذلك احتجاجا على تعيين علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال رئيسا عليه، ليتم إقبار فكرة “مجلس الدستور” إلى الأبد. وفي 7 ديسمبر سنة 1962 أوفى الملك الحسن الثاني بوعد أبيه الذي كان قد وعد بوضع دستور للبلاد قبل انتهاء 1962، ولم يمنعه من ذلك سوى موته المفاجئ إثر عملية جراحية بسيطة على الحنجرة في 27 فبراير 1961، وطرح مشروع دستور ممنوح على الاستفتاء الشعبي، دون أخذ رأي المعارضة فيه أو العودة إلى إحياء فكرة مجلس الدستور، لتُحسم بذلك معركة الدستور والسلطة التأسيسية لفائدة الملك. وتم الاستفتاء على الدستور، رغم دعوة أحزاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والدستور الديمقراطي والحزب الشيوعي المغربي إلى مقاطعته واستبداله بانتخاب مجلس تأسيسي للدستور. لكن أحزاب الاستقلال والحركة الشعبية والأحرار المستقلين صوتوا لصالح الدستور، والنتيجة الرسمية للاستفتاء كانت بالإيجاب بنسبة 84 في المائة. هذا ” الإصلاح السياسي ” الذي تمثل في وضع دستور ممنوح للبلاد، حسم الصراع وإلى اليوم حول مجموعة من القضايا الخلافية لصالح الملك: كاختصاصات الملك الواسعة، وطبيعة النظام السياسي، ودور البرلمان، ودور الأحزاب، وكيفية تشكيل الحكومة وصلاحياتها، وهو ما جعل آمال المعارضة وبخاصة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية في إقامة ملكية برلمانية عصرية يسود فيها الملك ولا يحكم تتبخر، كما أن حزب الاستقلال الذي حاول من خلال تصويته الإيجابي على الدستور مغازلة القصر للحصول على وزارات هامة في الحكومة التي أعقبت انتخابات 17 ماي 1963، خرج هو الآخر خاوي الوفاض حينما استأثر صنيع القصر الجديد، حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، المعروف اختصارا باسم ” الفديك” بأغلب الوزارات، ضمن تكتيك السلطة الجديد، ما جعل الحزب ينتقل للمعارضة ولأول مرة منذ الاستقلال. ومن حيث المضمون، حدد هذا الدستور في فصله الأول طبيعة النظام السياسي المغربي بكونه نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية، وفي فصله الثالث منع نظام الحزب الوحيد، وجعل دور الأحزاب مختزلا فقط في تنظيم المواطنين وتمثيلهم دون أي أمل في الوصول إلى السلطة، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية، لأنه وببساطة، من يمتلك السلطة بحسب الدستور هو الملك، كما هو منطوق الفصل 19 ” الملك أمير المؤمنين، ورمز وحدة الأمة ، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.” و في فصله 14 أقر حق الإضراب، لكنه أفرغه من أي معنى حينما أضاف إليه عبارة” وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات اللازمة لممارسة هذا الحق”، وأما الفصل 24 فقد أعطى للملك وحده الحق في تعيين أو إعفاء الوزير الأول وباقي الوزراء، دون تمتيع الوزير الأول بأي سلطة تقريرية كيفما كان نوعها، واكتفى الفصل 62 بتمتيع الوزير الأول فقط بسلطة تنظيمية مرتبطة بعمل مختلف الوزارات. وجعل الفصل 36 البرلمان مكونا من مجلسين: مجلس للنواب ينتخب جميع أعضائه بالاقتراع المباشر وآخر للمستشارين وينتخب أعضاؤه بصفة غير مباشرة عن طريق مستشاري الجماعات المحلية والهيئات المهنية وممثلي المأجورين، وحدد الفصل 44 مدة مجلس النواب في أربع سنوات. دستور يوليوز 1970: في 23 مارس 1965 عرفت مدينة الدار البيضاء المغربية وبعض المدن الأخرى أحداثا دامية بسبب مذكرة تقدم بها وزير التعليم آنذاك يوسف بلعباس، ولم تقبلها الأوساط التعليمية من أساتذة وتلاميذ وطلبة. وبعدها بحوالي شهرين، انهارت الأغلبية الحكومية، ولجأ الملك إلى الفصل 35 من دستور 1962 لإعلان حالة الاستثناء، فتم حل البرلمان الذي كان يرأسه الدكتور عبد الكريم الخطيب، ودامت مدة الحل خمس سنوات بقي فيها المغرب بدون برلمان، حاول خلالها النظام جاهدا ترتيب أوضاعه الداخلية، عبر استئنافه للحوار من جديد مع قيادة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، وخاصة مع “دينامو” الحزب المهدي بن بركة، الذي دفع أخيرا حياته ثمنا لفشل هذا الحوار. وفي العام 1969 تم اكتشاف تنظيم سري مسلح بقيادة الفقيه البصري، وهو أحد أحد مؤسسي جيش التحرير المغربي، وقائد” التيار البلانكي” داخل الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومحكوم عليه سابقا بالإعدام في ما عرف بـ ” مؤامرة يوليوز 1963″ التي استهدفت حياة الملك، وقد قيل حينها أن هذا التنظيم كان يسعى للإطاحة بالنظام احتجاجا على فرضه دستور ديسمبر 1962، وسده لكل منافذ النشاط السياسي. في ظل هذه الأجواء، ومن أجل العمل على تنفيس الجو السياسي الداخلي لتلميع صورة المغرب في الخارج، وتجنيب البلاد آثار انقلاب يونيو 1965 العسكري الذي أوصل الهواري بومدين للسلطة في الجارة الجزائر، أصدر الملك الحسن الثاني عفوا ملكيا على مجموعة من المعتقلين السياسيين، وأرفقه بخطاب إذاعي يوم 8 يوليوز 1970 أعلن فيه عن نهاية حالة الاستثناء، وعن نيته تعديل دستور 1962. فجاء دستور 24 يوليوز 1970، ليحافظ بدوره على الطابع العتيق للملكية المغربية، وليقنن ويُدستر حالة الاستثناء، ويركز أكثر السلطات في يد الملك، ما شكل تراجعا كبيرا عن دستور 62 على علته، وهذه بعض الإشارات الدالة على هذا التراجع: * تم الاحتفاظ بمتن الفصل 19 الذي يشكل وحده دستورا آخرا، وأضيفت له بجانب عبارة ” الملك أمير المؤمنين” عبارة “والممثل الأسمى للأمة” في إشارة إلى سمو التمثيل الملكي عن جميع مؤسسات التمثيل الأخرى التي أقرها الدستور، وكفايته عنها في حال غيابها أو انعدامها، بغية سد أي فراغ سياسي قد ينجم عن أي حل محتمل للبرلمان، كما تم تأكيده بصريح العبارة من خلال الفصلين 69 و 70، حيث ورد في الفصل 69 ” للملك، بعد استشارته رئيس الغرفة الدستورية وتوجيه خطاب للأمة، أن يحل مجلس النواب بظهير شريف.” وفي الفصل 70 ” يقع انتخاب مجلس النواب الجديد في ظرف ثلاثة أشهر على الأكثر بعد تاريخ الحل، وفي أثناء ذلك يمارس الملك تلافيا للفراغ بالإضافة إلى السلط المخولة له بمقتضى هذا الدستور السلط التي يختص بها مجلس النواب.” * وجاء الفصل 21 بصيغة جديدة أعيد من خلالها النظر في تركيبة مجلس الوصاية، واختصاصاته التي استثني منها مراجعة الدستور، وصفته الجديدة كهيئة استشارية تعمل إلى جانب الملك غير البالغ لسن الرشد، إلى حين بلوغه ذلك. بخلاف دستور 62 الذي أعطى سلطة التسيير إلى مجلس الوصاية دون تقييدها بموانع أخرى كضرورة الاستشارة مع الملك اليافع، أو الامتناع عن مراجعة الدستور. والهدف من وراء ذلك، هو سد كل المنافذ التي قد تتسرب من خلالها بعض صلاحيات الملك إلى جهات أخرى. * وعلى عكس دستور 1962 ، قيد الفصل 37 من الدستور الجديد حصانة النواب البرلمانين في حال إبدائهم رأيا يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك، ولوح بإمكانية متابعتهم أو إلقاء القبض عليهم في حال وقوعهم في مخالفة من هذا النوع. * كما جرى اعتماد نظام الغرفة الواحدة مع تقليص نسبة الأعضاء المنتخبين مباشرة من الشعب ( المجلس مكون من 240 عضواً، ينتخب تسعون منهم بواسطة الاقتراع العام المباشر، فيما ينتخب الباقون، وعددهم مائة وخمسون، بالاقتراع غير المباشر) وحددت مدة العضوية في ست سنوات. وكرد فعل مباشر على هذا الدستور المخيب للآمال، تشكلت بتاريخ 22 يوليوز ” الكتلة الوطنية” من حزبي الاستقلال بقيادة علال الفاسي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، وصدر عنها ميثاق سلا التأسيسي الذي دعا إلى إقامة ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية، كما دعت الكتلة للتصويت بـ “لا” ضد مشروع دستور 70، كما أصدرت لجنتها المركزية بيانا في 4 غشت من نفس السنة تعلن فيه قرارها مقاطعة الإنتخابات التشريعية المزمع إجراؤها بتاريخ 21 و28 غشت من نفس السنة، ما جعل برلمان 1970 “المنتخب” برلمانا غير ذي معنى، ما دام لا يستطيع ضم قوى المعارضة لتحييدها وإدماجها في اللعبة، وقد ترأسه السيد عبد الهادي بوطالب بأمر ملكي. وقد وضعت المحاولة الانقلابية لسنة 1971 حدا لحياة دستور 1970. دستور مارس 1972: بعد فشل انقلاب 71 دخل القصر في مفاوضات مع الكتلة الوطنية، للاتفاق على إصلاحات سياسية ودستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وبينما كان الطرفان على وشك الوصول إلى اتفاق حول كيفية تداول الحكم، وطبيعة الدستور، انفرد الملك مرة أخرى بعرض مشروع دستور على الاستفتاء في 10 مارس 1972، فدعت الكتلة إلى مقاطعته، احتجاجا على عدم الأخذ برأيها في التعديل الدستوري الجديد، لكنه كان كسابقيه استفتاء ” اجماعيا “. وهكذا أمر الملك بحل مجلس النواب المنبثق عن دستور 1970، وكلف التكنوقراطي ” كريم العمراني ” بتشكيل حكومة جديدة في 3 أبريل 1972، ودعى الكتلة إلى المشاركة فيها، لكنها رفضت، فأعلن الملك في خطاب له بتاريخ 30 أبريل 1972 عن تأجيل الانتخابات المنبثقة عن الدستور الجديد إلى تاريخ غير محدد، وربط إمكانية إجراءها بتوفر جملة من الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما نجح فيه النظام بامتياز مع بداية 1974، حيث بدأ بتعبئة الجميع خلفه حول معركة استرجاع الصحراء من المستعمر الإسباني، وبناء الوحدة الترابية للمغرب، وهذه معركة وطنية كبرى أرغمت جميع الفاعلين السياسيين قصرا ومعارضة على التوحد خلفها. وقد ظهر ذلك جليا من خلال مساهمة الجميع في المسيرة الخضراء التي نظمت بتاريخ 6 نوفمبر 1975، وأدت إلى تحرير الصحراء، وطبعا سياق ” الإجماع الوطني” هذا، تطلب سياقا آخرا موازيا جسده شعار” السلم الاجتماعي”، وهذه هي الشروط التي تحدث عنها النظام وعمل على تحقيقيها قبل الدخول في أي أفق سياسي جديد، وهكذا عرفت البلاد تدشين “المسلسل الديمقراطي” سنتي 1976 و 1977 عبر إجراء ثالث انتخابات محلية وتشريعية في المغرب، وعودة بعض القوى السياسية التي كانت تعاني من الحظر كالتقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي إلى الشرعية، فيما تم تأجيل مسألة الإصلاح الدستوري والسياسي بدعوى تصليب الجبهة الداخلية. لكن، ومع انتخاب برلمان 1977، ودخول بنود دستور 1972 حيز التطبيق، تبين بالملموس أن السلطة الحقيقية تمارس في مكان آخر غير البرلمان، وأن هذه المؤسسة التي يفترض فيها أن تكون منبع القوانين والقرارات أصبحت مجرد مكتب ” ضبط ” أو ” تسجيل” تمر عبره الحكومة لتسجيل قوانينها حتى تضفي عليها طابع المشروعية القانونية والدستورية. دستور سبتمبر 1992: مع بداية التسعينات، طرأت على العالم تغيرات سياسية واقتصادية جوهرية، أهمها نهاية فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، وقد رافق هذه التحولات انتشار قوي لدعوات الإصلاح الديمقراطي، ولم يكن المغرب طبعا في منئً عن كل ذلك كما قال الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى تصريحاته “سيكون من مجافاة الصواب القول إننا غير معنيين بالأحداث التي شهدها العالم أو إدعاء ألا تأثير لها علينا”. وقد دفع عجز الدساتير الثلاث السابقة والإصلاحات السياسية الشكلية التي رافقتها قوى المعارضة اليسارية إلى المطالبة بتغييرها، أو تعديلها كحد أدنى، عبر رفع مذكرتين حول الإصلاح الدستوري إلى القصر : الأولى بتاريخ 3 أكتوبر 1991 من طرف كل من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدعم من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي( قبل تأسيس الكتلة الديمقراطية)، والثانية بتاريخ 19 يونيو 1992 من طرف الكتلة الديمقراطية التي كانت قد تأسست بتاريخ 17 ماي 1992 من أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. بدوره النظام، وبهدف تلميع صورته على المستوى الدولي، واحتواء المد النضالي الذي عرفه المغرب مع بداية التسعينات فيما يخص المطالبة بالإصلاحات السياسية والدستورية، بادر إلى الإعلان عن نيته إطلاق مشروع دستوري جديد، ووعد بالنظر في مطالب الكتلة الديمقراطية مع احترام قاعدة ” الملك يسود ويحكم “، كما جاء في حديث الملك لصحيفة ” لوموند” الفرنسية في شتنبر 1992 والذي قال فيه “الإسلام يمنع إقامة ملكية دستورية يفوض فيها الملك جميع سلطه ويصبح يملك دون أن يحكم” ، وتم إلغاء ظهير “المقيم العام الفرنسي هانري بانصو” لسنة 1935 سيء الصيت، والمعروف اختصارا بظهير “كل ما من شأنه”. لكن الدستور الجديد الذي أقر في استفتاء 14 سبتمبر 1992 لم يحمل في طياته أي تغيير جدي يذكر، فلم يستجيب لمطالب الكتلة الديمقراطية حول حكومة مسؤولة، منبثقة من الأغلبية البرلمانية، تحدد وتدبر سياسة الدولة بموجب نص الدستور، الذي ينبغي أن ينص كذلك على ترحيل بعض اختصاصات المجلس الوزاري إلى المجلس الحكومي، والإقرار بإمكانية ترؤس الوزير الأول للمجلس الوزاري عوض الملك عن طريق التفويض. بل تم الاكتفاء فقط بتعديل بسيط للفصل 24 الذي أصبحت صيغته كالتالي ” يعين الملك الوزير الأول. ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم. ويعفي الحكومة بمبادرة منه أوبناء على استقالتها” بدلا من صيغة ” يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا” الواردة في دستور 72، أما على مستوى القضاء فلم تتم الاستجابة لمطالب الكتلة الديمقراطية، بضمان فعلي لاستقلال القضاء وصيانة حرمته. وهكذا رفضت أحزاب الكتلة دستور 92 ودعت إلى مقاطعته باستثناء حزب التقدم والاشتراكية الذي صوت لصالحه ودعا الناخبين للتصويت الإيجابي عليه

دستور سبتمبر 1996: في ظل تزايد الحديث عن رغبة ملكية في إطلاق تعديل دستوري غير مسبوق في تاريخ المغرب، ومع ورود إشارات أو لنقل ضمانات، من الجهات العليا، حول إحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية المغربية، عاد الزعيم الإتحادي عبد الرحمن اليوسفي من منفاه الاختياري بمدينة كان الفرنسية إلى المغرب، ليمهد الطريق أمام قيام أول حكومة تناوب توافقي، لكن قبل هذه الخطوة، جاءت المراجعة الدستورية للعام 1996، التي حملت في طياتها بعض التغييرات الجديدة مقارنة مع مراجعات الدساتير السابقة، إذ نص الدستور الجديد على اعتراف المغرب بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا،كما وأصبح البرلمان المغربي يتشكل من جديد من غرفتين: مجلس للنواب ومجلس للمستشارين (الفصل 36 من الدستور): مجلس المستشارين الذي أضحت مدة النيابة فيه تسع سنوات مع تجديد الثلث منهم كل ثلاث سنوات ومجلس النواب الذي أصبحت مدة النيابة فيه خمس سنوات بدل ست سنوات بحسب دستور 92، وينتخب جميع أعضاءه بالاقتراع الشعبي المباشر، خلافا لما كان عليه الأمر سابقا، حيث يتم انتخاب ثلث مجلس النواب بطريقة غير مباشرة، وهو ما كان يشكل البوابة الخلفية للإدارة للعبث بنتائج الانتخابات، وتصويبها بما يخدم التوازنات السياسية الضرورية للنظام. إلا أن الكثير من المحللين، نظروا إلى العودة إلى نظام الغرفتين من جديد، في ظل ضائقة مالية، على أنه محاولة من طرف النظام للإلتفاف على مطلب المعارضة بخصوص إلغاء الثلث الذي كان يتم انتخابه بشكل غير مباشر في نظام الغرفة الواحدة، ولإحداث صمام آمان تنظيمي يحمي من كل المخاطر التي قد تنجم عن فوز الكتلة بأغلبية ساحقة في مجلس النواب. وعموما جاء التعديل الدستوري لسنة 1996 مستجيباً فقط لبعض مطالب المعارضة الثانوية التي وردت في مذكرتها التي وجهتها للملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 23 أبريل 1996، ودارت إجمالاً حول قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة، وحول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وإصلاح الإدارة والقضاء وضمان نزاهة الانتخابات..في حين تجاهل مطالب أساسية أخرى متعلقة بصلاحيات الملك، والحكومة، والوزير الأول، ورغم ذلك صوتت أحزاب الكتلة الديمقراطية، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بنعم على دستور عام 1996، ووصفت تصويتها الإيجابي هذا بالتصويت السياسي الذي هدفت من وراءه إرسال رسالة ثقة وتشجيع إلى النظام لتهيئة الأجواء قبل الدخول في تجربة التناوب التوافقي. ومن ناحية أولى، أدت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثمنا باهضا من تماسكها التنظيمي بسبب موقفها الرافض للتعديل الجديد، إذ رحل عنها تيار واسع من أطرها المؤيدين للدستور، وشكلوا حزبا سياسيا جديدا تحت اسم ” الحزب الاشتراكي الديمقراطي ” بقيادة عيسى الورديغي وذلك في الفاتح من سبتمبر 1996 أي قبل 13 يوما فقط من الاستفتاء على الدستور( في ديسمبر سنة 2005 اندمج هذا الحزب بصفة كلية في صفوف الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) . ومن ناحية ثانية وقع تقارب بين النظام السياسي وأحزاب الكتلة الأخرى المساندة، تطور فيما بعد إلى إشراك هذه الأحزاب في أول حكومة تناوب توافقي يعرفها المغرب منذ الاستقلال، وألقي على عاتقها مسؤولية إنقاذ البلاد من ” السكتة القلبية” التي حذر منها الملك الراحل في قبة البرلمان في دورة مايو التشريعية سنة 1995 على خلفية تقرير قاتم لمدير البنك الدولي حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، أو لنقل طُلب من هذه الحكومة منها توفير الحد الأقصى من السلم الاجتماعي لتمرير مخططات الدولة في الإجهاز على الحقوق الاجتماعية للمواطنين لفائدة التوازنات المالية الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها، وتعبيد الطريق أمام انتقال سلس للسلطة لولي العهد آنذاك الأمير محمد السادس. دستور يونيو 2011 : بدت المسودّة مفاجِئة في نظر الكثير من المعلقين المغاربة شديدي التفاؤل لجهة سعة الإصلاحات المقترحة وعمقها. ولهذا عبرت النخب السياسية لدى العديد من الأحزاب والفصائل السياسية الكبرى عن تأييدها الشديد لها. ولكن يبقى جليّاً أنّه في حين كان النظام الملكي يستجيب صراحةً لأكثر الضغوط الاجتماعية والسياسية الأخيرة، كان واضعوا مسودّة الدستور الجديد يستجيبون مباشرةً لإرادة المخزن التقليدي ويعملون في ظل حكم سلطوي متأصل ومديد، وقد جرى إقرار الدستور الجديد في استفتاء عام في 1 يوليوز 2011. وفي ظل تلك الظروف السياسية، بدا أن الاستفتاء أشبه بلحظة تجديد للبيعة التقليدية بين السلطان ورعاياه، ومن هذا المنظور، بدا التصويت ب” نعم” وكأنه قسم ولاء يربط الشعب المغربي ربطاً وثيقاً بملكه، وهي حقيقة تضع الملك بمنأى عن أي انقسامات وفوق الدستور. كان التصويت ب ” نعم ” على الدستور أشبه باتّخاذ صفة “الشاهد القانوني” وتأدية “واجب وطني ” ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض على مشروع الملك كان ليفُسِّر على أنه انتهاك قانوني وخروج عن الضوابط التي يضعها “المجتمع “، وليقارب التدنيس والخروج على “الواجب المقدس”. وصدر الدستور الجديد في 29 يوليو 2011 ، و ألغى بذلك دستور 7 أكتوبر 199، واحتوى على مقدّمة تشكّل جزءاً لا يتجزأ منه إضافة إلى 180 فصلاً، في حين كان دستور 1996 يتألف من 108 فصول فحسب، وقد جرت كتابة العديد من الفصول بطريقة مبهمة للغاية، وخُصِّصَ باب للمبادئ العامة المتعلقة ب” الحكم الرشيد” ( الباب الثاني عشر)، وتضمن الدستور الجديد مطالب فئات اجتماعية رئيسية كالناشطين الأمازيغيين )الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية في الفصل 5 ) والجمعيات النسائية )المساواة في الفصل 19 ) أو المغاربة المقيمين في الخارج )الاعتراف بحقوق المواطنة الكاملة في الفصل 17 ) والنقابات ( الاحتفاظ بمجلس المستشارين في الفصل 63 والنخب الشبابية ) إحداث مجلس ا استشاري للشباب والنشاط المجتمعي في الفصل 170 ) . و أما ما يتعلق بنص الدستور، فإن مجرد تحليل سريع يُظهر أن النص الجديد شهد تغييرات هامة مقارنةً مع دستور عام 1996 في نقاط عدة مثل: الاعتراف بحقوق جديدة، الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية، بناء قدرات البرلمان والحكومة، جعل الهيئات التنظيمية دستورية، با لإضافة إلى النهوض بحقوق الإنسان، ولكنّ الدستور لم يؤسس لملكية برلمانية حقيقية، وعليه فإن الملك يبقى في مركز الحياة السياسية والدستورية ويواصل تركيز كل السلطات في يده.

الناظور صبيحة الخميس 13 رجب 1437 / 21 ابريل 2016

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)