“النادي البحري” يواجه مصيرا مجهولا في الناظور

عبد الكريم هرواش من الناظور

على ضفّة بحيرة مارتشيكا في قلب مدينة النّاظور، وبالمحاذاة مع شارع محمد الزرقطوني الممتد على مستوى كورنيش المدينة، يقوم النادي البحري (كلوب) لمدة ثمانين سنة ببنايته الكولونيالية التي تحمل ملامحَ تاريخية تعود بالضبط إلى المرحلة الاستعمارية الإسبانية التي وسَمت تاريخ منطقة الرّيف

النادي البحري الذي أكمل الإسبان بناءَه سنة 1941، ظل صامدا هذه المدة الزمنية كلها حتّى تحول إلى أحد أشهر رموز مدينة الناظور كمعلمة تاريخية تصدرت بطاقات الـ”كارت بوستال” ومختلف الصور التعريفية بالمدينة في الكتب والمجلات وعلى مواقع البحث الإلكترونية وغيرها

حاز النادي البحري مكانة سامية في قلوب ساكنة النّاظور، وارتبط بكل حمولته التاريخية والتراثية بوجدانهم وذاكرتهم الجماعية، لذلك هب المجتمع المدني بكل حماس وإصرار لمعارضة قرار وكالة “مارتشيكا” القاضي بهدمه، وإجبارها على التراجع عن القرار وإلغائه

لمحة تاريخية عن النادي البحري

بنى الاستعمار الإسباني النادي البحري سنة 1941 في موقع استراتيجي اعتُبر حينها قلب المدينة الصغيرة تحت إشراف المقاول الإسباني مانويل لاتور باستور، وأطلق عليه بدايةً اسم “نادي ضباط البحرية الإسبانية”، على اعتبار أنه كان عبارة عن مقهى مخصص لاجتماع الضباط العسكريين التابعين للجيش الإسباني

يقول يزيد الدريوش، الباحث في تاريخ الريف، إن “الضباط الإسبان كانوا يجتمعون في النادي لعقد اجتماعاتهم والتشاور في أمورهم وكذلك لمزاولة بعض الأنشطة الترفيهية وتنظيم بعض التظاهرات الرياضية، من أبرزها سباق القوارب الشراعية في بحيرة مارتشيكا. وعرف المقهى بهذا الاسم “نادي ضباط البحرية الإسبانية” طيلة الفترة الاستعمارية”

وبعد الاستقلال، يضيف المتحدث، أصبح المقهى يحمل اسم “نادي البحر الأبيض المتوسط”، وتشرف عليه جمعية تحمل الاسم ذاته. وكانت الجمعية تقوم بمجموعة من الأنشطة الثقافية، من أهمها إصدار مجلة “بحر الأبيض المتوسط”، التي كانت أعدادها تتمحور حول التعريف بمنطقة الريف وتاريخها على كافة المستويات، وكان لها دور كبير في حفظ الذاكرة الريفية

نضال ضد هدم النادي

وضعت وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا في جدول أعمالها، سابقا، هدم معلمة النادي البحري لاستكمال مشروع توسيع كورنيش الناظور، وهو القرار الذي أثار حفيظة ساكنة مدينة الناظور، حيث هبت مختلف الفعاليات الجمعوية لمعارضته على شكل وقفات احتجاجية واعتصامات حول البناية التاريخية دامت أشهرا إلى حين إلغاء القرار

وتشكلت في سياق معارضة قرار وكالة “مارتشيكا” هيئة جمعوية أطلق عليها “اللجنة المدنية للدفاع عن المعلمة التاريخية النادي البحري” ضمت أبرز الفاعلين الجمعويين والمدنيين بإقليم الناظور، الذين عمموا احتجاجاتهم على أرض الميدان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن أصبحت المحافظة على النادي البحري هما مشتركا وهدفا أساسيا تقاسمته جميع ساكنة الإقليم

وفي هذا الصدد يقول فهد كردي، منسق اللجنة المدنية للدفاع عن المعلمة التاريخية النادي البحري، “تتبعنا المسطرة القانونية، فراسلنا وزارة الثقافة والاتصال حينها مع إمدادها بجميع الوثائق التي تثبت أن النادي البحري معلمة تاريخية وأحد أهم رموز إقليم الناظور بأكمله، ولا يليق هدمه، فكان تفاعل الوزارة مع هذا المطلب إيجابيا، وتحقق المراد الذي ناضلنا من أجله بكل حماس وقوة”

وفي سياق موجة الغضب هذه، واستجابة لضغوط الرأي العام بالمدينة، قررت الوكالة أخيرا الاكتفاء بترميم المعلمة التاريخية بدل هدمها، على اعتبار أن من الأسباب الرئيسية التي استندت إليها في اتخاذ قرار الهدم، بتنسيق مع المجلس البلدي للناظور والوكالة الحضرية، هو تآكل جدران وأعمدة البناية مما يجعلها آيلة للسقوط

إدراج البناية في عداد الآثار

دافع المجتمع المدني بكل مكوناته بالناظور عن النادي البحري على كافة المستويات، إلى غاية إدراجه في عداد الآثار التي يجب المحافظة عليها في البلاد بموجب قرار وزير الثقافة والاتصال المنشور في الجريدة الرسمية عدد 24 يوليوز 2017، تحت رقم 647.17

وكان القرار الوزاري تنفيذا للطلب الذي تقدمت به مجموعة من جمعيات المجتمع المدني بالناظور (49 جمعية) بتاريخ 30 نونبر 2015، والذي تم قبوله من طرف الوزارة المعنية بعد استشارة لجنة التقييد والترتيب خلال اجتماعها الذي انعقد نهاية مارس 2016

وجاء في القرار “تقيد في عداد الآثار بناية النادي البحري بإقليم الناظور المتضمنة بالسجل العقاري

( Finca numero 1,322)

لبلدية الناظور بتاريخ 1945، وكما هو مبين في التصميم المرفق بأصل هذا القرار”

ونص القرار على أنه “لا يمكن تغيير المكونات التراثية والبنيات المتواجدة بالبناية وفقا للتصميم المذكور أعلاه، أو ترميمها أو إدخال أي تغيير عليها ما لم تعلم بذلك وزارة الثقافة والاتصال قبل التاريخ المقرر للشروع في الأعمال بستة أشهر على الأقل كما هو منصوص عليه بالفصل السادس من القانون رقم 22.80 المشار إليه أعلاه”

المجهول يلف مصير النادي

توقفت أشغال ترميم النادي البحري قبل حوالي سنتين بقرار من وزارة الثقافة بسبب عدم استجابة مشروع الترميم الذي أشرفت عليه وكالة “مارتشيكا” للمعايير والشروط العامة لتنفيذ هذا المشروع

ويقول حكيم شملال، منسق مبادرة “متطوعون من أجل الناظور”، “راسلنا وزارة الثقافة بخصوص عدم استجابة الوكالة لشروط عملية الترميم التي تنص على عدم تغيير معالم البناية، باعتبار أن الوكالة، حسب علمنا، استعانت بمقاول لترميم البنايات العادية، فيما كان من المفروض الاستعانة بمقاول متخصص في ترميم البنايات التراثية، وقبل ذلك ضرورة استشارة الوزارة المعنية بستة أشهر على الأقل كما جاء في القرار الوزاري”

ويضيف المتحدث “فقدت المعلمة التاريخية جمالها الذي كانت تضفيه على المدينة، بوضعها الحالي وهي موضوعة وسط أعمدة خشبية تحاصرها واجهتان حديديتان ويبدو الخراب داخلها على نحو فظيع. لا ندري جميعا متى ستُستأنف أشغال ترميم المعلمة لتعود كما كانت سابقا”

ويختم شملال حديثه قائلا: “إنها معلمة تاريخية كانت شاهدة على الاستعمار وعلى مقاومة المجاهدين الريفيين وعلى تاريخ أجدادنا، وتشكل هوية سكان الناظور وأحد أشهر رموز مدينتهم. لذلك فمطالبنا أن تعود المعلمة كما كانت سابقا، وأن تتحول إلى متحف لعرض الصور التاريخية أو رواق فني لتنظيم مختلف الأنشطة الثقافية من موسيقى أو رسم أو أدب أو معرض للوحات الفنية أو للكتب والإصدارات الثقافية

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

Optionally add an image (JPEG only)